هاروكي موراكامي ينقد رواياته نقدًا نسويًّا


حجم الخط-+=

حاورته: ميكو كواكامي

ترجمة: عبير علاو

مؤخرًا لم يكن هاروكي موراكامي يُجري العديد من المقابلات، إلا أنه في عام 2017 قام باستثناء للروائية المعجبة بأعماله ميكو كاواكامي، والتي كتبت عن التأثير الذي أحدثه موراكامي في رواياتها التي بدأت تُنشَر باللغة الإنجليزية، قضى الثنائي ستَّ عشرة ساعة معًا في أربع مناسبات في طوكيو، وقد أسفرت تلك اللقاءات عن كتاب “البومة تنشر أجنحتها مع سقوط الغسق”، الذي نشرته دار شينشوشا باللغة اليابانية في عام 2017، في هذا الحوار، سألت كاواكامي موراكامي عن الأدوار التي تلعبها شخصياته النسائية، أسبابها، ومبررات تصرفاتها:

ميكو كواكامي: لدي فضول بشأن شخصية ماري أكيجاوا في رواية “مقتل الكومنداتور Killing Commendatore“، يمكنني معرفة مدى توترها بسبب ارتباط هويتها بنهديها، إلا أن هذا الأمر لم يكن ساريًا على الفتيات الشابات في رواياتك الأخرى، مثل شخصية يوكي في رواية “رقص رقص رقص Dance Dance Dance“، أو ماي كاساهارا في رواية ” The WindUp Bird Chronicle“.

لنتناول المشهد الذي تتحدث فيه ماي كاساهارا فتقول: “نتوءات الموت … دائرية وإسفنجية، تمامًا مثل الكرة اللينة”، فمن مناقشة لبطل الرواية نجد أن ماي لديها أسطر قوية كهذه بروعة خلال جميع أحداث الرواية، عبارات حول التمييز الغامض بين إيذاء نفسك وإيذاء الآخرين، أو بين موتك وموت الآخرين، فالنثر رائع، ويجسد على نحو مذهل الروح الحقيقة التي تحكي واقع الفتيات، لذلك أحببت هذه المقاطع كثيرا، فشخصيتي يوكي وماي لا تتحدثان كثيرًا عن نهودهن أو أجسادهن، لكن ماري في مقتل القائد…

هاروكي موراكامي: إنها تركز عليهما حقًا، يكاد يكون ذلك هاجسًا لديها.

ميكو كواكامي: بالتأكيد، لكن ألا تعتقد أنها شديدة التركيز عليهما أكثر من اللازم على الرغم من ذلك؟ ففي المشهد الذي كانت فيه لوحدها مع الراوي الأول، وهو رجل لم تقابله من قبل، كانت كلماتها الأولى شيء مثل: “ثدياي صغيران حقًا، هل تعتقد ذلك؟”. لقد وجدت هذا مفاجئًا جدًا، فمن أين يأتيها هذا الهوس؟

هاروكي موراكامي: لا يوجد سبب لذلك، فقد تخيلتُ فقط أن هناك فتيات يشعرن بذات الأمر.

ميكو كواكامي: لكن ماذا عن تلك الفجوة التي بينها وبين الراوي؟ فهل اجتهدت في التفكير حول كيفية رده عليها حينما سألته عن ثدييها؟

هاروكي موراكامي: أعلم ما تعنينه، لكن حقيقة أنها طلبت رأيه بشأن ثدييها تشير إلى أنها لا تراه حقًا رجلا، ولا تفكر عنه بهذه الطريقة، وهذا يقوي الاستبطان، أو الطبيعة الفلسفية لحوارهم، هذا هو نوع العلاقة التي تريدها ماري منه، لدي شعور بأنها كانت تبحث منذ مدة عن شخص يمكنها أن تسأله عن هذه الأشياء، وأعتقد أننا يمكن أن نتفق على أنه -عموما- وإذا ما رأى المرء فرصة أن يكون هناك ميل تجاهه من الطرف الآخر، فإنه لا يخوض في مثل هذه التفاصيل.

ميكو كواكامي: أتفهّم وجهة نظرك، على الرغم من أنني في الواقع رأيت الاحتمال المعاكس، كأن ماري كانت تحاول في أن تلفت انتباهه إليها، لكنك تقول إنه يطهّر الهواء من أي نوع من التوتر بينهما، ويقوي الجانب الفلسفي لحواراتهما؟

هاروكي موراكامي: صحيح، ونتيجةً لذلك، أصبح الحوار بين ماري والراوي إحدى نقاط التحول الدافعة للرواية، وسلّط ضوءًا جديدًا على القصة.

ميكو كواكامي: بعبارة أخرى، تقدم لنا تلك المحادثة مزيدًا من المعلومات حول شخصية وسلوك الراوي، والذي كان سيظل لغزًا للقراء لولا ذلك.

هاروكي موراكامي: صحيح، إنه يملك تلك الشخصية التي تجعل فتاة في الثانية عشرة  من عمرها تشعر بالراحة وهي تتحدث معه عن نهديها.

ميكو كواكامي: يقودني هذا إلى سؤال آخر عن النساء في رواياتك، وهو أمر يظهر كثيرًا عند الحديث عن أعمالك، وكثيرًا ما أفكر في الطريقة التي تُصوَّر النساء في رواياتك، والأدوار التي تُمنح لهن، وكثيرًا ما تقول لي صديقاتي النساء: “بما أنكِ تحبين أعمال هاروكي موراكامي كثيرًا، كيف تبررين تصويره للمرأة؟”. المغزى أن هناك شيئًا مقلقًا بشأن تصوير النساء في قصصك، وهذا يزعج بعض الناس، رجالاً ونساءً على حد سواء.

هاروكي موراكامي: حقًّا؟ كيف ذلك؟

ميكو كواكامي: يتمحور حول ما إذا كنّ واقعيات أو يمكن مصادفتهم “في الحياة الواقعية”، كما أن الأمر يتعلق بالأدوار التي تلعبها النساء، على سبيل المثال -كما أسلفنا- تعمل المرأة بمثابة وسيط روحي لطيف، كما لو أنها وسيط للقدر.

هاروكي موراكامي: تأخذك من يدك وتقودك إلى مكان ما.

ميكو كواكامي: بالضبط، فهي تؤدي إلى تحول ما في بطل الرواية، وهناك العديد من الأحداث التي تُصوَّر النساء فيها كبوابات أو فرص للتحول.

هاروكي موراكامي: نعم، يصبحن عنصرا فعَّالا لذلك.

ميكو كواكامي: في هذه التحولات، طالما أن الجنس يُطرح ليكون وسيلةً إلى عالم غير مألوف، فإن النساء عندما يكُنّ مع بطل الرواية، فإنهنّ لا يملكن أي خيار سوى لعب دور الشريك الجنسي، وبالنظر إلى الأمر من زاوية معينة، أعتقد أن الكثير من القراء قد يجادلون بأن النساء قد وُضعن في هذا الموقف إلى الأبد، لمجرد أنهن نساء، يسعدني سماع أفكارك حول هذا الأمر.

هاروكي موراكامي: لست متأكدًا من أنني فهمتك، عندما قلتي دور أكثر من الضروري، هل تعنين…؟

ميكو كواكامي: أنا أتحدث عن العدد الكبير من الشخصيات النسائية التي يُوجدن فقط لأداء وظيفة جنسية، فمن ناحية، تعد أعمالك خيالية بلا حدود عندما يتعلق الأمر بالحبكة، والمؤامرات، والرجال، لكن لا يمكن قول الشيء نفسه عن علاقاتهم مع النساء، فليس من الممكن لهؤلاء النساء أن يوجدن بمفردهن، وعلى الرغم من أنهن قد يكنّ بطل القصة، أو إحدى الشخصيات الداعمة، وقد يتمتعن بدرجة معتدلة من التعبير عن الذات، وذلك بفضل استقلالهن النسبي، فإنَّ هناك ميلًا مستمرًا للتضحية بالنساء من أجل القادة الذكور، لذا فإن السؤال هو، لماذا تلعب النساء في كثير من الأحيان هذا الدور في روايات موراكامي؟

هاروكي موراكامي: حسنًا، الآن فهمت.

ميكو كواكامي: هل يمكن أن تشاركني أفكارك حول ذلك؟

هاروكي موراكامي: قد لا يكون ما سأقوله التفسير الأكثر إرضاءً، لكنني لا أعتقد أن أيًا من شخصياتي معقدة إلى هذا الحد، فالتركيز في رواياتي ينصبّ على الشمولية، أو كيفية تفاعل هؤلاء الأشخاص -رجالًا ونساءً- مع العالم الذي يعيشون فيه، وإذا ما كان هناك أي شيء، فأنا أحرص على عدم الإسهاب في الحديث عن معنى وجود المرء أو أهميته أو تداعياته، وكما قلت سابقًا، لستُ مهتمًا بالشخصيات الفردية، وهذا ينطبق على الرجال والنساء على حد سواء.

ميكو كواكامي: فهمت.

هاروكي موراكامي: كانت رواية 1Q84 أكثر رواية قضيت فيها وقتًا في التعامل مع الشخصيات الأنثوية، فشخصية أومامي مهمة جدًا لتنجو، وشخصية تنجو مهمة جدًا لأومامي، لم يكن الأمر يبدو وكأنهما سيجتمعان في النهاية، لكن القصة تركز على تحرك بعضهما تجاه بعض، فتقاسما المكانة بطلين مشتركين لها، وفي النهاية، اجتمعا معًا، وأصبحا واحدًا، بهذا المعنى، أود أن أقول إن الشخصيات جميعها متساوية في المخطط الواسع للرواية، لأن الكتاب يعتمد عليهم جميعًا  بنفس القدر.

ميكو كواكامي: غالبًا ما تدور رواياتك الطويلة حول نوع من الصراع ضد قوى أكبر، ففي رواية WindUp Bird Chronicle يكون الصراع بين تورو وكوميكو أوكادا ضد نوبورو واتايا، في حين يحارب أومامي وتنجو قوةً شريرةً عظيمة في رواية 1Q84، فنجد أن القاسم المشترك بين هاتين الروايتين هو أن قتال الرجال في عالم اللا وعي.

هاروكي موراكامي: هذا ما يبدو عندما نقرأها على هذا النحو، ربما يتعلق الأمر بعكس الأدوار المعتادة للنوعين، كيف ترينه أنتِ من منظور نسوي؟ لا أستطيع الجزم بذلك.

ميكو كواكامي: الأمر المشترك أن شخصياتك الذكورية يخوضون معاركهم في دواخلهم، أي عالم اللا وعي، تاركين النساء يقاتلن بمفردهن في العالم الواقعي، فعلى سبيل المثال، في رواية The WindUp Bird Chronicle نجد أن كوميكو هي من تسحب القابس وتقتل نوبورو واتايا وتدفع الثمن في النهاية، وفي 1Q84 قُتل القائد على يد أومامي، صحيح أنه ليس من الضروري تطبيق النقد النسوي على كل رواية، وأن السعي وراء الاستقامة ليس هدف الكتاب من الكتابة الخيالية، ولكن قراءة هذه الكتب من منظور نسوي، يجعل ردة الفعل المشتركة تكون: “حسنًا، هذه امرأة أخرى سُفك دمها لأجل إثبات رجل لذاته”.

معظم النساء في العالم الحقيقي مررن بتجارب جعلت حياتهن لا تطاق بسبب كونهن نساء لا أكثر، مثل ضحايا الاعتداء الجنسي المتهمين بالمطالبة به، فالأمر يتعلق بحقيقة أن جعل المرأة تشعر بالذنب لامتلاكها جسد امرأة يعادل إنكارنا لوجودها، من المحتمل أن هناك بعض النساء اللواتي لم يفكرن بهذه الطريقة قط، ولكن هناك حقيقة علينا طرحها وهي أنهن ربما تعرضن لضغوط من المجتمع لخنق مشاعرهن، وهذا هو السبب الذي يجعل رؤية هذا النمط يظهر في القصص الخيالية أمرًا مرهقًا جدا، كونه تذكيرا بالواقع المؤلم الذي يضحّي بالنساء لأجل إثبات الرجل لذاته أو لرغباته الجنسية.

هاروكي موراكامي: أعتقد أن تطبيق أي نمط على هذه الروايات محض مصادفة، في الأقل، لم أكتب قط لهذا الغرض. كما أنني أعتقد أنه من الممكن للقصة أن تسير بهذه الطريقة على مستوى اللا وعي البحت، ولا أقصد عدم أخذ الأمر بعين الاعتبار ولكن لا تخضع كتاباتي لأي مخطط أو نمط، لنأخذ رواية Norwegian Wood الغابة النرويجية على سبيل المثال، حيث يتصارع ناوكو وميدوري على التوالي مع الوعي واللا وعي، والراوي الذكر معجب بهما معًا، ويهدد بتقسيم عالمه إلى قسمين، ثم نصل بعد ذلك إلى ما بعد الظلام، إذ تُدفع القصة حصريا تقريبًا نحو ما ترغبه الشخصيات النسائية، لذلك لا يمكنني أن أتفق على أن النساء دائمًا ما يكنَّ عالقات في لعب الدور الداعم للأعراف الجنسية أو أي شيء من هذا القبيل، حتى بعد أن أنسى أحداث القصة، تبقى هؤلاء النساء معي، مثل ريكو أو هاتسومي في الغابة النرويجية، وحتى الآن يدخلني التفكير بهما في شعور عاطفي، فهؤلاء النساء لسن مجرد أدوات روائية لي، بل إنَّ كل عمل فردي يتطلب ظروفه الخاصة، أنا لا أختلق الأعذار هنا، بل أتحدث من عمق الشعور والتجربة.

ميكو كواكامي: أفهم ما تعنيه، ولكوني كاتبة فأنا على دراية كاملة بما تعنيه بالشعور، وفي الوقت نفسه، أستطيع أن أرى كيف ينظر القراء إلى هذه التجربة القراءة التي نناقشها.

هناك شيء مهم جدا في نظري حول ما كنت تقوله، الفكرة التي قلت فيها إنه يمكن للمرأة أن تقدم ما هو أبعد من الجنس، أو تُوجد بعيدًا تمامًا عنه، وتأخذ القصة إلى اتجاه مختلف تمامًا.

هاروكي موراكامي: صحيح، أشعر أن لدى النساء وظائف مختلفة عن الرجال، ربما يكون الأمر مبتذلاً، ولكن هذه هي الطريقة التي يعيش بها الرجال والنساء، إذ يساعد بعضهم بعضا، ويعوض كل منهما الآخر عما يفتقر إليه، وهذا قد يعني تبديل أدوار ووظائف النوعين في بعض الأحيان، وأعتقد أن هذا الأمر يعتمد على الشخص وعلى ظروفه، سواء كان يرى هذا طبيعيًا أو مصطنعًا، عادلًا أو غير عادل، سواء كان يرى أن الفروق بين النوعين تنطوي على معارضة شديدة، أو أنها في تناغم متوازن، وربما لا يتعلق الأمر بتعويض ما نفتقر إليه، بقدر ما يتعلق الأمر بإلغاء بعضنا لبعض، وفي حالتي، لا يمكنني معالجة هذه الأسئلة المعقدة إلا من خلال الخيال، دون أن أجعلها إيجابية أو سلبية، فأفضل ما يمكنني فعله هو أن أتعامل مع هذه القصص كما هي بداخلي، أنا لست مفكرًا أو ناقدًا أو ناشطًا اجتماعيًا، أنا مجرد روائي، وإذا ما أخبرني أحدهم أن عملي مسيء عند النظر إليه من خلال مذهب معين، أو كان يحتاج المزيد من التفكير، فكل ما يمكنني فعله هو تقديم اعتذار صادق وقول: “أنا آسف”، سأكون أول شخص يعتذر حينها.

ميكو كواكامي: في روايات رايموند تشاندلر المسلية، عادة ما تقدم النساء مهمة أو عمل للرجل ليقوم به، إلى حد ما، يجب أن يستند عملك إلى انعكاس حول كيفية تصوير النساء في الروايات التي قرأتها، لأن لما نقرأه تأثير كبير على ما نكتبه.

ولكن من بين كل النساء اللواتي كتبتهن، أكثرهن بقاءً معي هي بطلة القصة القصيرة “Sleep النوم” (The Elephant Vanishes, 1993)، لقد قرأت عن الكثير من الشخصيات النسائية التي كتبها نساء والكثير من الشخصيات النسائية التي كتبها رجال، ولكن حتى يومنا هذا، لم أواجه امرأة مثل التي في رواية Sleep، إنها إنجاز غير عادي!

هاروكي موراكامي: نُشرت هذه القصة في مجلة New Yorker في الوقت الذي لم أكن فيه معروفًا في الولايات المتحدة الأمريكية، وما لم أتوقعه في الأمر أن الكثير من القراء ظنوا أن “هاروكي موراكامي” امرأة، ولقد أرسلت إليَّ الكثير من النساء رسائلَ تشكرني فيها على إجادتي لما كتبت!

ميكو كواكامي: هل ما فهمته صحيحًا؟ كانت روايتك “النوم” هي الأولى من نوعها والتي كُتِبت من منظور نسائي؟

هاروكي موراكامي: نعم، أعتقد أن هذا صحيحًا.

ميكو كواكامي: ما الذي جعلك تركز على كتابة شخصية أنثوية؟ هل حدث الأمر من تلقاء نفسه؟

هاروكي موراكامي: كتبت تلك القصة عندما كنت أعيش في روما، لم أكن على وشك الانهيار العصبي، لكنني كنتُ متوترًا وقلقًا جدًّا بسبب شعبية روايتي الغابة النرويجية “Norwegian Wood” والذي كان من أكثر الكتب مبيعًا في اليابان، شعرت أنني أريد الهروب إلى عالم آخر، لذلك غادرت اليابان إلى إيطاليا وانكببتُ على نفسي مدة من الوقت، كنت مكتئبًا نوعًا ما، واستعصت عليّ الكتابة، وفي ذات يوم، في أوائل الربيع، تملكتني الرغبة في الكتابة من جديد، وكتبت روايتي “TV People” و “Sleep“.

ميكو كواكامي: ما القصة التي انتهيت منها أولا؟ “TV People“؟

هاروكي موراكامي: أعتقد أنني أنهيت رواية “TV People” أولاً، فقد رأيت أحد مقاطع الفيديو الموسيقية لـ Lou Reed على قناة MTV وقد ألهمني بشدة لدرجة أنني كتبت الرواية دفعة واحدة، ثم صنعت شخصية نسائية لرواية “Sleep“، شعرت حينها أن هذه أفضل طريقة أعبر بها عما كنت أشعر به في ذلك الوقت، فقد كنت أرغب ببعض المسافة والابتعاد ربما حتى عن نفسي، وربما لهذا السبب كانت بطلة الرواية امرأة، وحسب ما أتذكر، فقد كتبت تلك الرواية بسرعة كبيرة أيضًا.

ميكو كواكامي: “النوم” رواية مذهلة، عدم القدرة على النوم يشبه العيش في عالم لا يوجد فيه الموت، القلق الذي ينتج عن ذلك، وذلك النوع المميز من التوتر الذي لا يهدأ أبدًا للحظة، إنها استعارة مثالية للوجود النسائي، أعتقد أن كتابتها استغرقت منك بضعة أيام كونها قصة قصيرة.

هاروكي موراكامي: بالتأكيد، لكنها احتاجت أسبوعًا حتى نُقحت.

ميكو كواكامي: لقد عكفت على رواية “النوم” بضعة أيام، قرأتها سطرًا سطرًا، وحقا لم أقرأ امرأة كهذه من قبل، وقد كان الأمر برمته متعة عظيمة لي أن أقابل “امرأة جديدة” في النص، والأكثر إثارة للدهشة أنَّ كاتب تلك المرأة هو رجل، لأجل ذلك وأكثر كانت قراءتها تجربة رائعة لي.

من بين كل الشخصيات الأنثوية في قصصك، تقف المرأة في رواية “النوم” فوق البقية في نظري، وبصفتي نسويّة، بنت هذه الشخصية شعور ثقة بيني وبين أعمالك، ومن الناحية العملية، تعني هذه الثقة؛ الثقة في الكتابة، في الكلمات نفسها.

أعلم أنك ترجمت قصص قصيرة من اليابانية للكاتبة غريس بالي، لذلك ربما يكون ولّد ذلك لديك نوعًا من الارتباط مع الشخصيات النسائية وكيفية خلقها.

هاروكي موراكامي: ليس هذا ما حدث بالضبط، لقد قررت ترجمة روايات غريس بالي لكونها روايات ممتعة وجديرة بالاهتمام، لم أكن أدرك كيف كانت تصور شخصياتها النسائية، وعندما كنت أكتب رواية “النوم”؛ كتبت كل ما كنت أفكر فيه، واعتقدت أن المرأة ستكون كذلك في ظل تلك الظروف، لقد تصادف أن تكون الروائية امرأة في ذلك الحين، لكنني لم أبذل أي جهد واعٍ لاستكشاف عقل الأنثى.

ميكو كواكامي: عند كتابة شخصية أنثوية، يؤطر الكتّاب لبعض الدوافع التي تُستخدم لإرضاء توقعات القراء من الذكور أو الإناث وجعل تلك الشخصية قابلة للتصديق، ولكن هذه القصة لا تحتوي على أي من ذلك.

هاروكي موراكامي: باستثناء النهاية، عندما تركن سيارتها في الواجهة البحرية ليلاً، في ذلك المشهد، كنت أدرك تمامًا أن الشخصية الرئيسة هي امرأة، لذا كانت تلك التداعيات؛ رجلان يحيطان بسيارة امرأة في ليلة مظلمة ويبدآن في دفعها للأمام وللخلف، ذلك المشهد كان لا بد من أن يكون مخيفًا حقًا.

ميكو كواكامي: سيكون الأمر مخيفًا جدًا للرجل أيضًا، ولكن ربما مخيفًا أكثر للمرأة.

هاروكي موراكامي: من كل النواحي الأخرى، كتبت الشخصية استنادًا على كونها إنسانًا، دون أن أعير كونها امرأة اهتمامًا خاصًّا.

ميكو كواكامي: صحيح، أعتقد أن هذه هي الطريقة المثلى لخلق المسافة، والتركيز على الإنسان، لأن هذا ما هو عليه المرء، وقد كانت الجوانب الإنسانية للشخصية الأنثوية، هي ما تضيء مكانتها امرأةً، في الأقل في ذهني، إذ لم أقرأ امرأة كهذه في أي مكان آخر، يا لها من قصة رائعة!

هاروكي موراكامي: بالنظر إلى الخلف، أعتقد أنه كان من الممكن أن تصل ذات الفكرة فيما لو كانت الشخصية الرئيسية هي رب منزل وكانت الزوجة طبيبة أو طبيبة أسنان، ويكون الزوج رب المنزل غير قادر على النوم فيستيقظ طوال ساعات الليل ويطبخ ويغسل الملابس ويؤدي الأعمال المختلفة، ورغم ذلك، ستختلف بعض النواحي على ما أعتقد.

ميكو كواكامي: أعتقد أنه من المهم أن يكون للزوجين ولد، فالمرأة هي من تنجب، وقد يمنحها وعيها بهذا شعورًا باليأس لا يستطيع الأب مشاركته معها تمامًا.

هاروكي موراكامي: هناك أيضًا الامتعاض الذي تشعر به تجاه زوجها، أشعر أن هذا النوع من الاستياء خاص بالنساء.

ميكو كواكامي: إنه أمر يتجاوز الاستياء، ولكن هناك شيء ما بالتأكيد.

هاروكي موراكامي: صحيح، أحيانًا عندما أتجول حول المنزل، أشعر به ورائي يتسلل إلى الغرفة.

ميكو كواكامي: لنقبل بمصطلح التسلل، في معظم الزيجات، يحدث فيضان مفاجئ!  لذا، أفكر في كيفية تصوير الابن والأب وهم يفعلون الأشياء بطرق متشابهة، ولنأخذ طريقة تلويحهم لها مثالا، ونظرًا لأن الاستياء لا يُعبّر عنه على هذا النحو، يجب على القارئ أن يتعامل معه على أنه هذا الإحساس الذي لا يمكن وصفه، ولقراءة رواية آنا كارنينا تأثير جيد في هذا الموضوع.

هاروكي موراكامي: انا كارينينا، مثال كلاسيكي آخر على الاستياء من الزوج، وربما شعر تولستوي في حياته المنزلية بذات النوع من التوتر المتسلل إلى الغرفة.

ميكو كواكامي: لقد كتبت الكثير من الشخصيات الذكورية في حياتك المهنية، هل تعتقد أنه من الممكن أن تكون لك في الكتب المستقبلية أمثلة نسائية لشخصيات مثل مينشيكي في رواية Killing Commentator؟ أي شخصيات غامضة أو غير مألوفة بعض الشيء تجعلك تقول: “قف، هذا جديد!”؟ أم تظن أن الشخصيات النسائية ستستمر في لعب هذا النوع من الأدوار الأسطورية أكثر من الأدوار الواقعية؟

هاروكي موراكامي: سأستمر في إنشاء شخصيات جديدة مختلفة عن تلك التي جاءت من قبل، وهذا الأمر ينطبق بالتأكيد على النساء أيضًا، مثل شخصية شوكو أكيجاوا -على سبيل المثال- والتي لم تكن شخصية رئيسة لكنها في رأيي كانت خروجًا عن نمط معظم الشخصيات التي كتبتها، ففيها شيء مميز في نظري، شيء يدفعني لمعرفة المزيد عنها، وفي كل مرة أشعر وكأني لم أعرف عنها سوى القشور.

ميكو كواكامي: سأكون فضولية جدا لمعرفة ما كانت تقرأ، ماذا يوجد من كتب على منضدتها؟ أصعب الروايات التي يمكن أن تجدها؟ أنا حقا متشوقة لمعرفة ذلك، وعلى سبيل المثال، ماذا سيكون عنوان الكتاب الذي تتناوله لتقرأ في هدوء؟

هاروكي موراكامي: ربما عمل ملحمي مثل رومانسية الممالك الثلاث* Romance of the Three Kingdoms.

ميكو كواكامي: شخصية قوية وواضحة، أليس كذلك؟ تعطيك بعض الروايات كل التفاصيل حول الشخصية الأنثوية، تسريحة شعرها، ملابسها وغير ذلك… كما هو الحال في تشاندلر، حيث إننا حينما نرى امرأة لأول مرة نحصل على وصف مفصّل لها من الرأس إلى أخمص القدمين، مما يمنحنا صورة واضحة عنها، يميل التوصيف في رواياتك إلى البدء بتفاصيل دقيقة عن الملابس، إلى أين تذهب للحصول على معلومات حول ملابس النساء؟

هاروكي موراكامي: لا أذهب إلى أي مكان، بل أكتب فقط ما أفكر فيه، ولا أقضي وقتي في البحث عن هذا النوع من الأشياء، عندما أقوم بتكوين صورة شخصية أنثوية ما فإن ما ترتديه يسقط في خيالي طبيعيا، على الرغم من أنني سأقول إنه ربما بسبب أنني أولي اهتمامًا وثيقًا لملابس النساء في الحياة الواقعية، فأكون أشبه بالمتسوق.

ميكو كواكامي: تتصف شخصية الزوجة في فيلم Tony Takitani (Blind Willow, Sleeping Woman, 2002)  بأنها مهووسة بالتسوق، وهكذا ينتهي بها الأمر بالموت في حادث سيارة في النهاية، وفي كل مرة تفكر فيها في الملابس، تهتز، وهي تفاصيل أحبها تمامًا.

ونحن نتحدث عن هذه الأمور، أتذكر مجموعة متنوعة من الشخصيات النسائية التي كتبتها، لن أقول إنَّ كل النساء يمكن تصنيفهن في فئة واحدة، على الرغم من أن كتابة شخصية أنثوية لا تعني بالطبع جعلها مهمة للقصة.

هاروكي موراكامي: بصراحة، أنا لا أفهم فكرة الأنماط هذه، يمكننا التحدث عن النساء في رواياتي كمجموعة، لكن في رأيي، هن فريدات بمفردهن، وعلى المستوى الأساسي، فإنني قبل أن أتعامل معهم رجلا أو امرأة، فإنني أراهن إنسان، لكن بغض النظر عن كل ذلك، ماذا عن الزوجة في رواية The Little Green Monster؟ إنها مخيفة بعض الشيء، أليس كذلك؟

ميكو كواكامي: نعم، توجد تلك المرأة أيضًا.

هاروكي موراكامي: كنت أستكشف نوعًا من القسوة التي يبدو أن النساء تمتلكها، يمكنني الشعور بها عندما تصدر عن الشخص، لكن لا يمكنني المطالبة بها، لا أريد أن أقع في مشكلة الاختلافات بين النوعين، لكني أعتقد أن هذا النوع من القسوة نادر الحدوث لدى الرجال، يمكن للرجال بالطبع أن يكونوا قساة، لكنني أعتقد أنهم يتعاملون مع ذلك بطرق أكثر تنظيمًا وحكمة، فيأتون إليك بمنطق، أو باختلال عقلي تام، لكن قسوة النساء أكثر اعتيادية كل يوم، بين الحين والآخر، يمسكون بك على حين غرة، والمثير للدهشة أن الكثير من القارئات يبدو أنهن استمتعن بلعبة The Little Green Monster، أو ربما هذا ليس مفاجئًا على الإطلاق؟

ميكو كواكامي: نعم، الكثير من صديقاتي أحببنها أيضًا، إنها واحدة من الشخصيات المفضلة لي كذلك، كيف يمكنني وصفها؟ يبدو الأمر وكأن الخوف لا يُسجل على أنه مخيف، مما يسمح للقارئ بتقبله على أنه أمر طبيعي تمامًا، إنه نوع مألوف من القسوة.

______

– وُلد هاروكي موراكامي في كيوتو عام 1949 ويعيش الآن بالقرب من طوكيو، تُرجمت أعماله إلى أكثر من 50 لغة، وحصل على مجموعة من الجوائز والتكريمات الدولية بما في ذلك جائزة فرانز كافكا وجائزة القدس**، كما حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة لييج وجامعة برينستون تقديرًا لأعماله.

  • ولدت ميكو كاواكامي في محافظة أوساكا عام 1976 وبدأت مسيرتها الفنية مغنية وكاتبة أغاني قبل أن تبدأ ظهورها الأدبي في عام 2006، رُشحت روايتها الأولى “أنا، أسناني والعالم”، التي نُشرت في عام 2007، لجائزة أكوتاغاوا، حصلت على جائزة Tsubouchi Shoyo للكتاب الناشئين الشباب. في العام التالي، نشرت كاواكامي روايتها القصيرة “الصدور والبيض”، وفازت بجائزة أكوتاغاوا، وهي أرفع تكريم أدبي في اليابان، كما حصلت على إشادة من الكاتبة المشهورة يوكو أوغاوا، وهي أيضًا مؤلفة روايات أخرى مثل الجنة، والليل ملك للعشاق، والصدور والبيض الموسعة حديثًا، وهي أول رواياتها التي تنشر باللغة الإنجليزية، وتعيش كاواكامي في اليابان.

 

ترجمت المقابلة أعلاه عن اليابانية من سام بيت ودافيد بويد.

* رواية تاريخية تعود إلى القرن الرابع عشر تُنسب إلى المؤلف الصيني لو قوانتشونغ، تتحدث عن نهاية سُلالة هان وحقبة الممالك الثلاث في تاريخ الصين؛ ابتداءً من عام 169 ميلاديًّا حتى نهاية عام 280 عند توحيد الأرض.

** جائزة القدس جائزة أدبية صهيونية دولية تمنحها بلدية القدس، أعلن عنها أول مرة عام 1963، اسمها الرسمي هو جائزة القدس لحرية الفرد في المجتمع، تُمنح الجائزة لكتاب وكاتبات تتطرق إنتاجاتهم الأدبية إلى حرية الفرد في المجتمع ويُختار الفائزون من قبل لجنة تحكيم يتبدل أعضاؤها في كل دورة.

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى