وما زلت لا أعرف

قصة قصيرة 


حجم الخط-+=

لم تكن أمي تعرفني بما يكفي كي أفتقدها.

رحلت بعد سبعة أشهر من ولادتي، وتركتني في سنٍ لا يعرف الموت، ولا يعرف عنه، ولا معنى يفهمه لمعنى الأم سوء دفء أقرب امرأة بجواره.

وكانت جدتي هناك.

لا أعرف إن كانت قد قررت أن تكون أمي، أم أن الحياة، في تلك اللحظة، دفعتها إلى ذلك دون أن تستأذنها. كل ما أعرفه أنني فتحت عيني على العالم فوجدتها فيه، كأن الله، حين أخذ مني امرأة، منحني لطف العالم كله دفعة واحدة.

كبرت وأنا أتعلم الحياة من امرأة كانت تكبر في داخلي كل لحظة.

كانت يداها أول بيت عرفته، وصوتها أول ذاكرة لم تمت. كانت تعرف كيف تجعل الأشياء الصغيرة صالحة لأن نعيش من أجلها: رغيف ساخن، كوب شاي، ثوب نظيف، دعاء تقوله وهي تظن أنني لا أسمع.

كنت أظن في طفولتي أن الجدات لا يهرمن.

كنت أراها أكبر من الزمن نفسه؛ امرأة لا يمسها ما يمس الآخرين. وحين كنت أركض في الأزقة، كانت هي النقطة التي أعرف أنني سأعود إليها مهما ابتعدت. كنت أخرج من البيت طفلا، وأعود إليه فأجدها جالسة في المكان نفسه، كأن العالم كله يتحرك حولها وهي وحدها ثابتة.

ثم كبرت.

وصرت أعود إليها لا لأنني ضللت الطريق، بل لأنني بدأت أضل عن نفسي.

في المراهقة، كنت أخبئ عنها أشياء كثيرة، وأظن أنني بذلك أحميها مني. ولم أكن أعرف أن بعض الناس لا يحتاجون إلى أن تخبرهم بما في قلبك؛ يكفيهم أن ينظروا إلى وجهك ليروا ما تحاول إخفاءه.

ثم مضت السنوات.

دخلت العشرين، ثم الثلاثين، ثم عبرت الأربعين، واكتشفت شيئا مرعبا: أنني كلما تقدمت في العمر، عدت إليها أكثر.

كنت أظن أنني أبتعد عنها بالنضج، فإذا بي أقترب منها بالحاجة.

منذ عشرة أعوام، وهي أسيرة فراشها.

عشرة أعوام لم تعد فيها قادرة على ملاحقة الزمن كما كانت تفعل. صار الزمن هو الذي يأتي إليها، يجلس عند قدميها، ثم يمضي. أما هي، فبقيت في ذلك السرير، ضيفة طويلة على جسد لم يعد يطاوعها.

وأنا، كلما دخلت عليها، أشعر أنني أدخل إلى الجزء الوحيد من طفولتي الذي لم يستطع الزمن هدمه.

أراها على فراش الموت منذ عشر سنوات، فأشعر أن الموت نفسه قد تعب من انتظارها، فرحل.

لم تعد بيننا تلك المسافات القديمة. لم تعد تسألني عن المدرسة، ولا عن عملي، ولا عن الأشياء التي كنت أعود إليها لأحكيها. صرنا نجلس في صمت طويل، كأن الكلام صار شيئا يخص الأحياء، بينما نحن الاثنان نتحدث بلغة أخرى؛ هي بعينيها، وأنا بخوفي.

أمسك يدها أحيانا.

فأشعر، للمرة الأولى، أنني أمسك يد طفولتي.

يد المرأة التي حملتني حين لم أكن أعرف كيف أمشي، ثم صرت أنا أحاول أن أساندها حين لم تعد تستطيع الوقوف.

يا لهذه المفارقة القاسية:

أن يقضي الإنسان نصف عمره وهو يتعلم كيف يمشي بعيدا عن الذين ربوه، ثم يقضي نصفه الآخر وهو يتمنى لو يستطيع أن يعيد خطواته كلها إلى الوراء.

أنا الآن في العقد الخامس، وما زالت جدتي هي المكان الذي أضع فيه خوفي.

لم تعد قادرة على أن تحملني، لكن وجودها وحده ما زال يحملني.

أحيانا أنظر إليها وأفكر أن حياتي كلها لم تكن سوى طريق طويل بين سريرين: سرير بدأت فيه أمي غيابها، وسرير تستعد فيه جدتي لغيابي عنها.

وبينهما كنت أنا.

طفلا كبر، ورجلا لم يتعلم حتى الآن كيف يكون يتيما.

لأن اليتم، كما فهمته متأخرا، ليس أن تفقد من تحب، بل أن تعيش طويلا بما يكفي لتعرف أن آخر من تبقى لك في الجهة الأخرى من العالم يقترب هو أيضا من الرحيل.

لهذا لا أخاف موت جدتي فقط.

أخاف اليوم الذي سأدخل فيه غرفتها فلا أجدها.

أخاف الكرسي الفارغ، والسرير المرتب أكثر مما ينبغي، والصمت الذي لن يخرج منه صوتها.

أخاف أن تنتهي فجأة آخر حجة لي كي أقول إن لي أما.

وإذا حدث ذلك، فلن أشعر أن امرأة ماتت.

سأشعر أن عمرا كاملا انطفأ دفعة واحدة.

وسأعود، للمرة الأولى، إلى الحقيقة التي حاولت طوال حياتي أن أهرب منها:

أن أمي ماتت بعد سبعة أشهر من ولادتي، لكنني لم أعش بعدها بلا أم.

لقد أعطتني الحياة جدتي، ثم أخذت منها شبابها كي تمنحني طفولتي، وأخذت من جسدها قوتها كي تمنحني سنواتي، ثم تركتها الآن، منذ عشرة أعوام، مستلقية على فراش الموت، كأنها تدفع آخر أقساط عمرها كي أظل أنا حيّا.

وأنا، بعد كل هذه السنوات، ما زلت لا أعرف كيف أرد لها ذلك.

ربما لهذا أجلس إلى جوارها.

لا أفعل شيئا.

فقط أمسك يدها.

كما فعلت هي ذات يوم، حين كنت صغيرا جدا، ولم أكن أعرف بعد أن اليد التي تمسك يدي الآن ستكون، يوما ما، آخر ما أتمسك به في هذا العالم.

بلال طاهر: قاص من اليمن. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى