مجزرة زونغ/ نقابة جريجسون لتجارة الرقيق

ثانوس


حجم الخط-+=

ترجمة: بلقيس الكثيري

في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1781، أمر لوك كولينجوود قبطان السفينة البريطانية (زونغ) المتاجِرة بالعبيد، بإلقاء ثلث شحنتها في البحر. تلك الشحنة كانت من البشر، وثلثها يعني مئة وثلاثة وثلاثون من العبيد الأفارقة الذين كانوا متجهين إلى جامايكا، وكان دافعه تحصيل مال التأمين. رفعت قضية إلى المحكمة ولكن ليس بتهمة القتل العمد، بل ضد شركة التأمين التي رفضت الدفع مقابل خسارة العبيد. هذا ملخص القصة البشعة لمجزرة زونغ.

سفينة تجارة الرقيق (زونغ)

في السادس من سبتمبر عام 1781 غادرت السفينة  زونغ (سفينة تجارة الرقيق) جزيرة ساو تومي، قبالة الساحل الغربي لإفريقيا متجهة إلى جامايكا. اكتظت السفينة بالرقيق بلا رحمة إذ كانت تقل أربعمئة واثنين وأربعين إفريقيًا، في طريقهم لأن يصبحوا عبيدًا، يرافقهم سبعة عشر فردًا من أفراد الطاقم. كُبِّلَت الشحنة البشرية وكدِّسَت بشدة، حتى لم يبقَ مجال للتحرك. ولكن بحسب رؤية القبطان، لوك كولينجوود “كلما زاد عدد الأفارقة الذين يحشرون؛ زاد هامش الربح له ولمالكي السفينة”. عمل كولينجوود سابقًا جراحًا في السفينة، وكانت هذه المرة الأولى التي يكون فيها قبطانًا وهي الأخيرة. فقد كان يخطط للتقاعد ويأمل أن يحصل على مكافأة سخية تساعده في تقاعده. وعليه كلما زاد عدد العبيد الذين يسلمهم إلى جامايكا، زاد نصيبه في المقابل.

قرار القبطان كولينجوود

في منتصف نوفمبر وجد كولينجوود عديم الخبرة نفسه وسط المحيط الأطلسي، غير قادر على الخروج من نطاق الركود الاستوائي بسبب سكون الرياح. بدأ الموت يتصيد العبيد الذين يعانون من سوء التغذية، والزحار، وداء الاسقربوط ، وغيرها من الأسقام . وبحلول الثامن والعشرين من نوفمبر، توفي ستون شخصًا، بالإضافة إلى سبعة من أفراد الطاقم. وتزايد عدد المرضى أكثر فأكثر. استبد القلق بكولينجوود؛ لن يجني مالكو السفينة من توصيله العبيد الموتى شيئًا. لكن إذا فقد الأفارقة بطريقة ما في البحر، فإن التأمين الذي يملكه مالكو السفينة سيغطي الخسارة بمبلغ 30 جنيهًا إسترلينيًا عن كل فرد. وخطرت ببالي كولينجوود  -الذي كان يعاني من الحمى حينئذ- فكرة. بعد أن ناقشها مع طاقمه، اتخذ قرارًا وحشيًا لا يمكن تصوره، ولكن في نظره، كان قرارًا منطقيًا. وبدلاً من السماح للعبيد المرضى بالموت على متن السفينة وخسارة قيمتهم، سيرميهم في البحر، ثم يمكن مطالبة الجهة المعنية بالتأمين. احتجَّ مساعده الأول جيمس كيلسال، لكن تجوهِلَ. وأُوقف عن العمل في وقت ما أثناء الرحلة، ولا نعلم إن كان لأمر إيقافه علاقة باحتجاجه، فعند الوصول إلى جامايكا، اختفى سجل السفينة بسهولة. وهكذا، في التاسع والعشرين من نوفمبر، سُحب أربعة وخمسون من العبيد المرضى من عنابر السفينة، معظمهم من النساء والأطفال، وفك وثاقهم (حتى لا تضيع القيود سدى!) ورُموا من السفينة إلى المحيط. وقتل المزيد في اليوم الذي يليه. 

في المجمل، ألقى كولينجوود مئة وثلاثة وثلاثين من العبيد إلى حتفهم. قاوم الكثيرون مما اضطر الطاقم لربط كرات حديدية حول أعقابهم. وألقى عشرة عبيد آخرين أنفسهم في البحر بما وصفه كولينجوود تحديًا. وصلت السفينة أخيرًا إلى وجهتها في الثاني والعشرين من ديسمبر 1781 – واستغرقت الرحلة التي تنقضي عادة في ستين يومًا، مئة وثمانية أيام تحت قيادة كولينجوود. وكان لا يزال على ظهر السفينة مئتان وثمانية من العبيد الذين بيعوا بمتوسط ستة وثلاثين جنيهًا إسترلينيًا عن كل واحد منهم.

الحدث الوحشي المروع الذي حدث على متن سفينة تجارة الرقيق

عند وصول مالك السفينة جيمس جريجسون إلى ليفربول، طالب بتعويض يقدر بـأربعة آلاف جنيه إسترليني عن “الشحنة” التي خسرها. قوبل طلبه بالرفض وأُحيلت القضية إلى المحكمة، ليس من أجل المئة والثلاثة والثلاثين نفسًا الذين قُتلوا بلا حول لهم ولا قوة، بل لتحديد من يتحمل التكاليف. ادَّعى كولينجوود كذبًا بأن الضرورة قد اقتضت أن يفعل ما فعله خشية انعدام مياه الشرب، زاعمًا أنه لم يكن لديه ماء كافٍ للحفاظ على حياة الطاقم والعبيد الأصحاء. وتحدث المساعد الأول كيلسال الذي وصف الحدث بـ “الوحشي والمروع”، مبينًا بطلان هذا الادعاء، وبكل تأكيد تبين أنه عند وصولهم إلى جامايكا كان هناك ما يقارب من أربعمئة وثلاثين جالونًا من المياه في المخزون الاحتياطي على متن السفينة. لذا عارضت شركة التأمين محتجةً بأن تحمّل التكاليف يقع على عاتق جريجسون لا هم، إلا أن قرار المحكمة كان في صالح جريجسون.

أشبه بخشبٍ ألقي في البحر

طعن محامو شركة التأمين في القرار، وأُحيلت القضية إلى المحكمة للمرة الثانية. في مايو 1783، توفي كولينجوود (بعد ثلاثة أيام من وصول السفينة إلى جامايكا) وأصبحت القضية فضيحة ذات أبعاد ملحمية في بريطانيا. استرعت القضية انتباه غرانفيل شارب رئيس الحركة المناهضة للعبودية بعد أن لفت انتباهه إليها العبد السابق أولوداه اكيوانو الذي كان قد اشترى حريته واستقر في لندن. حاول شارب إثارة دعوى قضائية بتهمة القتل العمد، لكن القاضي اللورد مانسفيلد نحّى محاولته جانبًا مؤكدًا: “أي دعوى هذه بأن بشرًا قد ألقوا في البحر؟ هذه حالة رقيق بمثابة بضائع. السود ليسوا إلا بضائع وممتلكات. إنه لمن الجنون أن نتّهم هؤلاء الرجال الشرفاء بالقتل. لقد تصرفوا بدافع الضرورة وبأفضل طريقة ملاءمة للحالة التي هم فيها. تصرف الراحل القبطان كولينجوود تحقيقًا لمصلحة سفينته ولضمان سلامة طاقمه. إن من الحماقة التشكيك في حكم القبطان البحّار ذي الخبرة الذي يُنظر إليه بأكبر تقدير، لا سيما عند الحديث عن العبيد. الحالة أشبه بخشبٍ ألقي في البحر!” ربما فشل شارب في محاولاته لتحقيق العدالة، ولكنه استخدم ذلك على مدى السنوات التالية  للضغط على البرلمان والكنيسة، مما زاد المطالبة بإلغاء الرقيق. واستخدمت الجمعية المناهضة للعبودية، التي تأسست عام 1787، مجزرة زونغ بوصفها مثالًا رئيسًا على فساد تجارة الرقيق. وأخيرًا في عام 1807 ألغت بريطانيا العظمى تجارة الرقيق. ولكن في حدث موازٍ لبشاعة مجزرة زونغ، فإن إلقاء العبيد في البحر لم ينته بقرار إلغاء تجارة الرقيق. فقد فُرضت على البحارة البريطانيين الذين يواصلون الاتجار غير المشروع بالعبيد -إذا ما ألقي القبض عليهم- غرامة قدرها 100 جنيه إسترليني عن كل فرد موجود على ظهر السفينة. وأسست القوات البحرية الملكية أسطولًا مهمته القيام بدوريات على ساحل غرب إفريقيا لاحتجاز السفن التي تحمل عبيدًا. لذا يلجأ قباطنة سفن الرقيق لإلقاء العبيد في البحر للحد من الغرامة التي سيتوجب عليهم دفعها، إذا ما أحسوا بأنهم سُيمسك بهم.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى