لا مكتبيّة أمبرتو إيكو

لماذا الكتب غير المقروءة أكثر قيمة من المقروءة؟


حجم الخط-+=

ماريا بوبوفا

ترجمة: شفاء الكاف

كيف تُصبح «لا عالمًا» في ظل مجتمعات تبجّل المعرفة وترى بأنها “زينةٌ تمكّننا من أن نرتقي في سلّم المكانة الاجتماعية”.

كتب لينكولن ستيفنز في إحدى مقالاته الرائعة: “إنها المعرفة -التي نعرفها يقينًا- هي ما تجعل هذا العالم يسير على نحو خاطئ، وتمنعنا من رؤية الحقيقة والتعلّم”، وهذه على الأرجح حقيقة قد عرفناها منذ كتب أفلاطون في أسطورته الشهيرة “كهف أفلاطون”، (Allegory of the Cave) إنَّ “معظم الأشخاص راضين تمام الرضا عن جهلهم، بل إنهم يعادون كل من يحاول إخبارهم بالحقيقة”. على الرغم من إن العلم يُقاد بـ”الجهل الواعي التام”، والمنهج الروحي المعبّد بالتحذيرات ضد وهم الفهم التام، فإننا نتشبث بمعرفتنا -غير الكاملة، والناقصة، ومتناهية الصغر- مثل تشبثنا بالحياة نفسها. ومع ذلك، فإن محيط معرفتنا هو محضُ صورة ظليّة للضوء اللا متناهي للمجهول المنعكس على ما هو قابل للمعرفة. وجد المفكّر الاقتصادي إيرنست فريتز شوماخر هذه الديناميكية الغريبة منعكسة في مفهوم “المعرفة الكافية” (adaequatio)، ومفاده أنه “يجب أن يكون فهم العارف كافيًا للشيء المراد معرفته”. لكن كيف نواجه ما طُبعنا عليه من قصور برضًى ونتجاوز بحكمة هذا التوتر الأبدي بين المعلوم والمجهول، والقابل للمعرفة وغير القابل للمعرفة؟ هذا ما يستعرضه العالم، والإحصائي، والكاتب اللبناني الأمريكي نسيم نقولا طالب في أحد أقسام كتابه الشهير “البجعة السوداء”، إحدى روائع الأدب الكلاسيكي الحديث. يبحث عبره في الأحداث غير المتوقعة، والتي لا يمكن التنبؤ بها وتتسبب في تغيير جذريّ، وميلنا نحن البشر لاجتراح تفسيرات مقنعة للأحداث التي تقع، معتمدين في ذلك على معرفتنا المحدودة. يضرب نسيم مثالًا عن العلاقة المثمرة بين الإنسان والمعرفة بالعلاقة العجيبة للكاتب الإيطالي أُمبرتو إيكو مع الكتب والقراءة: “ينتمي الكاتب أُمبرتو إيكو لتلك الفئة الصغيرة من العلماء الموسوعيّين والمثيرين للإعجاب؛ فهو يملك مكتبة شخصيّة ضخمة تحتوي على ثلاثين ألف كتاب، ويصنف زوار مكتبته في فئتين: إحداهما تنبهر من ضخامة مكتبته مرددةً عبارات الإعجاب والانبهار من عدد الكتب التي قرأها، في حين تدرك أقلية صغيرة جداً من الزوار حقيقة أنَّ المكتبة الشخصيّة ليست وسيلةً لتضخيم الذات (الأنا) وإرضاء غرورها، إنما هي أداةٌ من أدوات المعرفة والبحث. إنّ الكتب المقروءة أقل قيمة بكثير من الكتب غير المقروءة؛ إذ يجب أن تحتوي مكتبتك على أكبر قدر من المعرفة (الكتب) التي لا تعرف عنها شيئًا بعد، بقدر ما تسمح به ميزانيتك المالية. سوف تتراكم لديك مزيدٌ من المعرفة، ومزيدٌ من الكتب بتقدمك في السن، وسوف يحدق إليك متوعدًا ومعاتبًا العدد المتزايد من الكتب غير المقروءة المصفوفة على الأرفف. في واقع الأمر، كلما زادت معرفتك، تنامى عدد أرفف الكتب غير المقروءة لديك! دعونا نطلق اسم «اللا مكتبيّة» على هذه المجموعة من الكتب غير المقروءة”. وقد تطرق أمبرتو بنفسه في كتابه “كتاب البلاد الأسطوريّة” (The Book of Legendary Lands) إلى العلاقة الإنسانيّة الغريبة بين المعلوم والمجهول، التي يُعدُّ وجودها في حد ذاته أحد أعراض ميلنا القهري لملء فجوات فهمنا بالموجودات الماديّة للمعرفة، حتى وإن اضطررنا لاختلاق هذه الماديات بأنفسنا مستعينين بقوة خيالنا. ويضيف نسيم: “نميل للتعامل مع ما نملكه من “معرفة” على أنها ملكيّة خاصة من الواجب حمايتها والمحافظة عليها، ونرى بأنها زينةٌ تمكّننا من أن نرتقي سُلَّمَ المكانة الاجتماعيّة (تدرّج السلطة)، لذا فإن هذا الميل للتحقير من علاقة أمبرتو إيكو بمكتبته من خلال التركيز  فقط على ما هو معروف، إنما هو عبارة عن نزعة انحياز بشرية تبسطُ يديها على عملياتنا الفكرية. ليس من شأن الناس أن يتجولوا في الطرقات مشهرين سيراً ذاتية تتضمن ما لا يفقهون وما لا يحسنون (ولعلها مهمة تقع على عاتق منافسيهم)، رغم جمال هذه الفكرة. تمامًا مثلما نحتاج إلى التشكيك في (حقيقة) المكتبة، سنعمل على التشكيك في المعرفة بحد ذاتها”. تتمحور نظرية نسيم التي أطلق عليها اسم نظرية “البجعة السوداء” حول “سوء فهمنا لاحتمال حدوث المفاجآت”؛ إذ إننا نقلل من قيمة كل ما لا نعرفه ونأخذ ما نعرفه “على محملٍ بالغٍ من الجد”، يصوّر نسيم العلاقة والتناغم المثالي بين الإنسان والمعرفة: “دعونا نطلقُ على هذا الإنسان «اللا عالم»، وهو الشخص الذي يركز على الكتب غير المقروءة، ويحاول ألا يتعامل مع ما يملك من معرفة بأنها كنزٌ أو قنيةٌ يقتنيها أو وسيلةٌ من وسائل رفع شأن الذات، لقبَ «الشخص التجريبي الشكاك»”.

تطرّق أيضًا مجموعة من الكتّاب والمفكّرين إلى المفاهيم والأفكار التي تحدث عنها نسيم طالب في كتاب “البجعة السوداء”؛ فقد تناول عالم الفيزياء الفلكي مارسيلو غلايزر في كتابه “جزيرة المعرفة” (The Island of Knowledge) مسألة تعايش الإنسان مع الغموض في وسط بيئة مهووسة باليقين، وتطرقت الفيلسوفة حنة آرنت إلى دور الأسئلة غير القابلة للإجابة في تشكيل حياة الإنسان في كتابها “حياة العقل” (The Life of the Mind)، كذلك الروائية مارلين روبنسون عن جمال المجهول في مقالتها التي نُشرت عام 2014 ضمن مجموعة من المُختارات في كتاب (The World Split Open: Great Authors on How and Why We Write).

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى