النص المفقود
قصة قصيرة

كنت أجلس عند مكتبي تاركة أوراقي تتناثر من حولي، أكتب القليل وأمزق الكثير. الفوضى تحيط بي من كل مكان وهاتفي يومض بجانبي إذ تظهر الكثير من الرسائل على الشاشة. موعد التسليم قد اقترب والتوتر يتلاعب بي بدأً من معدتي، إذ أشعر بها تنقبض إلى داخلها وكأنها تحاول أن تبتلع نفسها، وانتهاء بجبيني الذي تجعد وراح يعتصر كل نقطة عرق موجودة فيه.
استقمت قليلا في جلستي ورحت أفرك عيني وأحاول أن أهدأ نفسي، أخذت بضع أنفاس عميقة، ثم مددت يدي إلى كوب القهوة الذي بجانبي، كانت مرة وباردة ولكنها قادرة على تأدية وظيفتها المتمثلة بإعادتي إلى الواقع. نظرت إلى الفوضى التي تحيط بي وقلت لنفسي أحتاج إلى ترتيب أفكاري حتى أتمكن من ‘نهاء النص قبل موعد التسليم، فمستقبلي كاتبةً يعتمد على قراراتي في هذه اللحظة. عدت بذاكرتي قليلا إلى الوراء عندما عُرض علي وظيفة كتابة سناريو مسلسل كوميدي. في البداية قبلت الوظيفة ثقة بقدراتي الكتابية، كنت سعيدة بها وعددتها فرصة العمر. ثم صرتُ أرسل النص بالتسلسل كما اتفقنا، كل أسبوع أرسل فصلا جديدا. والآن أنا عالقة، نعم أنا عالقة في المنتصف لم أعد أعرف كيف أتابع هذا العمل، وإلى أين ستقودني هذه القصة، والأسوأ أن الحكاية بين يدي بدأت تتحول من الكوميديا إلى الدراما وأخشى أنني قد خرجت بقوة عن الشروط المتفق عليها.
ماذا عن الشخصيات، فكرت مع نفسي ماذا سيحل بها لو تخليت عنها الآن، وماذا عن سمعتي ومستقبلي والمشاهدين الذين أعجبوا بعملي. كيف سأحافظ على الكوميديا وأنا أكاد لا أبتسم، كيف أقنع المشاهد أن عملي يستحق المتابعة. توقف عقلي عن صيد الأفكار وتوقف خيالي عن تشكيلها، أشعر وكأني أقف أمام حائط إسمنتي ولا أعرف كيف أتجاوزه، والأسوأ أن عليّ تسليم النص بعد عشر ساعات.
حملت نفسي على النهوض ورحت ألملم الأوراق من حولي وأنظف مكتبي وأعيد ترتيب الغرفة. فتحت النافذة قليلا فراحت نسائم ربيعية تنساب إلى غرفتي وأضواء الشارع وضجيجه تملأنها حياة بعد أن كانت أشبه بالجحر. قررت أن أخرج، فحملت حقيبة صغيرة وهاتفي ونزلت إلى الشارع. رحت أتجول بصمت، أراقب المارة الصغار والكبار، والسيارات المسرعة والأضواء التي تنتصب على جانبي الطريق، والمتاجر الصغيرة والمقاهي المكتظة، ومع أننا في الليل فإن ضجيج هذه المدينة لا يهدأ، ربما لهذا السبب أحبها. وجدت نفسي أقف أمام باب خشبي صغير. دفعت الباب ودخلت حيث استقبلتني رائحة عطرة. كان متجراً متخصص ببيع الزهور، المحل نفسه صغير، ولكنه مكتظ بكل ألوان وأشكال الزهور والورود التي تخطر ولا تخطر على البال. بدا لي وهلةً وكأن الربيع يسكن هنا. اقتربت من باقة من التوليب البنفسجي شعرت أنها تناديني وتطلب مني أن أشتريها. لم يكن لها رائحة محددة، ولكنها جميلة بسحريّة. ولم تتفتح الأزهار نفسها بعد، ولكن لونها يبدو كأنه قادم من عالم أخر. دفعت ثمنها دون تردد وعدت بها إلى بيتي. نسقتها داخل مزهرية شفافة ثم وضعتها على مكتبي. في اللحظة نفسها راحت تتفتح وتتوهج تلك البتلات ورائحة ذكية ملأت الغرفة، رائحة لا تشبه أي عطر شممته من قبل، ومع كل نفس من تلك الرائحة السحرية بدأت الأفكار تصحو وتزهر في مخيلتي.
لينة عبد الحميد



