11 سبتمبر وأدب الإرهاب – مارتن راندل

ترجمة: خالد الرشيد


حجم الخط-+=

مؤمن الوزان

ما زال العالم الإسلامي والعربي يعيش تبعاتِ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي أودت بحياة نحو 3000 آلاف أمريكي بانفجار طائراتٍ بركَّابها في أهدافٍ محددة مأهولة بالناس كبرجي التجارة العالميين في نيويورك اختطفها جهاديون عرب تابعون لتنظيم القاعدة. كان من أبرزها انطلاق ما أطلق عليه بوش الابن “الحرب على الإرهاب” في حلفٍ مع عدة دول من بينها بريطانيا، وكانت نتيجة هذه الحرب ذات الطابع الديني -الحرب الصليبية كما وصفها بوش الابن- احتلال أفغانستان التي كانت تحت حكم طالبان في 2002، ثم احتلال العراق الذي كان تحت حكم صدام حسين في عام 2003، وما خلَّفته هذه الحرب من قتلى ودمار وفظائع أبانت فيها عن الوجه الحقيقي “للإرهاب” الذي تدِّعي أمريكا أنها تحاربه. غيَّرت هجمات 11 سبتمبر والحرب الأمريكية على العالم الإسلامي بحجَّة الإرهاب شكلَ المنطقة سياسيًا وفي سنوات جغرافيًا، لا سيما مع سيطرة الدولة الإسلامية على مساحات شاسعة من سوريا والعراق، وأبقتِ المنطقة على صفيح ساخن لم تبردُ حرارته بعد.

كان لهذه الهجمات مفعول الصدمة على أمريكا وشعبها وجرحت كرامة الوحش الأمريكي لتُفلِتَه من عِقاله ليعيث فسادًا وتخريبًا في محاولة ترميم شرفه المُنتهك، ولم يقتصر تأثير هذه اللطمة القوية على الحكومة الإمريكية وسياستها بل شملَ الشارع الأمريكي والنظرة تجاه الآخر، العربي والمسلم تحديدا، ووجدَ في هذه الهجمات المجال لإعادة النظر في مفاهيم التعددية والآخر والانفتاح والاندماج والتقبَّل. ولأن كلا من الأدب والفن وسيلة لا غنى عنها في التعبير عن مكنونات النفس البشرية تحوَّلت هجمات 11 سبتمبر إلى حقول الأدب والفن المتنوِّعة كالرواية والقصة والمسرحية والشعر والمقالة والرسم والسينما. 

في كتابه الصادر عام 2011، والمترجم حديثًا عن دار معنى 2021، يقدِّم راندل دراسة مفصَّلة ومعتبرة في استقراء نصوص مقاليّة وقصصية روائية وشعريّة ويعرِّج على أخرى سينمائية للكشف عن تمثيلات الهجمات في الأدب والفن الأمريكي. تنوَّعت هذه القراءات النقديّة ما بين التركيز على عقلية ودوافع “الإرهابي”،  وما بين تناول التأثيرات الإنسانية للمواطنين الأمريكيين، وكيف تجاوبوا مع هذا الكارثة التي وقعت فوق رؤوسهم. 

ارتكزت الدراسة على نحوٍ لافت على بيان قوة الكلمة ومدى قدرتها على استيعاب الأحداث وهضمها وإعادة تمثيل الأحداث في مواجهة الصورة التي بثَّتِ الهجمات مباشرةً على مرأى العالم أجمع. ليبرز لنا التواجه المباشر بين الصورة المعبِّرة الصامتة والمختزلة للحدث التاريخي دون الحاجة إلى أي تفسير أو توضيح -في الأقل للمتلقيّ المعاصر لهذه الأحداث- وبين الكلمة وإمكانياتها في التعبير عما لا يُعبَّر عنه صوريًا وما لم يُعبَّر عنه صوريًا، أي التعبير عن الإنسان وعوالمه الداخلية التي تبقى في منأى عن أي تصوير مرئي. فهو صراع الكلمة ضد الصورة لمن ستكون الغلبة في تمثيلات 11 سبتمبر؟ لكن ما يُطرح هنا يفرض سؤالا هل بالضرورة أنَّ ثمة صراع علنيّ أو خفيّ ما بين الصورة والكلمة، وأليست غايات الكلمات أن تبني صورًا لتقرِّب الأفكار، أو أن الأمر برمته سباق في نقل الحدث لكن أي حدث بالضبط؟ هنا يبدو التجاور واضحًا في وظيفة الصورة المعبِّرة الصامتة والكلمة الكاشفة الناطقة في نقل عوالم ظاهرية وباطنيّة لأحداث 11 سبتمبر وتوابعها التأثيرية في الذات والغير والأنا والآخر. وهذا هو الخطاب الذي اتَّسمت به الكثير من الأعمال التي تلت الأحداث سريعًا في فصل ألـ”نحن عن ألـ”هم” فهذه الهجمات لم تغيِّر الخارطة السياسية الأمريكية الخارجية بل والواقع الاجتماعي الأمريكي ورؤيته لنفسه. إنها البداية القرمزية للقرن الحادي والعشرين، لكن هذه الهجمات كما في مقالة بانكاج ميشرا “نهاية البراءة” المنشورة في الغارديان 2007 أحضرت الوجه الأمريكي الخارجي للفرد المحليّ، أي يُمكن استقراء دلالات المقالة بأن هذه الهجمات لم تكن إلا تطبيقًا انعكاسيًا لأمريكا زعيمة العالم المتحضِّر، ورأى الأمريكي بنفسه ما يفعله ألـ”نحن” في ألـ”هم” منهيةً حالة البراءة الساذجة التي يتصوَّرها الأمريكي عن نفسه فالنار التي يحرق بها بيوت الآخرين اندلعت في عقر داره. ومع أنَّ راندل يقرُّ بأن تمثيلات 11 سبتمبر فشلت في سبر غور العقليّة الإرهابية وظهرت بقراءتها السطحية فإن هذه الدراسة تحاول قراءة نصوص 11 سبتمبر في سعي لبلورة حقل استقراء ناجع في التعامل مع هذه الأحداث وتأثيراتها وتمثيلاتها ويقرُّ بحداثتها وقابلية تطوَّرها مستقبلا.  

ارتبط اسم الأدب حول هذه الهجمات وتداعياتها باسمها المعروف “11/9 أو 11 سبتمبر” مثل رواية 11 سبتمبر بيد أنَّ عنوان الدراسة “11 سبتمبر وأدب الإرهاب” يكشف عن عدم خروج الدراسة من الخطاب الرسمي العالمي في استخدام مصطلح “الإرهاب” وربطه بالجهاد الإسلامي حصرًا دون سواه، فهي تكرِّس قرنَ كل نص يتعامل مع الهجمات بالإرهاب بمفهومه المتداول اليوم في كونه إسلاميًا وشرقَ أوسطيّ ولرجال بلحى وسُمر البشرة بثياب قصيرة. ولا يُمكن وفقًا لهذه الملامح استخدام مصطلح “الإرهاب” في عملية إجرامية لا يتسم منفِّذها بسمات يحملها ضمنيًا مصطلح الإرهاب. نتيجة لذلك، فإن هذا العنوان سيكون بمعناه المفهوم “11 سبتمبر وأدب الإرهاب الإسلاميّ”. قد لا يكون هذا الاقتران ما بين الإرهاب والإسلام عن وعي من الكاتب لكن هذا ما يُفهم من الدراسة والنصوص المدروسة كلّ على حدة. ثم ألا يمكن أن تُسمى الدراسة “أدب 11 سبتمبر” بدلا من أدب الإرهاب، الذي لم يعرِّفه الكاتب أساسًا، فهو يعقد اتفاقًا ضمنيًا مع المتلقِّي بأن الإرهاب المقصود هو الإرهاب الذي نعرفه جميعًا ولدينا تصوُّراتنا الواحدة عنه، لذا تنتفي الغاية من تعريف المعرَّف، ولا بد من البدء مباشرة بالموضوع المتناول وهو نصوص 11 سبتمبر.   

ختامًا، لم تترجم أيُّ من الأعمال المتناولة في الكتاب على حد علمي وهذا يحجِّم من فائدة هذه الدراسة إلى حدٍ ما لكنها تبقى محتفظة بأهميتها للقارئ العربي والمسلم، وضرورة تسليط الضوء على أدب 11 سبتمبر سواء بالتلقي أو التدوين من الباحث العربي الأدبي كونه هو الآخر متفاعلًا وفاعلًا فيها وليس مفصولًا عنها بأي شكلٍ من الأشكال. ويفرض هذا الأخذ الأدبي لأحداث 11 سبتمبر من منظور العربي الجاني/ المجني عليه في الوقت نفسه.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى