كليلة ودمنة – بيدبا

نقلها إلى العربية ابن المقفع 


حجم الخط-+=

مؤمن الوزان

إنَّ قصص كليلة ودمنة واحدة من أوائل الكتب الأدبية التي نقلها ابن المقفع عن الفهلوية -كما هو الغالب في الاعتقاد- (والمنقولة هي عن الأصل الهندي المكتوب باللغة السنسكريتية والمعروفة بكتاب “بانجاتنترا”) إلى العربية، مثريًا بها الأدب العربي القديم ويضعه بعضٌ في مصاف كتب الجاحظ وابن المبرَّد. 

تمتاز هذه القصص التي تُروى على ألسن الحيوانات بأنها مكتوبة بلغة أدبية رفيعة وبليغة، مما زاد موضوع قصصها الوعظي والحِكَمي تألقًا وسموًا فكريًا وبنيويًا. ومما لا يدعو للشك أن ابن المقفع نقل هذه القصص إلى العربية بأسلوبه ولغته هو لا لغة العمل الأصلية، فزادها إتقانًا في الصياغة فلا تكاد تخلو قصة من جملة لا يتوقف القارئ عندها من عذوبة ألفاظها وحسن معانيها ورقة سبكها واتصالها بسابقتها ولاحقتها كأنها عِقد من لؤلؤ وجوهر.

تتنوع مواضيع هذه القصص لكنها تصب جليَّا في الحكم والسلطان، وفن الحرب والخديعة، والصداقة والصديق، وآداب السلوك المتزنة والتصرف القويم والوفاء ومكارم الأخلاق. وما اختيار الحيوانات، كما يفهمه أي قارئ لبيب، لتكون رمزًا إلا لغاية قد تكون تورية عن حقيقة المؤلف ومقاصده ولإبعاد أي شبهة أو تهمة قد تترتب عليه، إضافة لكونها أسلوبا فنيا في سرد هذه القصص. ويوضح ابن المقفع في مقدمته لهذه القصص هذا قائلا: وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أغراض: 

أحدها: ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة، ليسارع إلى قراءته أهل الهزل من الشبان، فتستمال به قلوبهم، لأنه الغرض بالنوادر من حيل الحيوان. 

والثاني: إظهار خيالات الحيوان بصنوف الأصباغ والألوان، ليكون أنسًا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة في تلك الصور. 

والثالث: أن يكون على هذه الصفة، فيتخذه الملوك والسوقة، فيكثر بذلك انتساخه، ولا يبطل فيخلق على مرور الأيام ولينتفع بذلك المصور والناسخ. 

والرابع: وهو الأقصى، وذلك مخصوص بالفيلسوف خاصة. 

الحكاية الإطارية في كليلة ودمنة

هي حكاية واحدة تضم مجموعة من القصص الداخلية، ليس بينهما أي رابط، فهذه القصص قائمة بذاتها ببنيتها وحبكتها وموضوعها وشخصياتها. والحكاية الإطارية في كليلة ودمنة هي من إبداع ابن المقفع، الذي يجعل من بَيْدبا الفيلسوف الهندي وحواره مع الملك دبشليم حكاية تضم القصص الأربع عشرة الداخلية يرويها بيدبا على الملك. ويعد العرب أول من وضع هذا الأسلوب الأدبي في تجميع القصص بفضل ابن المقفع، وهو أول من استخدم الإطار الحكاياتي بهذا الشكل وإن ظهر سابقا في أعمال مثل المهابهاراتا والأوديسة والرامايانا والحمار الذهبي، إذ تقص الشخصيات قصصها أو بعض ما وقع لها على شخصيات أخرى. لكن يمكننا تمييز الحكاية الإطارية وقصصها التي ظهرت مع ابن المقفع بسمات ظهرت لاحقًا في ألف ليلة وليلة وقصص كانتربيري والديكاميرون:

1- الحكاية الإطارية هي حكاية تطغى فيها الغاية الفنية التجميعية الإطارية على باقي غاياتها،  فيظهر دورها كأنه في التجميع لا أكثر. ولا ينفي ذلك غاياتها الموضوعية أو خصائصها الفنية أو السردية.

2- الراوي ليس جزءا من قصصه. إن من يقص هذه القصص مفارق لقصصه، فهو لا ينتمي إليها زمنًا ولا مكانًا وليس جزءًا من الحدث حتى. ووظيفته القص فقط.  

3- القصص الداخلية هي الأساس. إن المقصد في كليلة ودمنة هي قصص الحيوان لا قصة الملك وبيدبا، لذا فإن مادة العمل الرئيسة تتمثل وتتركز في القصص المروية. 

يمكن أن نعدَّ هذه السمات هي التي تجعل من الحكاية الإطارية إبداعًا خاصًا بابن المقفع. فمثلا تظهر الحكاية الإطارية في رواية الحمار الذهبي، لكنها ليست إطارًا جامعًا بل تتركز في رحلة الحمار ومغامراته وما يشهد ويُقصُ عليه أو يقصه، وكذلك فإن القصص الداخلية ليست الأساس بل رحلة الحمار هي الأساس. وكذلك تظهر في المهابهاراتا حين ينشد فياسا على الإله غانيشا ملحمة المهابهاراتا، وهنا نجد أن الحكاية الإطارية قد استوفت السمة الأولى والثانية لكنها لم تضم بداخلها قصص متعددة بل قصة واحدة متطورة ومتشعبة تخص الملك شانتو وذريته. وتظهر كذلك في الأوديسة، حيث يأخذ أوديسيوس دور القاص لا سيما ما قصه على ملك الفياكيين بعد أن وصل إلى جزيرتهم في محطته الأخيرة قبل الوصول إلى إيثاكا، وهنا كذلك الحكاية الإطارية ليست إطارًا بل قصة رئيسة متمثلة برحلة العودة، وأوديسيوس هو جزء من قصته وليس مفارقًا لها، وتظهر السمة الثالثة لكن القصص هنا ليست متفرقة ولا يربطها رابط فالرابط موجود وهو أوديسيوس ورحلة العودة المحفوفة بالمخاطر. 

لكننا نرى في أعمال لاحقة، مثل ألف ليلة وليلة، أن الحكاية الإطارية في حكاية الملك شهريار وشهرزاد التي تقص عليه قصصًا مختلفة لا يربطها رابط، ولا تجمعها شخصية، والقاصة مفارقة لقصتها. وانتقل هذه التأثير الإطاري إلى آداب الأمم الأخرى. تقول كاثرين سلاتير جيتيز في كتاب “قصص كانتربيري والإطار التقليدي العربي” بأن الحكاية الإطارية في كتاب “كليلة ودمنة” عن الأصل الهندي المعروف بـ”بانجاتنترا” هو إطار عربي أضافه ابن المقفع أثناء تعربيه للكتاب. (1)

وتعد نسخة ابن المقفع النسخة الأصل الوحيدة التي بقيت من كتاب بانجاتنترا، بعد أن فُقدت النسخة الفهلوية والسنسكريتية، وكل النسخ السنسكريتية الموجودة هي مترجمة عن النسخة العربية لابن المقفع. وتضيف العرب لا الهنود هم أول من وضع هذه القصص داخل إطار. 

ونجد أن تجميع عدة مواضيع في إطار واحد موجود في القصائد العربية، التي تتنوع مواضيع أبياتها ما بين الوقوف على الأطلال وذكر الحبيبة والمفاخرة وذكر أيام قبيلة الشاعر، إلخ.  اطّرد هذا الأسلوب “الحكاية الإطارية” فظهر في قصص ألف ليلة وليلة ثم انتقل إلى الآداب الغربية. مع الجدير بالذكر أن الآداب اليونانية كانت تعنى بالوحدة الموضوعية وأن يكون العمل (ملهاة أو مأساة) ذا وحدة موضوع. وكان أول من نقل الحكاية الإطارية إلى الآداب الأوروبية هو الإسباني بطرس ألفونس في القرن الثاني عشر ميلادي، حين جعل كتاب كليلة ودمنة نموذجا لبناء كتابه “التأديب الكهنوتية”. وبعد رحيله إلى إنجلترا أصبح الرابط بين ثقافتين إسلامية ومسيحية، وتأثر به بوكاشيو في كتابه “الديكامرون” وهو مجموعة قصص يرويها شبّان وبنات. وكذلك الإنجليزي تشوسر، وكما تذكر جيتز، “قد أشار تشوسر إلى بطرس ألفونس وروايته خمس مرات في حكايات كانتربيري”. (2)

وبهذا يعدُّ العرب أول كتب الحكاية الإطارية في الآداب العالمية وأول من استخدم أسلوب التجميع عبر كتاب كليلة ودمنة الذي نقله إلى العربية ابنُ المقفع.

هل قصص الحيوانات خرافية وخيالية حقا؟ 

إنَّ عالم الحيوان هو عالم أممي فيه ما في أمم البشر، أي أنَّ عالم الفانتازيا والخيال في قصص كليلة ودمنة هي قصص لا تعني بالضرورة أنها خيال بشري محض لا يمتُّ للحقيقة بصلة بل من الوارد أن هذه القصص قد تحدث/ حدثت في عالم الحيوان وليست رمزية عن البشر حسب. ولا مانع من أن تقع في عالم الحيوان حوادث شبيهة بتلك التي تقع في عالم البشر من خداع وحروب وصراع وخيانة وتحالفات وانتصارات وهزائم ومحاكمات وبلاط ملوك وعسكر وكل ما يرد في الذهن البشري. وما أود الإشارة إليه هنا أنَّ هذه القصص ليست خيالية كليًا ولا يمكن أن نتجاهل إمكانية بل ووثوقية أن ثمة أصل حيواني لهذه القصص. وإنَّ إضفاء الجو البشري والطريقة الإنسانية في التعامل مع القصص ولغتها وحبكتها ومغازيها لا يخرجها من حيوانيّتها أكثر مما يعمل على أنسنة القصص بنقلها من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان مراعيًا المتلقي البشري. 

وللحيوان دوره في الأدب الإنساني فهو رفيق قديم وصديق صدوق وشريك الحرب والسلم والاستقرار والترحال، وكذلك في نطقها أو تعبيرها عن مشاعرها بما يتهيأ لها من وسائل فكثير ما نطقت الحيوانات في عالم الأدب الإنساني كما في الحمار الذهبي لـلوكيوس أبوليوس، وما سبقه في الإلياذة من بكاء الخيول على باتروكلوس،  وفي رثاء حصان بالاس “ميزنتيوس” لصاحبه في الإنيادة.

فنطق الحيوان ليس فرادة امتازت بها هذه القصص لم يسبق مؤلفها أحد قبله أكثر من فرادة أنها أُلِّفت جميعا عن الحيوانات وقصّت على ألسنتها. وكذلك ما من فرادة امتازت بها هذه القصص في كونها خلقت عالما خياليا فانتازيًّا تكون للحيوانات عوالمها الخاصة وحياتها التي لا تفرق عن عالم البشر أكثر من أنها جعلت هذا العالم الحيواني رمزًا للعالم البشري وما فيه من أحداث ووقائع واستخدمته لإيصال أفكارٍ وغايات محددة بمواضيعها،  فبدا أن العالم الإنساني والحيواني على حد سواء، ولا فرق بين الاثنين فكلاهما أمم متشابهة.

(1)(2) موسوعة السرد العربي (ج2) – د. عبد الله إبراهيم.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى