هل اختبارات الشخصية تعيق التطور الشخصي؟

جوشوا هـ. فيلبس


حجم الخط-+=

ترجمة: عبير علاو

هل تعد اختبارات الشخصية بمساعدتنا على فهم أفضل لأنفسنا، ولكن ماذا لو كنت تبحث عن شيء آخر؟

في الحلقة الافتتاحية لبودكاست Blinkist الجديد، مساعدة الذات وصفت سوزان كاين كيف غيَّر اختبار الشخصية حياتها، إذ قادتها الأفكار الشخصية التي اكتسبتها إلى تغيير مسار حياتها المهنية في الثلاثينات من عمرها وتخصيص مزيد من الوقت للكتابة، ونتيجة لذلك، ما بدأته هوايةً قادها إلى أن تكون صاحبة أكثر الكتاب مبيعا في نيويورك تايمز؛ الهدوء.

بدأ مسار كاين بكتاب “افعل ما أنت عليه” من تأليف بول د. تايجر، باربرا بارون، وكيلي تايجر، إذ يبني مؤلفو هذا الكتاب المسارات الوظيفية الموصى بها على الأنواع الستة عشر الموجودة في مقياس مايرز بريجز (MBTI)، وغني عن القول إن اختبار الشخصية الذي اتخذته كاين أثبت فعاليته، فأُوصَت بأن تتطلع إلى الكتابة كونه حقلا محتملا استكشافه من بين العديد من المجالات التي يجب استكشافها. في حالة رغبتك بإجراء اختبارًا شخصيًا لنفسك بشكل أو بآخر فإن MBTI وEnneagram هما من أشهر الاختبارات الموجودة والمثبتة فعاليتها، تستخدم أماكن العمل والمدارس الاختبارات الشخصية لمساعدة الموظفين والطلاب على إيجاد مساراتهم وتحديد أسلوب حياتهم والوظيفة التي تتناسب أفضل مع ميولهم وتمنحهم اكتشاف أفضل للطرق التي يمكن للفرد أن يساهم بها في الفريق، وتستخدمها مواقع الويب مثل Buzzfeed و Reddit لتخبرك أيا من شخصيات Harry Potter أو بوكيمون تشبهك. عادة ما تُنظيم اختبارات الشخصية لتكون استبيانا متعدد الخيارات، وبعد أن تُحسب إجاباتك، تتلقى نوع نمطك الشخصي، وقد يضع بعض أصحاب العمل قدرا معينا من الإجابات، مما يمكن أن يدفع الأشخاص لمحاولة تخمين الإجابة الصحيحة عن اختبار الشخصية لتلك المؤسسة، لكن ما مدى دقة النتائج؟ 

تأخذنا ميرف إمري في كتابها “وسطاء الشخصية” في جولة ممتعة تسرد بها قصة كاثرين كوك بريجز وإيزابيل بريجز مايرز، فريق الأم والابنة اللتين أنشأتا نموذج MBTI، وفي حين أن جودة ما قاموا به لا غبار عليها فإن الدقة العلمية لهذا الاختبار واختبارات الشخصية الأخرى باتت تحت المجهر لأنه قد يكون هناك عواقب غير مقصودة لإخبار شخص ما بأنه ذا “نوع” محدد. يمكن أن تكون النتائج التي يتلقاها المرء بعد إجراء أحد اختبارات الشخصية هذه مدهشة تمامًا فيما يتعلق بمدى “الصواب”، وقد يكون من المغري أن نكرس أنفسنا بالكامل لتطوير نقاط القوة المذكورة. ومع ذلك، يمكن أن تصبح الأنماط أيضًا وسيلة لتحويل النقد أو التفكير الذاتي، كأن يقول المرء لنفسه “حسنًا، أنا فقط [Enneagram أو هذا النمط من MBTI]، هذا هو أنا ومن المفترض أن أكون هكذا فقط”. لذا يكون ما تبقى من الصفات أو ما يستنتج وغير متوفر في الفرد يندرج تحت نطاق “تعامل معه لتكونه” فينمو الفرد بنحوٍ غير متوازن ويعزل نفسه عن تطوير شخصيته في النطاقات غير المذكورة في الاختبار. حتى كارل يونج نفسه حذَّر من مثل هذا التطور المفرط والإفراط في تحديد الهوية، ففي العديد من كتاباته، ناقش بأن هذا النشاط يسبب المزيد من المشاكل في الفرد، إضافةً إلى ذلك، لم يكن يونغ حريصًا على الحصول على التصنيف النفسي الدقيق الذي وصفه شكلا صارما من التصنيف، وفي مقدمة لطبعة من كتاب منشور في الأرجنتين، دعا هذه المنهجية بـ “لعبة الصالون الصبيانية”، وهذا منطقي بالنظر إلى أن الرموز وعلم نفس الأحلام والتفكير النموذجي المستمد من الأبحاث التي أجريت على الأساطير والكيمياء والدين، ومن المعروف أن يونج قد جعل الكتل الأساسية للفردية تتفق مع بعضها البعض.

يتطلب تحقيق هذا النوع من التوازن نمو وتطور شخصية الفرد بأكملها، وليس فقط الصفات والجوانب التي تظهر معظم الوقت، فالعديد من دراسات الحالة والقضايا المجتمعية -المذكورة في كتب جونج- كانت في الأساس بسبب عدم قدرة الفرد أو المجتمع على النمو إلى ما وراء الصورة الشخصية الضيقة.

“على الرغم من أن اختبارات الشخصية قد تكون أدوات مفيدة فإنها لا تنقلنا إلى مصير معين إذ إنها لا تعدو أكثر من مجرد مطرقة ومسمار يحددان شكل المنزل”.

في السنوات الأخيرة، تميل الكتب الصادرة عن علم النفس الفردي إلى الجدال ضد نموذج المجموعة الذي تدافع عنه معظم اختبارات الشخصية. لقد مر ما يزيد قليلاً على تسعين عامًا منذ ظهور الإصدار الأول من MBTI، كما أن اختبارات Jung’s Psychological Types تبلغ 100 عام تقريبًا، وربما يكون من المعقول فقط التشكيك في دقة اختبارات الشخصية إذ أدى الفصل في علم الدماغ وعلم النفس وتاريخ العالم بين ذلك الحين وحتى الآن إلى وضع افتراضاتنا السابقة حول شخصية الإنسان موضع تساؤلٍ مهم.

تستمد بعض الكتب مثل كتاب كارول دويك Mindset، وكتاب دان أريلي The Upside of Irrationality، وأعمال دانييل ليفيتين- أفكارها من هذه التطورات المعاصرة، وتوصل علماء اليوم إلى بعض الاستنتاجات المختلفة المتعلقة بالشخصية، ربما تكون أفضل طريقة في التعامل مع اختبار الشخصية هي استخدام الإحصاءات والاحتمالات، ففي هذه الحالة، لا تكون نتيجة MBTI صحيحة بنسبة 100٪، بل تكون تعددية بين النتائج الست عشرة المحتملة من الاختبار، إذ ربما تكون الأنماط الخمسة عشر الأخرى أقل عرضة للظهور لكن هذا لا يعني عدم احتمالية توفرها فيك، ولا نقول هذا بمعنى اضطراب الهوية الانفصالية، ولكن شخصية الإنسان معقدة أكبر بكثير من أن يُختزل في رقم أو أربعة أحرف. إن القول بأن شخصيتنا ثابتة يؤدي إلى الإضرار بتأثير العوامل الأخرى (أو عدم وجودها) مثل النوم، والجوع، والإجهاد، والبيئة، والأشخاص المحيطين بك، وما شابه ذلك على أي جزء من شخصيتك والذي يتصرف بشكل معين جراء هذه العوامل. 

“لكن هذا ليس أنا!” قد تسمع أحدهم يقول تلك الجملة، فغالبًا ما نحاول رفض سلوك معينة أو كلمة صدرت منا بتجردنا منها، وربما يكون هذا التصريح صحيحًا في معظم الحالات، لكن في تلك اللحظة المعينة حين قمنا بذلك الأمر كنا نتصرف كالشخص الذي للتو ادعينا أننا لسنا هو، قد تجد نفسك أحيانا تقول: إنني أميل إلى الانطواء في معظم الوقت، لكن مناقشة مواضيع معينة (مثل علم النفس) مع أشخاص معينين سوف تبقيني متفاعلًا ومنخرطًا في الحوار لساعات، فهل هذا يعني أنني لست نفسي في تلك اللحظات؟ هنا تكون إحدى السمات الخمس عشرة الأخرى تسللت إليك! توفر هذه المرونة داخل شخصياتنا أيضًا أساسًا للنمو الذي يمكن أن يحدث على مدار حياتنا، فعلى الرغم من أن اختبارات الشخصية قد تكون أدوات مفيدة فإنها لا تنقلنا إلى مصير معين إذ إنها لا تعدو أكثر من مجرد مطرقة ومسمار يحددان شكل المنزل.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى