ما كتبه جورج أورويل عن مخاطر القومية

كريستين وليامز


حجم الخط-+=

ترجمة: نوال أدمغار

يبدأ جورج أورويل مقاله “ملاحظات حول القومية” بالاعتراف بأن القومية ليست في الواقع الكلمة الصحيحة بل مصطلح تقريبي لما يود مناقشته. ويوضح: كلمة “القومية” أعني بها أولاً العادة التي تفترض أن البشر يمكن تصنيفهم مثل الحشرات وأن الكتل الكاملة المكونة من الملايين أو عشرات الملايين من الناس يمكن أن يطلق عليها تصنيف “جيد” أو “سيئ”. وثانيا -وهذا أهم من الأول بكثير- أعني عادة تعريف الذات بالانتماء مع أمة واحدة، ووضعها فوق أي اعتبار وكأنها تسمو عن وصف الخير والشر وعدم الاعتراف بأي واجب آخر سوى تقدّم مصالحها.

وفي مكان آخر يصف القومية بوضوح أكثر بأنها “العادة الحديثة المجنونة التي تقتضي تعريف الذات بالانتماء إلى وحدات القوة الكبيرة ورؤية كل شيء من منظور عظمته التنافسية”. اختار أورويل الكتابة مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية وفقط عند بداية زمن إنهاء الاستعمار، بالتأكيد عن القومية -على عكس الشوفينية أو التعصب- لأسباب سليمة ومحددة تاريخيا. اليوم، ربما كان سيختار الأصولية، على الرغم من أنها بعيدة كل البعد عن معناه الخاص. وقد أنتج لاحقاً مفردات كاملة لوصف هذه العملية الفكرية: blackwhite, crimestop, doublethink, goodthink. 

الشيء المهم هو نوع الارتباط الذي يتشكل لدى القوميين، وليس الهدف المعيّن وراء ذلك الارتباط: “إن العاطفة التي أتحدث عنها لا ترتبط دائماً بما يسمى بالأمة.. يمكنها أن ترتبط بالكنيسة أو الطبقة، أو قد تعمل بمعنى سلبي محض، ضد شيء أو غيره ودون الحاجة إلى أي ولاء إيجابي”. وفي هذا الإطار، يسرد أورويل ثلاث “خصائص رئيسة للفكر القومي”:

1- “الهوس” بقدر ما هو ممكن، إلا إنه لم يفكر أي قومي أو يتحدث أو يكتب عن أي شيء سوى تفوق وحدة قوته الخاصة”. إن مهمته الخاصة هى إثبات أن أمته المختارة فى جميع الأحوال أفضل من منافسيه. لذلك، حتى فيما يخص الحدود الخارجية للمعقول، يمكن إرجاع أي سؤال الى هذه القضية المركزية. لا توجد تفاصيل لا مبالية، ولا توجد حقيقة محايدة.

2- “عدم الاستقرار”

 محتوى اعتقاد القومي، وحتى موضوع تفانيه، عرضة للتغيير حسب الظروف. “ما يظل ثابتًا لدى القومي هو حالته الذهنية”- الحماسة المتصلبة، المختزلة والتي لا هوادة فيها. الهدف هو الحفاظ على الذات دائما في حالة مسعورة فيما يتعلق بالصراعات غير المباشرة حول الشرف، سواء من خلال الالتهاء في نوبات غضب حول إهانات ملموسة أو في ابتهاجات سادية احتفالا بانتصار جديد. إنها القوة ذات الهدف الموحد هي التي تهم، وليس السبب الظاهري.

3- “اللا مبالاة بالواقع”

 يحقق القوميون بالفطرة هذا النوع من التفكير المزدوج الذي نمّاه سكان إيرستريب (بريطانيا العظمى سابقا) بجهد واع: “القومية هي التعطش للسلطة مخفف بخداع النفس. كل قومي قادر على خيانة الأمانة الأشنع، لكنه أيضا -بما إنه مدرك أنه يخدم شيئا أكبر من نفسه- واثقٌ بيقين على وجوده في المكان السليم والصحيح”. إنه اعتقاده الجوهري، هو متأكد، لا بد أن يكون صحيحا. ثم يجب أن تكون الحقائق تناسبه.

يصنف أورويل الأنماط البارزة من القومية على أنها “القومية الإيجابية” (التي تخص بلد المرء نفسه، على سبيل المثال، القومية الكلتيّة أو الصهيونيّة)، “القومية السلبية” (التي هي ضد مجموعة أخرى، على سبيل المثال، معاداة السامية أو التروتسكيّة في نسختها الخالصة المناهضة للسوفياتيّة)، و”القومية المنتقلة” (والتي تعني تحديد الانتماء مع عرق أو طبقة أو بلد مخالف لبلد/ عرق/ طبقة الشخص نفسه -في أيام أورويل، عادة ما كان الأمر يخص اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية- ). من الممكن طبعا، حمل أي من هذه المعتقدات وعدم الخضوع إلى “القومية” بالمعنى الأورويليَّ. فالمشكلة ليست متأصلة بأي تفكير معين، مثلما لن تضمن أي نظرية معينة الحصانة. القضية هي أقل مدًى فيما يخص المحتوى الفلسفي وأكثر اعتبارا في الطريقة الذاتية التي يرتبط بها الفرد. يحمل القومي عقيدته الخاصة ليس فقط حقيقة لا تناقش، بل معيارا مطلقا يمكن من خلاله الحكم على الحقيقة. لا يقتصر نطاقها على الأمور الأخلاقية أو السياسية، ويمكن الإجابة مقدما عن جميع الأسئلة، سواء كانت حقيقة أو قيمة، بالاستناد إلى عقيدة القومي- أو على نحوٍ أدق إلى “النفوذ التنافسي” لـ “وحدة القوة”. التي ألزم نفسه بها. 

تمتد مخاطر تفكير القومي إلى أبعد من أي خطأ معين، بل تتجاوز الحركات التي تصاب بالقومية. فبمجرد أن تنتشر النزعة القومية إلى نقطة معينة، فإنها ستؤدي إلى تدهور الجودة الإجمالية للمناظرة السياسية، ثم الفكر السياسي- ولأنه لا توجد أي حقيقة أو فكرة لا ترتبط بالطموحات القومية، فهذا يعني في النهاية تدهور جميع الافكار.

وفي ما يرجح أن يكون أكثر مقطع كآبة في يومياته، كتب أورويل: “نغرق جميعا في القذارة. عندما أتحدث إلى أي شخص أو أقرأ كتابات أي شخص لديه مأرب في الأمر، أشعر بأن الأمانة الفكرية والحكم المتوازن قد اختفيا بسهولة من عن وجه الأرض. الجميع يفكر شرعيا، كل شخص بوضوح يطرح “قضية” مع قمع متعمد لوجهة نظر خصمه، وما هو أكثر من ذلك، مع عدم الإحساس بأي معاناة باستثناء تلك التي تخصه هو وأصدقائه.. يلاحظ المرء ذلك في حالة الأشخاص الذين لا يتفق معهم، مثل الفاشيين أو المسالمين، ولكن في الواقع الكل متشابهون، في الأقل كل من لديه آراء محددة. الجميع غير صريح، والجميع قاسيون جدا تجاه الناس الذين هم خارج النطاق المباشر لمصالحه وتعاطفه. أما أكثر إثارة للدهشة فهو الطريقة التي يمكن بها تشغيل التعاطف أو إطفاؤه- مثل الصنبور- وفقا للنفعية السياسية.. أنا لا أتحدث عن الكذب لأهداف سياسية، ولكن عن التغييرات الفعلية في الشعور الذاتي. لكن ألا يوجد أحد لديه آراء ثابتة وآفاق متوازنة؟ في الواقع هناك الكثير، لكنهم بدون سلطة. فالسلطة الكاملة هي في أيدي المصابين بالبارانويا (جنون العظمة). لا يمكن للمناقشة السياسية، في مثل هذا الإطار، أن تشكل محاولة للوصول إلى الحقيقة، أو إلى تحقيق درجة معينة من التفاهم المتبادل، أو إقناع الآخرين برأيك الشخصي، أو حتى مجرد تفسير ذاتك. إنها بدلاً من ذلك نوع من اللعبة التي يكون فيها كل من الانتصار والرهانات خياليين إلى حد كبير”. 

وحلل أورويل دوافع القوميّ: “ما يريده هو أن يشعر بأن الوحدة التي ينتمي إليها تتحسن أفضل من الوحدات الأخرى، ويمكنه أن يفعل ذلك بسهولة أكثر عبر التسجيل على الخصم بدل البحث عن الحقائق لمعرفة ما إذا كانت تدعمه أم لا.” وبما أن كلا الجانبين، عموما، متساويين في “عدم الاهتمام بما يحدث في العالم الحقيقي” بالتساوي، فإن نتيجة مثل هذه النزاعات “غير محسومة على الدوام”، و”كل متسابق يعتقد دائماً أنه هو الذي فاز بالنصر”.

في مثل هذا النوع من المنافسة، من شبه الحتمي أن تحل الأوهام بديلا للحقائق، وتتفوق المغالطات على الحجج، ويصبح اغتيال الشخصية تكتيكًا مفضلاً لدى جميع الأطراف.  وسرعان ما يستقر ضباب عبارة عن عدم يقين فوق كل حساب، “مما يزيد من صعوبة اكتشاف ما يحدث بالفعل”، ثم “يسهل التمسك بالمعتقدات المجنونة. وبما أنه لم تُثبت أو تُدحض أي شيء على الإطلاق، فإن الحقيقة الواضحة يمكن إنكارها على نحوٍ قاطع” لكن رغم ذلك فسرعان ما ينتقل عدم اليقين إلى لا مبالاة. تُختار الحقائق أو قمعها من أجل صنع القضية. إذا لزم الأمر، تُخترع الحقائق الضرورية بسهولة، أو العكس، محوها. أكثر ما كان يقلق أورويل هو أن الأفراد -وربما الملايين منهم- قد يفهمون حس النزاهة بالاستعداد للخضوع للعقائد المتغيرة، بدلاً من احترام الحقيقة أو احترام مطالب ضمير المرء نفسه. وقد يتوقفون بعد ذلك عن إدراك أن أشياء مثل الأدلة المفبركة والتشهير بخصومك هو أفعال خسيسة وغير صادقة. لقد وجد هذه الفكرة “مخيفة لأنه غالباً ما تعطيني الشعور بأن مفهوم الحقيقة الموضوعية يتلاشى من العالم”. 

في كتابه 1984، يضغط ميله نحو إلى استنتاجه المنطقي. أوبراين، عضو الحزب الداخلي، المعلم-الجلاد، يحاضر وينستون سميث المسكين في زنزانته داخل وزارة الحب:

“نحن، الحزب، نسيطر على جميع السجلات، ونسيطر على جميع الذكريات.. نحن نتحكم في الماضي. أنت تعتقد أن الواقع شيء موضوعي، خارجي، موجود في حد ذاته.. لكني أقول لك، وينستون، إن هذا الواقع ليس خارجيًا. الواقع موجود في العقل البشري، وليس في أي مكان آخر. ليس في العقل الفردي، الذي يمكن أن يخطئ،  يهزم قريبا على أي حال، فقط في ذهن الحزب، الذي هو جماعي وخالد. أيا كان ما يعده الحزب حقيقة فذلك هو الحقيقة. من المستحيل رؤية الواقع إلا من خلال النظر عبر أعين الحزب. في النهاية، انهزم وينستون. وأُقنعَ وحُوِّل إلى وجهة نظر الحزب. كان قد كتب ذات مرة “الحرية هي الحرية في القول بأن اثنين زائد اثنين هو أربعة”. ولكن في النهاية تعلم أنه “في بعض الأحيان النتيجة هي خمسة. وفي بعض الأحيان ثلاثة. وأحيان تكون كل هذه الإجابات في وقت واحد”. وولائه للحزب مضمون بـ -أكثر من ذلك، أنه متطابق مع- استسلام حكمه الخاص”.

*

وكما هو الحال مع وصفاته لتحسين الكتابة الضعيفة، فإن استراتيجية أورويل لمعالجة مغالطات القومية هي تعليمنا الاعتراف بها، ثم مناشدة حسنا السليم. الخطوة الأولى التي يقترحها تكمن في الاعتراف بنقصنا وعدم صحتنا وتحيزنا. ويكتب: “أما فيما يخص الحب والكراهية لدى القوميين التي تحدثت عنها، فهي جزء من تشكيلة معظمنا، سواء أحببنا ذلك أم لا. أما إذا كان من الممكن التخلص منهم، فأنا لا أعرف، لكنني أعتقد أنه من الممكن أن نكافح ضدهم، وأن هذا هو في جوهره جهد أخلاقي. إن السؤال أولا وقبل كل شيء هو اكتشاف المرء ما هو عليه حقا، وما هي مشاعره حقا، ثم إعطاء بدلات للتحيز الحتمي. .الحوافز العاطفية التي لا مفر منها، والتي ربما تكون ضرورية حتى للعمل السياسي، يجب أن تكون قادرة على التواجد جنبا إلى جنب مع تقبل للواقع”.

قد لا يكون المرء قادراً على تجنب التحيز، لكن المرء لا يحتاج إلى تبني التحيز ليكون مبدأ. يمكن للمرء، إذا لم يكن هناك شيء آخر، أن يرفض التنازل عن حكمه الشخصي. وسوف يكون ذلك جزئياً مسألة شخصية، القدرة على التمييز بين ما تريد وماذا تعرف، “قوة مواجهة الحقائق غير السارة”، الرغبة في العيش دون الحاجة إلى الأكاذيب المهدئة. ولعل ما نحتاجه أكثر من أي شيء هو الإيمان المستمر بوجود حقيقة موضوعية مع الحفاظ في الوقت نفسه على تشكيك شديد وشديد يتعلق بجميع المزاعم التي تدعي معرفة كل شيء. هذا بالطبع هو حل جزئي. قد يساعد على الحفاظ على عقل الفرد سليما وصادقا، لكنه لا يفعل الكثير لتغيير الجو العام. أدرك أورويل بذات القدر، ولكن في نهاية حياته، أن مسألة الفكر الفردي أصبحت مصدر قلقه المركزي. وفي مواجهة التهديد المستمر للشمولية، وصل أورويل لرؤية النضال من أجل الحرية كما يحدث، ليس فقط بين الطبقات أو الأمم، ولكن أولا وربما الأهم داخل “بضع سنتيمترات مكعبة داخل جمجمتك”.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى