وفاة الأب والابن، في رواية أورهان باموق “المرأة ذات الشعر الأحمر

هيربهد هدايات


حجم الخط-+=

ترجمة: فلاح حسن


تخضع الأعمال الجديدة للفائز بجائزة نوبل -هنا نتحدث عن أورهان باموق الذي فاز بالجائزة في عام 2006- لتدقيقٍ مكثف، في حالة ظهور أيّ علامةٍ عن تراجع مستوى المؤلف، لكنّ رواية باموق الأحدث -المرأة ذات الشعر الأحمر- تُظهر المهارة العميقة لدى باموق وهي تعمل أداةً ووسيلةً للتحليل الاجتماعيّ والنقد، لِتضعها على قُدم المساواة مع أفضل أعمال بلزاك. أظهر باموق في أحدث أعماله قدرةً على خلق وسيلةٍ هامةٍ لفهم الديناميكيات الكامنة وراء الاضطرابات السياسية المعاصرة، والصراعات بين العلمانيين والإسلاميين في بلده الأم تركيا. 

تبدأ رواية المرأة ذات الشعر الأحمر خلال سنوات المراهقة الأولى للشخصية الرئيسة جيم، الذي يستعد لامتحانات القبول في الجامعة. يقوم جيم بعملٍ صيفيٍ كونه متدربا عند حفّار آبارٍ يدعى السيد محمود، من أجل تمويل دوراته التحضيرية. تجري أحداث بداية ونهاية الرواية في مستوطنةٍ قاحلةٍ في إحدى ضواحيّ إسطنبول تسمّى أوونغرين، حيث كُلِّف السيد محمود بحفر بئرٍ وإيجاد الماء. تخلى والد جيم، الذي يعمل صيدلانياً وناشطا سياسيا يساريا في إسطنبول، عن جيم ووالدته مؤخراً. إنّ علاقة السيد محمود بجيم هي كعلاقة أيّ خبيرٍ مع متدربٍ مبتدئ، فهم يحفرون الآبار بنحوٍ جيدٍ ويعملون عند رجل أعمالٍ محليٍّ ينوي بناء مصنع، لكنّ علاقة السيد محمود بجيم قد تطورت، ليصبح محمود بمثابة الأب لجيم. إنّ وجود جيم في أوونغرين رسّخ فيه الخيال والأوهام والأساطير، كان السيد محمود يقص على جيم القصص والحكايات التي تتطابق مع ما ورد في بعض الآيات القرآنية، والتي تقود الاثنين إلى التفكير في أمورٍ نبيلةٍ وموضوعاتٍ ساميةٍ كوجود الجنة والنار. يلاحظ جيم أنّه كلّما قَصَّ قصةٌ دينيةٌ يُظهر السيد محمود هدوءاً حذراً، ويلاحظ نبرة تهديدٍ وتحذيٍر مبهمةً في طريقة كلامه وكأنّه يقول: من الممكن أنّ يحدث لك هذا. يبدأ التوتر في علاقتهما عندما يتحدث جيم عن قصةٍ قرأها -قصة أوديب ملكا- في أحد متاجر الكتب في إسطنبول، ظنًا منه أنّه سيثير الرعب في نفس سيده. يبدأ جوٌ غير مريحٍ ومهددٍ لوجود جيم في أوونغورين، لا سيما وأنّ السيد محمود غير قادرٍ على إيجاد المياه، كما يزداد شكّه وقلقه من تصرفات جيم.
حينما كان يتمشى في إحدى جولاته المسائية في أوونغورين يلتقي جيم المرأة المعروفة بذات الشعر الأحمر، وهي ممثلةٌ في فرقةٍ مسرحيةٍ متنقلةٍ تقدم المسرحيات الأخلاقية المستمدة من القصص القرآنية والتراث والحكايات الشعبية. يتنامى في جيم شعورٌ بالإعجاب والتعلق بهذه الممثلة، ويبدأ في متابعتها والتفاعل معها بنحوٍ متزايد. كان لغياب والده أثراً واضحاً عليه، فقد وقع في حبها أو على أقل تقديرٍ بدأ في اشتهائها.
يشعر جيم أنّ غياب الإشراف الأبويّ يسمح لنفسه ولشخصيته الحقيقية بالظهور، لأنّه لا يحتاج إلى القلق بشأن النظرة الصارمة من والده بعد الآن، لكنّ نصيحة والده ما زالت تلعب دوراً في التخيلات التي يحملها عن المرأة ذات الشعر الأحمر. فهو يتخيل أنهما الاثنين يقرآن معا، واستعاد جيم في ذاكرته كلمات والده “إنّ أعظم سعادةٍ في الحياة هي زواج فتاةٍ قضيت معها شبابك في قراءة الكتب، مع السعيّ الشغوف لمثاليةٍ مشتركة” مع أنّه قد لا يكون على درايةٍ به، فإنّ عدم وجود الشخصية الأبوية لا يؤثر في الحياة الواعية لجيم فحسب، بل في نسخته المثالية التي تظهر في الخيال.
في تفاعله وحواره مع المرأة، تطرق جيم إلى ذكر والده الغائب، أجابت المرأة: ابحث عن والدٍ جديد، كلنا لدينا العديد من الآباء في هذا البلد. الوطن والجيش والمافيا… لا أحد هنا يجب أنّ يكون بلا أب. إنّ غاية جيم من هذه العلاقة تدفعه إلى أنّ يشكّل علاقةً أبويةً جديدة. في حالة جيم، هذا هو الرابط المحتمل بينه وبين السيد محمود، أمّا على مستوى اجتماعي أوسع فهو تعليقٌ على الدور الذي تلعبه الصّور الأبوية في خيال الجماهير، لا سيما في المجتمع التقليدي الذي يعزز ويؤكد سلطة الأباء. ففي السياق التركيّ مثلاً، من المهم بنحوٍ استثنائيٍ وخاصٍ أنّ مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال لُقب بأتاتورك والذي يعني أبو الأتراك. في أثناء مشاهدته إحدى مسرحيات الفرقة المسرحية المتنقلة يصادف جيم قصةً مستمدةً من ملحمةٍ باللغة الفارسية تُعرف بالشاهنامه: قصةٌ أبطالها رستم وسهراب. رستم محاربٌ وبطلٌ للمملكة الفارسية، يسافر إلى البلدان والأراضي المجاورة، وأثناء وجوده هناك ضاجع أميرةً تدعى تهمينه، وقد أعطاها قطعة قماشٍ أو طوقٍ لتلفه على يد طفله المستقبلي، حتى يتمكّن من التعرف إليه بعد عودته إلى موطنه. هذا الطفل هو سهراب، الذي سيصبح فيما بعد بطل أرض تهمينه، ويخطط لِلمّ شمله ووالده، من أجل توطيد حكم مملكتيّ رستم وسهراب. لكي تنجح خطة سهراب فهو بحاجةٍ إلى أنّ تتقاتل المملكتان فيما بينها، وأنّ يتعرف الأب والابن على بعضهما. ومن خلال العديد من المكائد الخاطئة من جانب الملك سهراب، يضطر البطلان إلى مبارزةٍ بينهما، ولأنّهما في حالة قتالٍ ضارٍ غير قادرين على التعرف على بعض. وبعد قتالٍ متواصلٍ عدة أيام، يقتل رستم سهراب وعندها يرى السوار بذراع سهراب ولكن بعد فوات الآوان. يصاب الأب بالكمد والحزن لقتل ابنه، وتموت الأمُ تهمينه عند سماعها بمقتل ابنها سهراب.
إنّ تحليلات الدراما العائلية أحيانًا تُظهر تجاهلاً لإحدى أهم الشارات الأساسية للمأساة، والتي يؤكد عليها باموق بنحوٍ كبيرٍ ألا وهي حزن الأم. وكما كتب باموق: “إنّ منطق الكون يتحول إلى دموع الأم” يوظِّف باموق السرد في “المرأة ذات الشعر الأحمر” للتأكيد على الدور العالميّ للأمهات في كل التقاليد الثقافية والأساطير. يؤثر العنف الذي يجلبه الآباء والأبناء بعضهم على بعض بنحوٍ عامٍ في شخصيةٍ واحدةٍ ألا وهي الأم، سواءً كانت جوكاستا أم أوديب أم تهمينه، في قصة رستم وسهراب، التي حدثت في الأراضيّ الشرقية لتركيا، هنالك علاقة أبٍ بابنه تترك الابن مقتولا. في أسطورة أوديب التي حدثت في اليونان، غرب تركيا (الجزء الذي يسمى بـالغرب) يقتل الابنُ أباه. أما في أوونغرين وقع حادثٌ في موقع الحفريات أجبر جيم على مغادرة المستوطنة الريفية، وأن يعود إلى إسطنبول معتقداً أنّه ربما تسبب في موت السيد محمود، إنّ نهاية عهد جيم في أوونغرين أدت بنحوٍ ما إلى لعب دوره في الدراما الأوديبيّة.
في إسطنبول يدرس جيم ليصبح مهندسا، وتعلم الأساليب المتقدمة تقنيًا لاستخراج المياه، والتي تجعل الحفارين القدامى أمثال السيد محمود عديمي الفائدة، ممّا يؤدي إلى تحمل توترٍ آخر في قلب الرواية -التأثير المتنامي للغرب على المجتمع التركي. لقد أدت حركة التحديث في القرن العشرين إلى التخلص من أنماط الحياة التقليدية والأوهام التي يمثلها السيد محمود، وقد أجبرت الآباء على الموت على يد أبنائهم المحدثين. ومع ذلك، تلعب الحكاية “الشرقية” لرستم وسهراب دوراً كبيراً في حياة النضوج لجيم، والتي تحتل النصف الثاني من الرواية. على الرغم من أنّ جيم لم يكن يعرف عنوان المسرحية التي عرضتها فرقة المسرحيات الجوالة في أوونغرين لكنّ رحلة عملٍ إلى طهران تقود جيم للإطلاع رسمياً على القصة في سياقها الأدبيّ الأصلي. فإذا كان جيم قد أمضى شبابه يفكر بقصة الملك أوديب، فقد أصبحت حياته الراشدة مكرسةً بنحوٍ متزايدٍ لقصة رستم وسهراب. يفتتح جيم شركة بناءٍ تدعى سهراب مع زوجته عائشة، ولزوجين بدون أطفال، تعد شركة الإنشاءات تعويضا عن فقدانهم الأطفال. تشير الأحداث الأخيرة للرواية إلى وفاة الطفل الافتراضيّ (سهراب) أيّ فشل الشركة، مما يضطره العودة إلى أوونغرين من أجل التخفيف من شعوره بالذنب الذي يطارده بسبب الحادث الذي أصاب السيد محمود الأب الافتراضيّ الذي اعتقد أنّه قد قتله.
إنّ عرض المجتمع التركيّ في هذه الرواية في ظل الظروف المعاصرة تجاور نمطين أساسيين من التقاليد الثقافية قد جعلت التوترات والقواسم المشتركة واضحة، الأمر الذي يجعل من رواية “المرأة ذات الشعر الأحمر” واحدةً من أكثر الروايات إثارةً للاهتمام التي نُشرت في السنوات الأخيرة، وهي إضافةٌ جميلةٌ للأعمال الكاملة لباموق، إنّ التقاليد ما زالت تحظى باهتمامٍ كبيرٍ لأولئك الذين يبتعدون عنها، كما أنّ رواية باموق بارعةٌ في استخلاص التوتر المتأصل في المجتمع في خضم أزمة الهوية المتعلقة بتاريخه وقيمه.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى