كيف نحتفي بعيد ميلاد والت ويتمان المئتين

بيتر شيلدال*


حجم الخط-+=

ترجمة: عبير علاو

احتفلنا هذا العام بعيد الميلاد المئتين لوالت ويتمان، وأعني بكلمة “نحن” جميعنا الذين نتمتع بمتعة التحدث باللغة الإنجليزية الأمريكية، فقد اخترع ويتمان شعرًا خاصًا بهذه اللغة وجعله مفتوحًا لمختلف أنواع التجارب وجعلها لغة تتميز بالديمقراطية في مجتمع متعدد الأعراق في قارة شاسعة. تشمل الفعاليات العامة التي تحتفل بالذكرى المئوية الثانية لويتمان ثلاثة عروض صيفية في نيويورك تحكي وتقص تفاصيل حياته في مكتبة مورغان، ومكتبة نيويورك العامة، ونادي غرولير، كما توجد كتب ومخطوطات ومطبوعات وصور فوتوغرافية وعناصر صوتية ومرئية في المكتبة العامة، وهي عبارة عن خصلات لشعره، وفي نادي جرولير توجد شعيرات من لحيته. إنّ العروض المتوفرة ممتازة من نوعها: فهي تدور حول التذكر واستنفار الذكريات إعلاميًّا ومشاعريًّا، وهي تتعلق بالشعر لأن نصوص حائط المتاحف عبارة عن أعمال فنية فتكون بمثابة تعزيز المغامرة الجمالية أو تحل محلها، إلا أنني لا أهتم بذلك المجال كثيرًا، فالقائمين على تلك العروض لديهم ثقافة الهالة التي لا يمكن تجنبها، على غرار عبادة المشاهير، وهذا ليس لأن ويتمان لو كان موجودًا لمانع ذلك، فقد كان مروجًا ذاتيًا لنفسه خالٍ من الخجل إذ قام كثيرًا باستعراض آراء الهذيان عن “Leaves of Grass” ولعب على صورته الشعبية السائدة لدى الناس وتلقيبه بـ “Good Gray Poet”.

إنني أوصي بتفعيل هذه المناسبة في المنازل أو في الإجازات، اقعد مع أحد أفراد أسرتك واقرأ بصوت عالٍ هاتين القصيدتين لويتمان: “The Sleepers” (1855)، التي يتسلل فيها ويتمان على سبات الآخرين، الأحياء والأموات، ويتداخل في أحلامهم حتى إنه في مرحلة ما يندمج ويمتزج روحيًّا مع النائمين، ويقول: “أعتقد أنني رئيسهم، وأنهم جعلوني حيوانًا أليفًا إلى جانبهم”. ثم انتقل لقصيدة “When Lilacs Last in the Dooryard Bloom’d” (1865)، وهي كلمات ملحمية لأبراهام لنكولن -لكنه لم يسمِ الرئيس- وقد خسر في هذه القصيدة التداخل مع الطبيعة التي رمز إليها بالأغنية الرائعة “the gray-brown bird” (طائر السمنة الناسك).

في كلتا القصيدتين، تأمل كم من الوقت ستأخذ قبل أن تبكي، ثم استجمع نفسك واستمر حتى النهاية! إن قراءتك لقصائد ويتمان بصمت قد تُثريك، ولكن سماع صوتك أو صوت أحد آخر وهو يقرأ إحدى قصائده يحرك مشاعرك وينقلك إلى الإيقاعات غير الملموسة والخفية لحروفه، والمرسومة على موجات من الإحساس المتناوب بين القاسي والعاطفي جدا، وهذه المشاعر تطغى عليك تمامًا وتتمكن منك حين تقرأ ويتمان بصوت مسموع، ذلك لأن صوتك -إذا كنت تتحدث اللغة الأمريكية بطلاقة- سيكون متوقعًا، مستبقًا الكلمات ومتشبثًا بالحميمية، وسهل التدفق، إذ سيبدو الأمر كما لو أنك إبرة فونوغراف سقطت في أخدود من الفينيل. كان ويتمان الثاني من بين تسعة أطفال في مزرعة في ويست هيلز، في لونغ آيلاند، حيث كان والده يكافح في مختلف مجالات العمل، وعندما بلغ ويتمان في الثالثة من عمره، انتقلت العائلة إلى بروكلين، وفي عام 1830، ترك المدرسة وهو في سن الحادية عشرة آنذاك ليساعد في إعالة أسرته، فتولى عدة وظائف حينها فعمل طابِعا، وتجول في المدينة ومكتباتها مما أنشأ منه قارئًا نهمًا، وبعد أن أحرقت منطقة الطباعة في عام 1835، عاد إلى لونغ آيلاند، حيث عمل مدرسًا في إحدى المدارس لكنه لم يكن سعيدًا بهذه المهنة وواصل في الوقت ذاته مهنته في مجال الصحافة، وبحلول عام 1846، كان رئيس تحرير صحيفة بروكلين ديلي إيجل المرموقة، ثم طُرد منها -بعد ذلك بعامين- بسبب سياساته المتشددة المتعلقة بالتربة الحرة ومناهضة العبودية، ثم من بين مشاريعه المتلاحقة، أسس صحيفة أسبوعية، إلا أن حريقًا آخرَ دمر المكتب بعد صدور العدد الأولي.

في عام 1855، نشر ويتمان بنفسه أول إصدار له من أصل تسع طبعات من ديوانه “أوراق العشب”      “Leaves of Grass”، وأعلن عنه -دون أن يأخذ إذنًا- عن طريق طباعة خطاب ثناء خاص تلقاه من رالف والدو إيمرسون، الذي كتب مقالته “الشاعر” في عام 1844، قارئًا أجزاءً توجيهية، مثل: “أمريكا قصيدة في أعيننا، إن جغرافيتها الواسعة تبهر الخيال، ولا تنتظر الأوزان طويلًا”- هذا الشاب الصغير “والت” يحمل أكثر مما يُظهر. اكتسب الكتاب تدريجيًا شعبية واسعة، في حين كان عرضة في كثير من الأحيان للهجوم بسبب الفحش المزعوم، وأصبح الشذوذ الجنسي لدى ويتمان واضحًا في عاطفية قصائده “Calamus” وحديثه عن “الالتصاق”، والتي سميت باسم نبات ذي جذور ذات لون قرمزي على شكل قرع، ولكن حتى قبل ذلك كانت حساسيته فيما يتعلق بالنساء والرجال فظة بدرجة كافية لتستفز كل نبيل. وقد عبر عن الوطنية القوية للاتحاد في بداية الحرب الأهلية، وفي عام 1862، سافر إلى جنوب واشنطن العاصمة للعثور على شقيقه جورج، الذي أصيب في معركة فريدريكسبورج، وعلى مدار الثلاث السنوات التالية، خدم بلا كلل ممرضا متطوعا ومعينا للجنود الجرحى والمرضى في مستشفيات واشنطن، كما كتب ذات مرة “الحرب الحقيقية لن تدور أبدا في الكتب”، إلا أن بعض جوانبها الفظيعة بقيت محفورة في كتاباته. تلك السنوات العصيبة ضخمت مفاهيم الموت لدى ويتمان، فإذا كان يتس “نصف محب للموت المريح”، فإن ويتمان مقلوبًا رأسًا على عقب من أجل ذلك باعتباره موضوعًا مناسبًا لرؤيته في إخراج قيمة إيجابية من أي شيء، فقد كتب مرة “ما الجميل بحق إن استثنينا الموت والحب”، -لاحظ أن الموت متصدرًا لديه- وفي الوقت نفسه، جرب روحه في شراكة ودية مع النفوس الأخرى على الطريقة الديمقراطية المثالية مبتهجًا بالتنوع البشري، فيرى أنه إذا فشلت أي تجربة فذلك يؤدي إلى الوحدة!

كان هذا النقص جليا وواضحًا بفضل معاصرته الشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون، التي تصغره في السن، وكلماتها في تواصل الروح الهامس مع نفسها، وقد تعامل كل من الشعراء بهذه الطريقة مع الحداثة التاريخية لأمة من الأفراد المنشقين الذين يجب أن يتكلموا ويعبروا ليس فقط لأجلهم ولكن ليطمئنوا أنفسهم ذاتها، لم تكن هناك تطورات جوهرية في الشخصية الروحية منذ زمن ويتمان وديكنسون، وباعتراف الجميع، يمكن أن يكون ويتمان متبجحًا وديكينسون غامضة، لكنهم استخرجوا الحقيقة، واستخلصوا لنا رسائلَ من تلك الفوضى. كانت عيوب ويتمان غريبة الأطوار ونموذجية في ذات الآن، فقد كان متشبعًا للفلسفات الحديثة والعلوم المفترضة، من الفلسفة الوضعية إلى علم الدماغ، ففي كتابه “Salut au Monde!” (كان يُسمى “قصيدة التحية” في طبعته الأولى عام 1856) مجّد “إلها أفريقيا كبيرا، ذا رأس ناعم، مُشكَّلا على نحو نبيل، ومقدّرا بروعة، متساويا معي!” لكنه كان أقل عالمية في صحافته وأدلى بتصريحات عنصرية بوضوح في السنوات اللاحقة واصفًا السود “بالبابون” و “الهمج الوحشيون”، وهي مسألة خطرة في أي حقبة لا سيّما تلك الأيام في لحظات الإرادة الشعبية المتضافرة لمواجهة نزعة العبودية، كان ويتمان متشرّب نسخة من الداروينية الاجتماعية التي تنبأت بتراجع الشعوب غير البيضاء باستثناء الآسيويين في بعض الأحيان، ليس لي أن أقول هذا، ناهيك عن إهاناته التي يجب أن تُغتفر، ومع ذلك، كان في الليبرالية متقدمًا بأميال على نظيره كثير الانتقاد، د. لورنس، الذي كتب مقالته المتعمقة والمثيرة للجنون في كتابه “دراسات في الأدب الأمريكي الكلاسيكي” التي تقفز إلى ذهني كل مرة فكرت في ويتمان. فقد كان لورنس ساخرًا ومتهكمًا حول تشدد ويتمان، وعلق على سطر ويتمان “أنا ذاك الذي يتألم بحب عاطفي” قائلًا: “أكبر مغص بطني”، فهو يصف ويتمان بانحلال الشخصية قائلًا إنه “يتسرب بقدر ضئيل ليترشح في الكون”، ولكنه كتب بعد ذلك: “ويتمان، الشاعر العظيم، كان يعني الكثير لي” كأنه “موسى الأمريكي الغريب والحديث” و “مغيّر كبير للدم في عروق الرجال.” خفق لورانس وفشل في الديمقراطية ثم سعى بعد ذلك لإنقاذ ويتمان منها، وخلص إلى القول بـ: “إن الثروات الوحيدة، هي النفوس العظيمة”، بثقة أنه يحمل إحدى تلك الأنفس!، لكن لويتمان فالروح قابلة للاستبدال، ويتشاركها الجميع، إنه تناقض رائع بينهما: لورنس يكافح بمرارة ليصبح خاليًا من قيود العالم القديم، بينما ويتمان المولود حُرًا ليكون كما قال “رغيف في سهولتي، متأملًا برعمًا من عشب صيفي”، كان لورنس يتوق إلى حرية الأميركيين دون التنازل عن صلاحياته وامتيازاته رجلا، متراجعًا عن روح الإحساس المشترك بالمواطنة والذي كان أمرًا مهما لدى ويتمان، ونظرًا لعدم استخدام صلاحياته، استحوذ ويتمان على كل العالم الذي كان فيه والذي عاد إليه، مما جعله يحلق بعيدًا ومتفردًا باستمرار.

 

*بيتر شيلدال كاتب في فريق The New Yorker منذ عام 1998 وهو ناقد فني للمجلة، أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “Hot, Cold, Heavy, Light: 100 Art Writings, 1988-2018.”

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى