طبق مخصوص – ستانلي إيلين
قصة قصيرة

ترجمة: محمد عبد العزيز
طبق مخصوص The speciality of the house: قصة قصيرة كتبها ستانلي إيلين، ونشرت في مايو 1948 في مجلة Ellery Queen’s Mystery Magazine . كوستين، موظف مكتبي، يدعوه رئيسه، لافلر، لتناول العشاء في سبيرو، وهو مطعم سري غامض. يطبق المطعم، المضاء بمصابيح الغاز والمزين بأثاث عتيق، قواعد صارمة: لا يُقدم الكحول، والتدخين ممنوع، وهناك قائمة طعام واحدة دون خيارات، ولا يُسمح بدخول سوى للعملاء الذكور! يعد لافلر، وهو عميل مخلص منذ عقد من الزمن، كوستين بتجربة طعام استثنائية، محجوزة فقط لأولئك الذين يقدرون حقًا جوهر الطعام الفاخر.
**
أشار لافلر:
– وهنا يقع مطعم سبيـرو.
وقع بصر كوستين على واجهة حجرية مربعة، لم تكن تختلف في شيء عن بقية الواجهات الممتدة على جانبي الشارع المظلم المهجور. ومن نوافذ القبو الموصدة بقضبان حديدية الواقع عند قدميه، انبعث مخروط من الضوء انسكب على الرصيف، تتخلله خطوط الظلال التي رسمتها ستائر المـناور الثقيلة.
علق كوستين قائلًا:
– يا إلهي، يبدو وكأنه جحر قذر، أليس كذلك؟
فأجابه لافلر:
– عليك أن تفهم أن ’سبيـرو‘ مطعم لا يعرف التكلف. ففي هذا العصر البغيض المصاب بالهوس، رفض هذا المكان أن يساوم على هويته. لعلّه المعلم الهام الأخير في هذه المدينة الذي ما زال يضاء بمصابيح الغاز. ستجد بالداخل ذات الأثاث العريق، وطاقم أدوات المائدة الفضي العتيق الراقي، وربما في إحدى الزوايا، ستلمح ذات خيوط العنكبوت التي رآها الزبائن قبل نصف قرن من الزمان.
هزّ كوستين رأسه قائلًا:
– تزكية تثير الريبة، ولا تبشر بالخير على الإطلاق.
أردف لافلر ناصحًا:
– حين تطأ قدماك الداخل اطرح عن كاهلك جنون هذا الزمان، وهذه الساعة؛ عندها ستشعر، ولو وهلة، بروحك تنتعش، لا بترف البذخ، بل بوقار الهيبة. تلك الخصلة التي ضاعت في أيامنا هذه.
انفجر كوستين ضاحكًا دون تحكم، وقال متهكمًا:
– على حد وصفك هذا، يبدو المكان كاتدرائية لا مطعمًا!
وفي الضوء الشاحب المنعكس من مصباح الشارع، تفرّس لافلر في وجه صاحبه بدقة، ثم قال بنبرة حادة:
– ربما ارتكبت خطأً حين أحضرتك إلى هنا.
شعر كوستين بالإهانة، فعلى الرغم من مسمّاه الوظيفي المرموق وراتبه المجزي لم يكن في النهاية سوى محاسب أجير لدى هذا الرجل المتعجرف، لكنه وجد نفسه مدفوعًا لإظهار استيائه.
أجابه ببرود:
– إن شئت، فلا يزال بإمكاني وضع خطط أخرى لهذه الليلة.
عندها تطلّع لافلر إليه بعينيه الواسعتين اللتين تشبهان عيني البقرة، وقد أحاط الضباب بوجهه المستدير كأنه هالة، وبدا عليه اضطراب غريب ومريب.
رفض لافلر الاقتراح في النهاية:
– كلا، كلا، لا يمكن أبدًا. من المهم جدًا أن تتناول العشاء معي في سبيـرو. في الواقع… أردف وهو يمسك بذراع كوستين بقوة ويقتاده نحو باب القبو المصنوع من الحديد المطروق:
– أنت الوحيد في مكتبي الذي يبدو أنه يدرك حقًا معنى الطعام الطيب. وبرأيي فإن معرفة سبيـرو دون القدرة على مشاركة هذه المعرفة الممتعة مع صديق يقدرها تشبه اقتناء لوحة فنية فريدة في غرفة لا يراها فيها أحد.
هدأت ثورة كوستين إلى حد كبير، وعلّق قائلًا:
– حسنًا، أحسب أن الكثير من الناس يحبون الاستمتاع بكنوزهم في عزلة.
وهنا أجاب لافلر بذعر:
– لست من هؤلاء، بل إن حبس سر سبيـرو في صدري سنوات طويلة كان عذابًا لا يطاق.
جذب حبلًا بجانب الباب، فتردد في الداخل رنين جرس صغير. انفتح باب داخلي بصرير حاد، ووجد كوستين نفسه يحدق إلى وجه أسمر، لم يتبين من ملامحه سوى أسنان لامعة اصطفت في ابتسامة.
– سيدي؟
– السيد لافلر ومعي ضيف.
– تفضل يا سيدي.
هكذا ردّ الرجل بنبرة ترحيبية، ثم تنحى جانبًا، فهبط كوستين درجة واحدة خلف رئيسه. صرّ الباب خلفهما من جديد، ليجد كوستين نفسه في ردهة الاستقبال. استغرق الأمر لحظة ليدرك أن الجسد الذي يرمقه الآن لم يكن سوى انعكاس صورته في مرآة عملاقة تمتد من الأرض حتى السقف.
تمتم كوستين قائلًا:
– أجواء مثيرة.
ثم انفجر ضاحكًا وهو يتبع رفيقه نحو إحدى المناضد.
جلس قبالة لافلر على منضدة صغيرة مخصصة لشخصين، وأخذ يجول ببصره في أرجاء المكان بفضول. لم تكن القاعة واسعة، لكن مصابيح الغاز الستة كانت ترسل ضوءًا خافتًا، باهتًا ومرتعشًا، يتبدد فوق الجدران.
لم يكن هناك سوى ثماني أو عشر مناضد. وُزعت بعناية لتمنح روادها أقصى درجات الخصوصية. كانت جميعها مشغولة، في حين يتحرك بضعة نُدُل في خدمة تتسم بالكفاية والهدوء. كان الجو العام يضج بصرير أدوات المائدة وهمسات الأصوات الخفيضة. أومأ كوستين برأسه في استحسان.
أطلق لافلر زفيرًا ينم عن الرضا التام، وقال:
– كنت أعلم أنك ستشاطرني الحماس. هل لاحظت خلو المكان من النساء؟
رفع كوستين حاجبيه قليلًا في دهشة، واستطرد لافلر:
– سبيـرو لا يشجع النواعم على تذوق مباهجه. وأوكد لك أن هذا المنهج فعال جدا؛ ذات مرة رأيت امرأة هنا، بقيت جالسة عند منضدة أكثر من ساعة وهي تنتظر أن يلتفت إليها أحد لخدمتها، وبالنهاية لم يلتفت إليها أحد.
سأله كوستين:
– وهل تذمرت؟
– تذمّرت؟
ابتسم لافلر وهو يسترجع الذكرى قبل أن يكمل:
– بل قل إنها نجحت في إزعاج الزبائن، وإحراج رفيقها، ولم تنل شيئًا وراء ذلك.
– وماذا عن السيد سبيـرو؟
– لم يظهر قط. لا أدري إن كان يدير المشهد من خلف الكواليس، أم أنه لم يكن في المطعم أصلاً وقتها. لكن المؤكد أنه حقق نصرًا ساحقًا، فلم تطأ قدم تلك المرأة المكان ثانية، وهذا هو الأهم، كذلك غاب ذلك الرجل الذي أحضرها، كان هو السبب الحقيقي وراء تلك الكدرة كلها.
ضحك كوستين قائلًا:
– هذا تحذير بليغ لكل الحاضرين إذًا.
ظهر نادل بجانب المنضدة فجأة. كانت بشرته بلون الشوكولاته الداكنة، وأنف دقيق، وشفتان ممتلئتان جميلتان، وعينان واسعتان صافيتان تظللهما أهداب طويلة، ووشّى الشيب شعره ليدل على أصوله الهندية. شرع النادل في إعداد المنضدة، وملأ قدحين من إبريق زجاجي، ثم وضعهما في مكانهما الصحيح.
سأله لافلر:
– قل لي، هل سيُقدَّم الطبق الخاص الليلة؟
ابتسم النادل ابتسامة اعتذار كشفت عن أسنان لا تقل بريقًا عن أسنان البواب:
– آسف يا سيدي، الطبق الخاص ليس متاحًا الليلة.
لم يستطع لافلر إخفاء خيبة أمله:
– بعد كل هذا الانتظار! لقد مر شهر كامل، وكنت أرجو من أجل صديقي أن…
– ثمة صعوبات كثيرة يا سيدي.
– بالطبع، بالطبع….
ثم نظر لافلر بأسى إلى كوستين وهز كتفيه مكملًا:
– كنت أريدك أن تذوق الطبق الفاخر الذي يشتهر به سبيـرو، لكنه للأسف ليس مدرجًا في قائمة الليلة.
سأل النادل الآسيوي:
– هل ترغبان في تقديم الطعام الآن؟
أومأ لافلر بالموافقة. ولدهشة كوستين، انصرف النادل دون انتظار أي تعليمات.
تعجب كوستين قائلًا:
– هل طلبت الطعام قبل مجيئنا؟
هتف لافلر:
– آه، كان عليّ توضيح الأمر لك. سبيـرو لا يقدم قائمة لتختار منها، فأنت ستأكل ما يأكله بقية الزبائن، وفي ليلة غد ستأكل صنفًا مختلفًا تمامًا، دون أي اعتبار للأهواء الفردية أيضًا.
علق كوستين:
– أمر غريب، ومزعج بلا شك في بعض الأحيان. ماذا لو لم يرق الصنف المقدم لأحدهم؟
طمأنه لافلر قائلًا:
– لا تقلق بهذا الشأن أبدًا. أعدك، وأنا عند كلمتي، أنه أياً كانت ذائقتك، ستستمتع بكل لقمة تأكلها الليلة في سبيـرو.
رمق كوستين صاحبه بنظرة تشكك، فابتسم لافلر وأضاف:
– تأمل المزايا الخفية لهذا النظام؛ حين تختار قائمة طعامك في مطعم عادي، تجد نفسك أمام أصناف شتى، فتضطر للموازنة والتقييم، واتخاذ قرارات مضنية قد تندم عليها لاحقًا. كل هذا يولد توترًا، ولو كان طفيفًا، يفسد عليك راحتك. انظر في المقابل إلى فلسفة هذا المكان، فبدلًا من جلبة الطهاة في المطبخ وهم يهرعون لتحضير طلبات مختلفة لكل زبون، هناك كبير طهاة يشرف على كل شيء في سكون، يحشد كل مواهبه لإعداد طبق واحد فقط، بيقين الواثق من تحقيق نصر ساحق.
– حسنًا، وهل رأيت هذا المطبخ؟
تنهد لافلر بأسى:
– للأسف لا. الصورة التي رسمتها لك هي محض افتراض، جمعت خيوطها من شتات أحاديث استرقت السمع إليها طوال هذه السنوات. ومع ذلك، يجب أن أعترف بأن رغبتي في رؤية كيف يدار هذا المطبخ قد تحولت عندي إلى هوس حقيقي.
– وهل أخبرت سبيـرو بذلك؟
– أكثر من اثنتي عشرة مرة، لكنه لا يلقي بالاً لتوسلاتي.
– أليس هذا غريباً بعض الشيء من جانبه؟
أجاب لافلير على عجل:
– لا، لا، فالفنان المبدع لا تروّضه المجاملات السخيفة. ومع ذلك -تنهد بعمق- لم أفقد الأمل بعد.
أطلّ النادل مجدداً حاملاً طبقين من الحساء، وضعهما في مكانيهما بدقة هندسية، ثم صبّ من قدر صغيرة كميتين متساويتين من مرق رائق تماماً.
غمس كوستين ملعقته في المرق وتذوقه بشيء من الفضول. كان طعمه خفيفًا جداً، يكاد لا يُحس. قطب كوستين حاجبيه، ومد يده يبحث عن الملح والفلفل، لكنه فوجئ بخلو المنضدة منهما. رفع بصره ليجد لافلير يرمقه بنظرة فاحصة، ومع أنه لم يشأ أن يفضح ذوقه العامي، فقد تردد في كسر حماس لافلير بكلمة صريحة. لذا، اكتفى بابتسامة وأشار إلى الحساء قائلاً:
– ممتاز.
بادله لافلير الإبتسامة وقال:
– لا، أنت لا تراه ممتازاً، بل تراه باهتاً يفتقر إلى النكهة. أعلم ذلك…
ثم تابع لافلير حديثه في حين رفع كوستين حاجبيه دهشة:
– لأن هذا كان شعوري الأول قبل سنوات، ولأنني مثلك تماماً بحثت عن الملح والفلفل بعد أول رشفة. حينها اكتشفتُ، بذهول، غياب التوابل تماماً في مطعم سبيرو.
هتف كوستين مذهولاً:
– حتى الملح!
– حتى الملح. وحقيقة أنك تشعر بالحاجة إليه في حسائك دليلٌ على أن ذائقتك قد أصابها العطب. كلي ثقة بأنك ستصل إلى النتيجة ذاتها التي وصلتُ إليها: فما إن تفرغ من طبقك، حتى تجد أنك لم تعد تشتهي رشة ملح واحدة.
كان لافلير مصيباً، فقبل أن ينهي كوستين حصته، بدأ يتلمس نكهات المرق الدفينة بمتعة متصاعدة. أزاح لافلير طبقه الفارغ سريعاً واتكأ بمرفقيه على المنضدة.
– هل تتفق معي الآن؟
– اعترف بأني، ولدهشتي، أتفق معك تماماً.
حين كان النادل يعيد ترتيب المنضدة خفض لافلير صوته وقال:
– ستكتشف أن غياب التوابل ليس إلا ميزة واحدة من سمات سبيرو الفريدة. إليك غيرها، مثلاً لا تُقدَّم هنا أي مشروبات كحولية من أي نوع، ولا أي سوائل أخرى سوى الماء، فهو المشروب الأول والوحيد الذي يحتاج إليه جسد الإنسان.
رد كوستين بلهجة جافة:
– باستثناء حليب الأم.
– أستطيع الإجابة على هذه الملحوظة بأن معظم رواد سبيرو قد تجاوزوا مرحلة طفولتهم الأولى بالفعل.
ضحك كوستين وقال:
– حسنًا، كسبتني هذه المرة.
– حسناً، ومحظور التدخين أيضاً حظرا تام.
صاح كوستين:
– يا للهول! ألا يجعل هذا من سبيرو صومعة لزاهد متعبد أكثر منه مزاراً لذواق رفيع؟
– أخشى أنك تخلط بين الذوّاقة والنهم. فالنهم يحتاج إلى صخب التجارب ليوقظ حواسه الفاسدة، في حين الميزة الحقيقية للذواق هي البساطة. كان اليونانيون القدماء يستمتعون بطعم الزيتون الناضج فور قطفه من الشجر، ويتأمل اليابانيون انحناءة زهرة واحدة في غرفة عارية من الأثاث.. هؤلاء هم الذواقة الحقيقيون.
ردَّ كوستين بشيء من التشكك:
– لكن بضع قطرات من الكِونياك أو غليوناً من التبغ لا يكادان يُعدّان من الرذائل.
أوضح لافلير:
– أنت تُحدث خللاً عنيفاً في توازن ذائقتك بتقلبك بين المنبّه والمخدّر، فتفقد بذلك أسمى ملكاتك: القدرة على تقدير الطعام الرفيع. طوال سنواتي مرتادًا لمطعم سبيرو، أثبتُّ ذلك لنفسي بما لا يدع مجالاً للشك.
– هل لي أن أسألك لمَ تجزم بأن حظر هذه الأمور ينبع من دوافع جمالية عميقة؟ ماذا عن الأسباب المادية البحتة، كالتكلفة الباهظة لتراخيص الخمور، أو احتمال تذمر الزبائن من رائحة التبغ في مساحة ضيقة كهذه؟
هز لافلير رأسه بقوة رافضاً:
– حين تلتقي سبيرو ستدرك أنه ليس الرجل الذي يتخذ قراراته بناءً على اعتبارات مادية. في الواقع، سبيرو نفسه هو من جعلني أفهم ما تسميه أنت الدوافع الجمالية.
عقّب كوستين:
– إنه رجل غريب حقاً.
صمت وهلة حين كان النادل يضع أمامهما الطبق الثاني. لم يفتح لافلير فاهُ مجدداً إلا بعد أن تذوق قطعة من اللحم واستمتع بمضغها.
هتف قائلاً:
– أتردد كثيراً في استخدام صيغ التفضيل، لكن في ظنّي يمثل سبيرو الإنسان في ذروة تمدنه ورقيّه.
غمز كوستين بعينه وانكبَّ يلتهم قطعة اللحم القابعة في بحيرة من المرق، دون أثر لخضروات أو مقبلات جانبية. كان البخار المتصاعد من اللحم ينضح برائحة مغرية جعلت لعابه يسيل. راح يمضغ اللحم ببطء وتأنٍ، وكأنه يحلل تعقيدات سيمفونية لموزارت. كانت النكهات المختلفة التي اكتشفها استثنائية بحق، بدءاً من المذاق الحريف للحواف المحمرة، وصولاً إلى الطعم المذهل والمشبع للعصارة التي استخلصتها ضغطة فكيه من قلب اللحم الذي لا يزال نصف نيء.
بعد أن ابتلع تلك المضغة الشهية، تملكه تلهف جامح للقمة أخرى، ثم أخرى، حتى اضطر لمغالبة نفسه كي لا يلتهم اللحم كله بسرعة مذهلة، فيحرم حواسه من تلك اللذة الباذخة في تذوق كل قطعة. حين فرغ من مسح طبقه، أدرك أنه ولافلير قد استغرقا في الطعام دون أن يتبادلا كلمة واحدة، وقد علق على هذا، فقال له لافلير معقباً:
– أيحتاج المرء إلى الحديث في حضرة هذا الطعام الشهي الرائق؟
أجال كوستين بصره في أرجاء المكان خافت الإضاءة بنظرة جديدة ملؤها الإدراك، وقال بتواضع:
– كلا، لستُ بحاجة لذلك. ويجب عليّ أن أعتذر بصدق عن كل شكوك سابقة، فمديحك لمطعم سبيرو لم يكن فيه ذرة من مبالغة.
تنهد لافلير قائلاً:
– آه.. وهذا ليس إلا جزءاً يسيراً من القصة. لقد سمعتني أذكر ذلك الطبق الخاص الذي لم يدرج للأسف في قائمة الليلة، حين تتذوقه ستدرك أن كل هذا الطعام الشهي الذي نلناه اليوم لا يساوى شيئاً على الإطلاق مقارنة به.
هتف كوستين:
– يا إلهي! وما عساه أن يكون؟ ألسنة بلابل؟ أم شريحة من لحم اليونيكورن الأسطوري؟
فجاء الرد مفاجئاً:
– لا هذا ولا ذاك.. ليس إلا لحم ضأن.
– لحم ضأن؟
لبث لافلير صامتاً للحظات يقلب الفكرة في رأسه، ثم قال أخيراً:
– لو أردتُ أن أصف لك هذا الطبق بكلماتي القاصرة، لظننت أني فقدتُ عقلي تماماً، هكذا يفعل بي التفكير فيه. إنه ليس بالضلع الدسم ولا الساق المكتنزة بل هو قطعة مختارة من أندر أنواع الغنم على وجه الأرض، ويُدعى.. ضأن أميرستان.
رفع كوستين حاجبيه دهشة:
– أميرستان؟
– إنها برية شاسعة موحشة، تكاد تضيع معالمها على الحدود الفاصلة بين روسيا وأفغانستان. وبناءً على ملاحظات سمعتها من سبيرو أحسب أنه لا يوجد سوى مرعى واحد هناك ينبت فيه العشب الملائم لتلك السلالة الممتازة. وقد استطاع سبيرو، بحيلٍ لا يعلمها إلا هو، أن يحتكر حق الاتجار بهذا القطيع، لذا فهذا هو المطعم الوحيد في العالم الذي يمكنك فيه تذوق لحم أميرستان. وأوكد لك أن تقديم هذا الطبق حدث نادر، فالحظ وحده هو دليل الزبائن لمعرفة التاريخ الدقيق لتقديمه.
– ولكن أتصور أن سبيرو يعرف متى سيقدم سلفاً، ويعلن عنه.
أجابه لافلير:
– أستطيع الرد على هذا أيضاً، تعج هذه المدينة بجيش من المحترفين النهمين، ولو كشف سبيرو عن الموعد سلفاً، لتدفقوا جميعاً مدفوعين بالفضول، ولصاروا زبائن دائمين يزاحموننا على هذه المناضد.
اعترض كوستين قائلاً:
– لكنك لن تقنعني بأن هؤلاء القلة الحاضرين الليلة هم وحدهم في هذه المدينة، بل في العالم أجمع، من يعلمون بوجود مطعم سبيرو.
– يكاد يكون الأمر كذلك. ربما هناك زبون أو اثنان من الرواد المعتادين غابوا الليلة لسبب ما.
– أمرٌ لا يصدق!
أجاب لافلير بنبرة لم تخلُ من وعيد مبطن:
– لكنه الواقع، فكل زبون هنا مُطالب بعهدٍ غليظ بأن يحفظ السر كأنَّ حياته تتوقف عليه. بقبولك دعوتي الليلة فقد وقعت تلقائياً تحت طائلة هذا الإلتزام، وأرجو أن أكون محقاً في وضع ثقتي بك.
ارتبك كوستين واحمرّ وجهه خجلاً:
– مركزي الوظيفي تحت إمرتكم يشفع لي في ذلك. كل ما في الأمر أنني أشك في وجاهة هذه السياسة التي تحرم بقية العالم من التلذذ بهذه الأطايب.
– وهل تدرك العاقبة الحتمية لتلك السياسة التي تنادي بها؟ سيهجم علينا قطيع من الحمقى، يملؤون المكان صخباً كل ليلة بشكواهم من أننا لا نقدم البط بصلصة الشوكولاته! هل تطيق أنت احتمال ذلك؟
اعترف كوستين قائلاً:
– كلا، أجد نفسي مضطراً للموافقة على رأيك.
أسند لافلير ظهره إلى الكرسي ومرر يده فوق عينيه في إيماءة يكتنفها الضعف والارتباك:
– أنا رجل وحيد، ولم أختر وحدتي إلا على مضض. قد يبدو لك الأمر غريباً، فأنا رجل شارف على مرافقة الغرابة في كل أفعاله، ولكنني أشعر في أعماق وجداني أن هذا المطعم، هذا الملاذ الدافئ في قلب عالم مجنون وبارد، هو بمثابة أصدقائي وعائلتي.
وهنا شعر كوستين -الذي لم يكن يرى في رفيقه سوى مدير متسلط أو مضيف مسلٍ- بموجة عارمة من الشفقة تجتاح قلبه، تماماً كما غمر الشبع معدته.
تحولت دعوة لافلير لزيارة مطعم سبيرو بعد مضي أسبوعين إلى طقس مقدس. كان كوستين يخرج إلى ردهة الشركة في كل يوم عقب الخامسة بقليل، ويغلق مكتبه؛ يطوي معطفه بعناية على ذراعه اليسرى، ويختلس النظر من خلال الباب الزجاجي ليتأكد أن قبعته موضوعة في الزاوية الصحيحة. في السابق، كانت هذه اللحظة تقتضي إشعال سيجارة، لكنه تحت توجيهات لافلير الصارمة قرر الإقلاع عن ذلك تماماً. ثم يبدأ السير في الردهة، وما هي إلا لحظات حتى يلحق به لافلير وهو يتنحنح إيذاناً ببدء رحلتهما اليومية.
– آه، يا كوستين، أتمنى ألا يكون لديك مخططاً ما لهذه الليلة.
وكان كوستين يرد على هذا بقوله:
– كلا، على الإطلاق، أنا متفرغ تماماً.
أحياناً كان يجيب بأنه تحت إمرة لافلير أو رهن إشارته، لكن جوهر الإجابة ظل ثابتاً لا يتغير. وحدث أن تملك كوستين الفضول عما إذا كان من الأفضل كسر رتابة هذا الطقس ببعض الممانعة، غير أن علامات الرضا التي ترتسم على وجه لافلير عند سماع الرد، وتلك اللفتة الودودة حين يمسك رئيسه بذراعه، كانت دوماً ما تثنيه عن ذلك.
حدث كوستين نفسه بأن في دروب عالم المال والأعمال المعقدة، من الأفضل أن تضمن مودة مديرك بدلاً من إثارة حفيظته. حتى إن إحدى السكرتيرات في مكتب لافلير لمحت علانيةً إلى أن المدير يكنُّ لكوستين تقديراً بالغاً، وكان هذا بحد ذاته أمراً رائعاً.
أما عن الطعام، فيا لذاك الطعام الذي لا يُضاهى في سبيرو! فلأول مرة في حياته، لاحظ كوستين -الذي عُرف بدقة عوده وبروز عظامه- أن وزنه بدأ يزداد؛ وبعد أسبوعين فحسب، توارت تلك العظام تحت طبقة مكتنزة من اللحم الصلب المتماسك، وبدأت تظهر على جسده علامات امتلاء واعدة. وذات ليلة، حين كان كوستين في البانيو يستحم، داهمه خاطرٌ بأن لافلير نفسه ربما كان رجلاً نحيلاً قبل أن تطأ قدماه مطعم سبيرو.
وهكذا، لم يكن لدى كوستين ما يخسره بمرافقة لافلير كل ليلة، بل كان الرابح الأكبر. ربما بعد أن يتذوق لحم ضأن أميرستان الأسطوري، ويلتقي سبيرو وجهاً لوجه -وهو الذي لم يظهر بعد- قد يجرؤ حينها على الاعتذار عن تلبية الدعوة مرة أو مرتين، لكن ليس قبل ذلك بالتأكيد.
نال كوستين مبتغاه المزدوج ذات ليلة، وبعد مرور أسبوعين على زيارته الأولى تناول ضأن أميرستان والتقى سبيرو، وتجاوز الحدثان كل تصوراته.
حين دنا منهما النادل عقب جلوسهما وأعلن بلهجة مهيبة:
– طبق خاص هذه الليلة أيها السادة.
سرت في جسد كوستين قشعريرة لذيذة.
فكر في نفسه: هذا أمر لا يبدو طبيعياً، وهو يراقب يدي لافلير ترتعدان بعنف؛ رجلان ناضجان، يفترض أنهما ذكيان وفي كامل قواهما العقلية، يقفزان طرباً كقطتين تنتظران الانقضاض على السردين!
هتف لافلير بحماس جعله يوشك على القفز من مقعده:
– لقد حانت اللحظة! أعظم نصر في تاريخ فن الطبخ على الإطلاق! أرى المشاعر تتصارع في داخلك.
سأل كوستين بصوتٍ خافت:
– وكيف عرفت ذلك؟
– وكيف لا أعرف؟ فقد مررت بالتجربة ذاتها منذ عشر سنوات. أضف إلى ذلك ملامح الاشمئزاز التي تكسو وجهك، فمن الواضح أنك تشعر بالإهانة حين تدرك أن الإنسان لم ينسَ بعد أنه عبد لمعدته.
– وهل يراود الزبائن الآخرين الشعور ذاته؟
– احكم بنفسك.
ألقى كوستين نظرة خاطفة نحو المناضد الأخرى.
– معك حق، على أي حال، لهو من المواساة في أننا لسنا وحدنا.
أمال لافلير رأسه قليلاً وقال:
– لكن يبدو أن الجمع قد نقص فرداً واحداً.
تتبع كوستين إيماءته، فرأى رجلاً ذا شعر رمادي يجلس وحيداً على المنضدة المقصودة. قطب كوستين جبينه وهو يلاحظ المقعد الخالي المقابل للرجل.
– أوه، إنه الرجل البدين.. الأصلع، أليس كذلك؟ أظنها المرة الأولى التي يغيب فيها عن العشاء منذ أسبوعين.
صحح له لافلير قائلاً:
– بل قل أول مرة يغيب منذ عشر سنوات، هذا أدق. صيفاً أو شتاءً، في الأزمات أو الكوارث، لا أظنه فوت وجبة واحدة لسبيرو منذ وطئت قدماي هذا المكان أول مرة. تخيل ملامح وجهه حين يعلم أن غيابه الأول صادف تقديم الطبق المخصوص؛ لحم ضأن أميرستان.
تأمل كوستين الكرسي الفارغ بكآبة واضحة، وكرر:
– غيابه الأول؟
– السيد لافلير.. وصديقه.. آه، يغمرني سرور لا يوصف. لا، لا تتحركا، سأجد لنفسي مكاناً.
وبأعجوبة، ظهر مقعد تحت ذلك الجسد القائم بجوار المنضدة.
– ضأن أميرستان حدثٌ جلل، أليس كذلك؟ لقد عكفتُ بنفسي على طهوه في ذلك المطبخ البائس طوال اليوم، أعلّمُ الطاهي الأبله كيف تكون الأصول. إنه أمر في منتهى الأهمية، كما تعلمان. لكنني أرى أن صديقك لا يعرفني؛ تفضل بتقديمي له، من فضلك.
كانت الكلمات تتدفق من ذلك الفم بلا انقطاع وبحرارة غريبة، انْسَابَتْ بِرِقَّةٍ وَبَثَّتْ هَمْسًا مُنَغَّمًا سَحَرَ كوستين وفتنت لبه، حَتَّى بَاتَ مَسْلُوبَ الإِرَادَةِ لَا يَقْوَى عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ سِوَى التَّحْدِيقِ إلى المتحدث.
كان الفم الذي ينساب منه ذلك المونولوج المتعرج واسعاً على نحوٍ يثير الريبة، بشفتين رقيقتين متموجتين تلتويان مع كل مقطع صوتي. أنفه كان مفلطحاً فوق خط من شعر رقيق يمثل شاربه، وعيناه متباعدتان، فيهما لمحة شرقية وتلمعان تحت ضوء الغاز. أما شعره الطويل الحريري فكان ينسدل فوق جبهته العالية، شاحباً لدرجة تكاد تخلو من أي لون. كان وجهاً مميزًا ولا شك، أصاب رؤيته كوستين بعذاب الحيرة، لشعوره القوي بأنه قد رآه من قبل؛ راح عقله يفتش في ثنايا الذاكرة، لكن دون جدوى.
انتشل صوت لافلير كوستين من شروده:
– هذا هو السيد سبيرو.. وهذا هو السيد كوستين، وهو صديق عزيز وزميل لي.
نهض كوستين ليصافح سبيرو. كانت يداً جافة ودافئة، تميل إلى الصلابة.
– تشرفنا يا سيد كوستين، أجل، تشرفنا جداً. هل راق لك مكاني المتواضع؟ أعدك بأننا بصدد وليمة لا تُنسى.
ضحك لافلير قائلاً:
– أوه، كوستين يتناول عشاءه هنا بانتظام منذ أسبوعين، وقد بدأ يتحول إلى واحد من كبار المعجبين بك يا سبيرو.
التفتت عينا سبيرو نحو كوستين:
– إطراءٌ يثلج الصدر. أنت تكرمني بحضورك، وأنا أكرمك بطعامي، هاه؟ لكن أوكد لك أنّ ضأن أميرستان يسمو فوق كل ما تذوقته هنا حتى اليوم. كل تلك المشاق في الحصول عليه، وكل تلك المتاعب في إعداده.. كلها تهون في سبيل هذه النتيجة، صدقني.
أما كوستين، فكان يصارع نفسه ليكف عن التفكير في ذلك اللغز المزعج: أين رأى هذا الوجه من قبل؟ قال كوستين بلهجة المتفكر:
– أتساءل حقاً، لِمَ تتكبد كل هذه الصعاب التي ذكرتها لتقدم لزبائنك ضأن أميرستان؟ فمن المؤكد أن جميع أطباقك بارعة بما يكفي لتستحق هذه السمعة المرموقة.
اتسعت ابتسامة سبيرو حتى استدار وجهه تماماً كالبدر:
– لعل الأمر يتصل بعلم النفس؛ هاه، فحين يكتشف المرء معجزة ما، يتملكه شوق لتقاسمها مع الآخرين. ربما أريد فقط أن أملأ كؤوسهم حتى الحافة، وأراقب بمتعة غامرة كيف يشاركونني رحلة الاستكشاف. أو -هز كتفيه- لعل الأمر محض تجارة رابحة.
أصرَّ كوستين:
– إذاً، بالنظر إلى ما قلتَه، ومع مراعاة كل تلك القواعد التي تفرضها على زبائنك، لِمَ تفتح المطعم للجمهور العام بدلاً من إدارته ناديًا خاصا؟
برقت عينا سبيرو فجأة في وجه كوستين قبل أن تحيدا عنه:
– منظورٌ رائع للنظر للأمر، أليس كذلك، همم؟ سأخبرك لأن المطعم العام يمنح من الخصوصية ما لا تجده في النوادي النخبوية. هنا، لا أحد يأبه لشؤون الآخرين، ولا أحد يسعى لنبش أسرار حياتهم. هنا، الأكل هو العمل الوحيد ولُبُّ الحكاية. لا فضول لدينا لمعرفة الأسماء أو العناوين، ولا يهمنا لِمَ يدخل العملاء أو يخرجون. حين تأتي فأنت مرحبٌ بك، وحين تغيب فلا أسف عليك. هذا هو الجواب، هاه؟
بُهت كوستين من تلك الحدة المفاجئة وقال:
– لم أقصد الإساءة إليك.
بلل سبيرو شفتيه بلسانه وطمأنه قائلاً:
– لا، لا.. لستُ مسيئاً على الإطلاق، لا تدع هذا الانطباع يتملكك. بل على العكس، أدعوك لطرح ما تشاء من أسئلة.
تدخل لافلير ضاحكاً:
– أوه، دعك من هذا يا كوستين، لا تدع سبيرو يرهبك. أنا أعرفه منذ سنوات، وأؤكد لك أن نباحه أشد بكثير من عضته. وقبل أن تدرك، ستجده يغدق عليك من امتيازات هذا المكان.. باستثناء دعوتك لزيارة مطبخه الساحر بالطبع!
ابتسم سبيرو وقال:
– آه، بخصوص هذا الأمر، سيتعين على السيد كوستين الانتظار قليلاً. أما ما عدا ذلك، فأنا رهن إشارته.
ضرب لافلير المنضدة بكفه بمرح قائلاً:
– ماذا قلتُ لك؟ دعنا نعرف الحقيقة يا سبيرو؛ هل سبق لأحد، غيرك وغير طاقم عملك، أن وطئت قدماه قدس أقداسك؟
رفع سبيرو نظره وأشار إلى الجدار:
– يمكنك أن ترى على ذلك الجدار صورة شخصٍ منحته هذا الشرف. صديقٌ مقرب وزبونٌ عتيق، وهذا يثبت أن مطبخي ليس حصناً منيعاً.
تأمل كوستين الصورة، واستبدت به الدهشة حين تعرف على صاحبها:
– يا إلهي! إنه ذلك الكاتب الشهير.. أتعرفه يا لافلير؟ ذلك الذي كان يكتب قصصاً قصيرة بديعة، ثم فجأة ترك كل شيء واختفى في المكسيك.
صاح لافلير:
– بالطبع! عندما أفكر أنني كنتُ أجلس هنا كل هذه السنوات دون أن أنتبه!
ثم التفت إلى سبيرو وسأله:
-أكان صديقاً مقرباً لك؟ لا شك أن اختفاءه كان صدمة قوية لك.
بدت على وجه سبيرو ملامح الأسى:
– لقد كان كذلك، أوكد لك. لكن فكّرا في هذا أيها السادة: ربما صار أعظم في موته مما كان عليه في حياته، هاه؟ كانت حياته مأساوية، يخبرني دوماً أن ساعاته السعيدة الوحيدة هي تلك التي يقضيها جالساً حول إحدى هذه المناضد. أمرٌ يثير الشجن، أليس كذلك؟ وحين أفكر في أن الجميل الوحيد الذي استطعتُ تقديمه له هو كشف أسرار مطبخي، الذي هو في نهاية المطاف -لأكون صادقاً- محض مطبخ بسيط وعادي…
عقّب كوستين ملاحظاً:
– تبدو واثقاً جداً من موته.
صمت وهلة ثم أردف:
– مع أنه لا دليل واحد يدعم هذا الافتراض.
تأمل سبيرو الصورة ملياً وقال:
– لا دليل على الإطلاق.. أمرٌ غريب، أليس كذلك، هاه؟
ومع وصول الطبق الثاني نهض سبيرو ليتولى الخدمة بنفسه. وبعينين تلمعان، رفع غطاء القدر واستنشق الرائحة بمتعة حسية طاغية. ثم، وبمنتهى الحذر كي لا تسقط قطرة مرق واحدة، ملأ الطبقين بحصص وافرة من اللحم. وبدا كأنه استُنزف من تلك المهمة الدقيقة، فقعد وهو يتنفس بصعوبة.
– أيها السادة.. هنيئاً مريئاً.
مضغ كوستين اللقمة الأولى بتؤدة ثم ابتلعها، وتأمل شوكته بعينين يملؤهما الذهول ثم صاح:
– يا إلهي!
– لذيذ، أليس كذلك؟ أفضل مما تخيلت؟
هز كوستين رأسه كالمسحور:
– من المستحيل على غير المطلعين تصور مذاق ضأن أميرستان، تماماً كما يستحيل على المرء أن ينظر في أغوار روحه.
رد سبيرو مقترباً بوجهه لدرجة جعلت كوستين يشعر بأنفاسه الدافئة الثقيلة تداعب منخريه:
– لعلّك استرقتَ النظرَ لتوّكَ إلى أغوارِ روحِك، هاه؟
أبعد كوستين وجهه قليلاً محاولاً ألا يحرجه، وقال ضاحكاً:
– ربما، وقد كانت رؤية لا تُنسى.. صورة تختصر كل معاني الشراسة والقوة. لكن، ومع كامل احترامي، لا أظنني لا أرى نفسي قادراً على جعل طبقٍ للحم الضأن حجر الزاوية الذي أُشيّد عليه قناعاتي.
نهض سبيرو ووضع يداً رقيقة على كتف كوستين:
– «نظرة ثاقبة. أحياناً، حين لا يجد المرء ما يفعله، لا شيء على الإطلاق سوى الجلوس في غرفة مظلمة والتفكير في هذا العالم (ماهيته وما سيؤول إليه)، عليه أن يتأمل قليلاً في دلالة الحَمَل في الأديان. إنه أمرٌ مثير للاهتمام حقاً. والآن…
انحنى لهما بوقار شديد مكملًا:
– لقد أثقلتُ عليكما بما يكفي. أكرر سعادتي بلقائكما.
ثم وجه حديثه مباشرة لكوستين:
– أنا متأكد من أننا سنلتقي ثانية.
برقت أسنانه، وتلألأت عيناه، ثم توارى سبيرو متسللاً بين المناضد. أدار كوستين رأسه ليتتبع ذلك القوام الفريد وهو يختفي.
ثم سأل بنبرة حائرة:
– هل أسأت إليه بطريقة ما؟
رفع لافلر نظره عن طبقه قائلا:
– أسأت إليه؟ إنه يعشق هذا النوع من الحديث! إن طبق ‘حمل أميرستان’ طقس مقدس عنده، وإذا ما جررته للكلام فيه، فسينهال عليك بوعظ أقسى باثنتي عشرة مرة من كاهن يسعى لتهدئة ضال.
عاد كوستين إلى طعامه في حين لا يزال ذاك الوجه يحلق في مخيلته، فتمتم متأملا:
– رجل مثير للاهتمام.. جدا.
مضى شهر قبل أن ينفك لغز ذاك الوجه المألوف الذي كان يداعب ذاكرته بإلحاح، وحينما أدركه بغتة، انفجر ضاحكا وهو في فراشه. يا إلهي! لقد كان سبيرو صورة طبق الأصل من قط شيشاير في رواية أليس في بلاد العجائب! نقل هذه الخاطرة إلى لافلر في مساء اليوم التالي، حين كانا يشقان طريقهما عبر الشارع نحو المطعم، تجابههما ريح باردة عصوف. لم يبد لافلر أي ردة فعل سوى نظرة خاوية.
قال بنبرة فاترة:
– ربما كنت محقا، لكنني لست الحكم المناسب، فقد مر عهد بعيد منذ آخر مرة قرأت فيها ذاك الكتاب.. عهد بعيد حقا.
وكأن الشارع أراد أن يأتي بصدى لكلماته، فانطلق عويل حاد مزق السكون يرن في الأرجاء، مما جعل الرجلين يتوقفان بغتة في مكانهما. هتف لافلر:
– امرؤ يقع في مأزق هناك، انظر!
تراءى لهما خيالان على مقربة من مدخل مطعم سبيرو، يتصارعان في عتمة شبه دامسة، يتمايلان ذهابا وإيابا قبل أن يهويَا فجأة ككتلة واحدة تتلوى على الرصيف. تعالى ذاك العويل المتألم مرة أخرى، فاندفع لافلر نحوه بسرعة لا تناسب ضخامة جثته، في حين تبعه كوستين بخطى حذرة.
كان جسد نحيل ممددا بطوله على الأرض، بشرته داكنة وشعره أبيض، وكأنه أحد خدم سبيرو. كانت أصابعه تحاول بيأس فك قبضة يدين ضخمتين تلتفان حول عنقه، وتدفع ركبته بوهن ذاك الجسد العملاق الذي يربض فوقه بكل ثقله في وحشية.
وصل لافلر وهو يلهث، وصرخ:
– توقف عن هذا! ما الذي يحدث هنا؟
التفتت نحوه عينان متوسلتان كادتا تبرزان من محجريهما، وتمتم الضحية بصعوبة:
– أنجدني يا سيدي.. هذا الرجل.. ثمل…
– أنا ثمل يا ابن الـ…؟
أدرك كوستين حينها أن المعتدي بحار يرتدي سترة بحار متسخة جدا، ويفوح منه عبق الخمر الكريه.
– تسرق محفظتي ثم تنعتني بالثمل؟!
ثم غرس أصابعه بقوة أكبر، ليطلق الآخر أنينا مكتوما.
قبض لافلر على كتف البحار وصرخ بملء فيه:
– أفلته، أتسمعني؟ أفلته حالا!
وفي لمح البصر، ارتد البحار مترنحا ليصطدم بكوستين الذي تراجع هو الآخر تحت وطأة الضربة العنيفة.
أشعل هذا الاعتداء فتيل الغضب في نفس لافلر، فاندفع في ثورة هائجة لا تعرف الهوادة. وبلا نبسة شفة، انقض على البحار يكيل له الضربات والركلات بسعار استهدف وجهه وخاصرته الأعزلين. ذهل الرجل في البداية، ثم انتصب قائما في وثبة سريعة ليرد الهجوم على لافلر. لحظات وهما مشتبكان في صراع مرير، حتى انضم كوستين إلى المعركة، ليهوي الثلاثة معا وينطرحوا أرضا. وببطء، نهض لافلر وكوستين ينفضان الغبار، وأخذا يرمقان ذاك الجسد الممدد أمامهما.
قال كوستين:
– إما أنه فقد وعيه من فرط الثمالة، أو أن رأسه ارتطم بالأرض حين سقط. في كلا الحالتين، الأمر يتطلب تدخل الشرطة.
زحف النادل بوهن حتى استطاع الوقوف مترنحا، وقال:
– لا، لا يا سيدي! لا داعي للشرطة يا سيدي، فالسيد سبيرو لا يرغب في مثل هذه الأمور. أنت تفهم قصدي طبعا.
ثم أمسك بيد كوستين متوسلا، فنظر هذا الأخير إلى لافلر مستفهما.
أجاب لافلر حاسما:
– بالطبع لن نفعل. لن نشغل بالنا بالشرطة، فسوف يعتقلون هذا السكير العنيف عما قريب على أي حال. لكن ما الذي أشعل فتيل هذا العراك من أساسه؟
– هذا الرجل يا سيدي.. كان يترنح في مشيته بغرابة، فاصطدمت به دون قصد، فانقض علي متهما إياي بسرقته.
رد لافلر:
– كما توقعت.
ثم دفع لافلر النادل برفق نحو الداخل قائلا:
– هيا الآن، اذهب لتعتني بنفسك.
بدا الرجل وكأنه على وشك الانفجار بالبكاء، وقال بصوت متهدج:
– إليك يا سيدي أدين بحياتي.. إن كان بوسعي فعل أي شيء ردًا للجميل.
انعطف لافلر نحو الممر المؤدي إلى باب مطعم سبيرو وهو يقاطعه:
– لا، لا عليك، لم يكن الأمر شيئاً يُذكر. اذهب الآن، وإذا استفسر منك سبيرو عن أي شيء، فأحله إليّ، وسأسّوي الأمر معه.
كانت الكلمات الأخيرة التي تناهت إلى مسامعهما قبل أن يُغلق خلفهما الباب الداخلي:
– حياتي يا سيدي.. أدين لك بحياتي.
وبعد دقائق معدودة حين كان لافلر يسحب كرسيه ليتخذ مجلسه إلى المنضدة، قال:
– ها هو ذا يا كوستان.. الإنسان المتحضر في أبهى تجلياته! غارق في الكحول، ويحاول خنق مسكين بريء لأنه اقترب منه أكثر مما ينبغي.
حاول كوستان أن يتجاوز أثر ذلك الموقف الذي هز أعصابه قائلاً:
– إنه القلق الذي يدفع المرء للغرق في الخمر.. لا بد أن سبباً لما وصل إليه حال ذلك البحار.
فرد لافلر محركاً ذراعه في إيماءة قوية:
– سبب؟ بالطبع هناك سبب.. إنها الوحشية الفطرية الكامنة في أعماقنا! لماذا نجلس هنا لنأكل اللحم؟ ليس فقط لسد رمق الجسد، بل لأن ذواتنا البدائية تصرخ طلباً للتحرر. تذكر يا كوستان، حين وصفت لك سبيرو ذات مرة بأنه تجسيد للحضارة؟ هل أدركت الآن لماذا؟ إنه رجل عبقري، يفهم طبيعة النفس البشرية تمام الفهم، لكنه بخلاف الآخرين، يكرس كل جهده لإشباع غرائزنا الفطرية دون إلحاق الأذى بأي عابر سبيل بريء.
عقب كوستان:
– أدرك تماماً ما ترمي إليه حين أسترجع في ذاكرتي روعة طبق لحم ضأن أميرستان. وبالمناسبة، ألم يحن موعد ظهوره في قائمة الطعام؟ لقد مر أكثر من شهر منذ قدموه لآخر مرة.
هنا تردد النادل وهو يملأ الكؤوس، وقال بأسف:
– أعتذر بشدة يا سيدي.. لا يوجد طبق خاص هذا المساء.
تذمر لافلر قائلاً:
– هاك الجواب اليقين، ويبدو أن حظي العاثر سيحرمني من تذوقه تماماً في المرة القادمة.
حدّق فيه كوستان:
– يا رجل، هذا مستحيل!
– بل هو الواقع اللعين!
قالها لافلر ثم جرع نصف كوب الماء دفعة واحدة، ليبادر النادل فوراً بإعادة ملئه. وتابع:
– سأغادر إلى أمريكا الجنوبية في جولة تفتيشية مفاجئة. شهر، شهران.. الله وحده يعلم كم سأغيب.
– هل ساءت الأمور هناك إلى هذا الحد؟
– كان يمكن أن تكون أفضل…
ثم افتر ثغر لافلر عن ابتسامة مباغتة وأضاف:
– لا تنسَ أن ارتياد مطعم مثل سبيرو يتطلب دولارات كثيرة لسداد فاتورته الباهظة.
– لكنني لم أسمع كلمة واحدة عن هذا التفتيش في المكتب.
– لن تكون جولة مفاجئة لو شاع الخبر. لا أحد يعلم بهذا سواي. وأنت الآن. أريد أن أباغتهم على حين غرة، لأكشف ما يحوكونه من ألاعيب هناك. أما المكتب فليظنوا أنني في رحلة استجمام، أو ربما في مصحة للتعافي من إرهاق العمل. على أي حال، ستكون الشركة في أيدٍ أمينة، وأنت من بينهم.
قال كوستان والدهشة تعلو وجهه:
– أنا؟
– حين تذهب إلى العمل غداً، ستجد قرار ترقيتك بإنتظارك، حتى وإن لم أكن هناك لأسلمك إياه بيدي. واعلم أن هذا لا علاقة له بصداقتنا؛ قدمت عملاً رائعاً، وأنا ممتن لك بشدة.
احمرّ وجه كوستان خجلاً من هذا الثناء:
– أفهم أنك لن تكون في المكتب غداً.. هل ستغادر الليلة إذًا؟
أومأ لافلر برأسه:
– أحاول تأمين بعض الحجوزات. إذا وُفِقت في ذلك، فاحسب جلستنا هذه حفلة وداع.
قال كوستان ببطء:
– صدقني، أتمنى من كل قلبي ألا تنجح حجوزاتك. لقد أصبحت وجباتنا هنا تعني لي أكثر مما كنت أجرؤ على تخيله.
قاطع حديثهما صوت النادل:
– هل ترغبان في تقديم الطعام الآن يا سيدي؟
فانتفضا من مباغتته.
أجابه لافلر بحدة:
– بالطبع، بالطبع.. لم أدرك أنك تنتظر.
وبمجرد أن انصرف النادل، التفت لافلر إلى رفيقه قائلاً:
– ما يؤرقني حقاً هو فكرة ضياع طبق لحم ضأن أميرستان عليّ. لقد أجلت سفري أسبوعاً كاملاً على أمل أن أصادف ليلة تقديمه، والآن لم يعد بمقدوري التأجيل أكثر. أرجو أن تتذكرني وأنت جالس تنعم بنصيبك من ذلك اللحم الشهي!
ضحك كوستان وهو يشرع في تناول عشائه:
– سأفعل حتمًا.
وما إن فرغ من مسح طبقه، حتى امتدت يد صامتة لترفعه. لاحظ كوستان أنه ليس نادلهم المعتاد، بل لم يكن سوى ذلك الرجل الذي نجا من الاعتداء قبل قليل.
سأله كوستان:
– حسناً، كيف حالك الآن؟ هل زال عنك التعب؟
لم يعره النادل أي انتباه، بل التفت إلى لافلر بهيئة رجل يرزح تحت وطأة ضغط هائل، وهمس بصوت خفيض:
– سيدي.. حياتي.. إنني أدين لك بها، والآن.. أستطيع أن أرد لك الجميل!
نظر إليه لافلر في دهشة عارمة، ثم هز رأسه بحزم وقال:
– لا، اسمعني جيداً.. أنا لا أريد منك شيئاً، هل فهمت؟ لقد كفاني ما قدمته من شكر. والآن عد إلى عملك ولا تفتح هذا الموضوع ثانية.
لكن النادل لم يتزحزح قيد أنملة، بل ارتفع صوته قليلاً بنبرة مشحونة:
– أقسم لك بكل ما تقدسه يا سيدي، سأمد لك يد العون ولو رغمت! لا تدخل إلى المطبخ يا سيدي. “إنّي أبذلُ عمري فداءً لِعمرِك يا سيّدي، وأنا على قولي هذا شهيد؛ لا الليلة، ولا في أي ليلة من عمرك، إياك أن تطأ قدماك مطبخ سبيرو”!
ارتد لافلر في مقعده وقد تملكه الذهول:
– لا أدخل المطبخ؟ ولماذا لا أدخل إن خطر للسيد سبيرو يوماً أن يدعوني إليه؟ ما خطب هذا الهراء؟
وفجأة، استقرت يد صلبة على ظهر كوستان، في حين قبضت أخرى على ذراع النادل. تجمّد النادل في مكانه، مطبقاً شفتيه، ناكساً بصره في الأرض.
– ماذا هناك أيها السادة؟
انساب الصوت رخيماً ناعماً وهو يكمل:
– يا لها من صدفة طيبة أن أصل في الوقت المناسب تماماً، كعادتي دائماً، لأجيب على كل التساؤلات، هاه؟
تنفس لافلر الصعداء وقال:
– آه، سبيرو! الحمد لله أنك جئت. هذا الرجل يتفوه بكلام غريب عن عدم دخولي إلى مطبخك، هل تفهم ما الذي يقصده؟
افتر ثغر سبيرو عن ابتسامة عريضة كشفت عن أنيابه:
– بالطبع، بالطبع. لم يكن هذا الرجل الطيب إلا ناصحاً أميناً يتودد إليك. فما حدث هو أن طاهيي الانفعاليّ تناهت إلى سمعه إشاعة بأنني قد أصطحب ضيفاً إلى مطبخه المقدس، فاستشاط غضباً. يا له من غضب أيها السادة! حتى إنه هدد بترك العمل فوراً، ولكم أن تتخيلوا ما الذي يعنيه ذلك لمطعم سبيرو، هاه؟ لكنني نجحت لحسن الحظ في إقناعه بأن استضافة زبون مخلص ومتذوق حقيقي ليرى عمله عن قرب هو شرف رفيع، وقد أضحى الآن طوع أمرنا.. تماماً، هاه؟
ثم أفلت ذراع النادل وقال له بصوت خفيض حاد:
– لقد أخطأت المنضدة. احرص على ألا يتكرر ذلك.
انسحب النادل دون أن يجرؤ على رفع عينيه، في حين سحب سبيرو كرسياً وجلس إلى المنضدة، وهو يمرر يده بخفة فوق شعره، ثم قال:
– أخشى أن السر قد انشكف الآن، هاه؟ كنت أريد لهذه الدعوة أن تكون مفاجأة لك يا سيد لافلر، لكن المفاجأة تبخرت ولم يبقَ إلا الدعوة.
مسح لافلر حبات العرق عن جبينه، وقال بصوت متهدج:
– هل تتحدث بجدية؟ هل تعني أننا سنشهد حقاً مراسم إعداد الطعام الليلة؟
مرر سبيرو ظفراً حاداً فوق غطاء المنضدة، تاركاً خلفه خطاً مستقيماً دقيقاً انطبع على نسيج الكتان، ثم قال:
– آه.. إنني أواجه معضلة هائلة.
وظل يرمق ذلك الخط برصانة:
– أنت يا سيد لافلر ضيفي العزيز منذ عشر سنوات طوال، أما صديقنا هنا فـ…
رفع كوستان يده مقاطعاً:
– أتفهم الأمر تماماً. هذه الدعوة تخص السيد لافلر وحده، ومن الطبيعي أن يكون وجودي محرجاً. وبمحض الصدفة، لدي موعد مبكر الليلة وكان عليّ المغادرة على أية حال، لذا كما ترى، لا توجد معضلة على الإطلاق.
لكن لافلر اعترض قائلاً:
– لا، مستحيل! لن يكون هذا عدلاً أبداً. لقد تشاركنا كل شيء هنا يا كوستان، ولن أستمتع بهذه التجربة حق الاستمتاع إن لم تكن معي. لا بد أن لدى سبيرو من المرونة ما يسمح له في استثنائنا هذه المرة الوحيدة.
اتجهت أنظارهما نحو سبيرو الذي اكتفى بهز كتفيه في أسف صامت.
نهض كوستان فجأة وقال بنبرة مداعبة:
– لن أجلس هنا يا لافلر لأفسد عليك مغامرتك الكبرى. ثم فكر في ذلك الطاهي الشرس الذي ينتظرك بساطوره! أفضل ألا أكون في موقع الأحداث. سأودعكما الآن..
وتابع حديثه ليداري صمت لافلر المثقل بالشعور بالذنب:
– سأتركك في رعاية سبيرو، وأنا واثق أنه سيبذل كل جهده ليقدم لك عرضاً لا يُنسى.
ثم مد يده مودعاً، فاعتصرها لافلر بقوة مؤلمة.
قال لافلر:
– إنك نبيل جداً يا كوستان. آمل أن تستمر في المجيء إلى هنا حتى نلتقي مجدداً، ولن يطول الغياب.
فسح سبيرو الطريق ليمر كوستان قائلاً:
– سأكون في انتظارك.. إلى اللقاء.
توقف كوستان وهلة في الردهة الخافتة ليعدل وشاحه ويضبط زاوية قبعته أمام المرآة. وحين استدار منصرفاً وقد رضي عن مظهره، ألقى نظرة أخيرة رأى فيها لافلر وسبيرو يقفان عند باب المطبخ. كان سبيرو يمسك الباب بيد مفتوحة على اتساعها في إيماءة دعوة، واستقرت يده الأخرى برقة تقارب الحنان على كتف لافلر المكتنزة!
تمت



