شاهد على التجربة الإنسانية: لماذا يحتاج الطب إلى رواة القصص

ديفيد ويل، دكتوراة في الطب، رحلةٌ من الطب إلى الكتابة


حجم الخط-+=

ترجمة: محمد بدر 

في أثناء العمل في جامعة ستانفورد أحدَ عشرَ عامًا في الخطوط الأمامية لبرنامج زراعة الرئة الأعلى، غالبًا ما كان يعمل في رأسي خطُ حُبكة. لم أكن أعرف الشكل الدقيق للسرد، لكنني كنت أعرف أن عندي قصة لأرويها. شاهدتُ بعض الأشياء الملهمة حقًا، بما في ذلك المرضى الشجعان الذين قاتلوا من أجل حياتهم، وتألق زملائي وتضحيتهم، ومعجزة الأرواح التي أُنقذت. ورأيتُ أشياءَ أقل إلهامًا ومخيبة للآمال: الأخطاء الطبية، خصومات مدفوعة بحب الذات بين الأطباء، والقرارات المدفوعة بالربح من المستشفيات التي لم تكن “تركز على المريض”. ألهمني كل من الخير والشر لتسجيل الأحداث التي غيرت حياة مرضاي. عندما وصلت إلى نقطة في مسيرتي المهنية، إذا بي أنتحي منحى آخر عاطفيًا وأدبيًا. عدتُ إلى المنزل من العمل مع هذه القصص في رأسي يصاحبها إحساسٌ بالسعادة، لكن في بعض الأحيان، أنظر إلى الأفكارِ الدوَّامةِ على أنها مجرد مضايقات، مجموعة من الأطفال الذين أساءوا التصرف، وفي حاجة ماسة إلى مُنفّذ. لذلك اشتريت مجلة مارون ليزر باوند. سجلت ما رأيت وسمعت يوميا. في بعض الأيام، أدهشني ماحدث من تشكيل جمل كاملة تحولت إلى فقراتٍ فعلية، ولكن في أوقاتٍ أخرى، استقيت من الأيام ذات الستّ عشرة ساعة عمل، أفضل ما يمكنني فعله هو النقاط- تفسيرات لما حدث براكين من الأفكار والعواطف: 

أم لطفلين

لا يمكن العثور على الرئة في الوقت المناسب

مات على قائمة الانتظار

تحدثت إلى زوجها وأطفالها

قائلة لهم إنها لن تتمكن من ذلك

ذهبت إلى خزانة إمدادات المستشفى وبكت 

أصبحت إدخالات دفتر اليومية هذه، التي كُتبت على مدى عقدٍ من الزمان، العمود الفقري لمذكراتي الزفير: الأمل والشفاء والحياة في عملية الزرع Exhale: Hope, Healing and a life in Transplant. كنت بحاجة إلى طريقة لفهرسة أفكاري وتفسيرها وإيجاد طريقة للتخلص من الفوضى المرتبطة بالحياة والموت والحزن والشعور الساحق بالمسؤولية لإنقاذ كل شخص واجهته. أصبحت الكتابة الوسيلة الوحيدة التي وفرت الشعور المطلوب بالراحة. في الواقع، عندما أجلس بعد يومٍ طويل في المستشفى؛ أشعر بتحسن ما أن ألتقط دفتر يومياتي. كان الشعور بالابتذال هو أول علامة على أن اليوم كان غير عادي، وسرعان ما ستشفيني الكلمات التي انسكبت على الصفحة يومًا آخرَ في الأقل.

من المؤكد أن الكتابة في مجلة يمكن أن تكون حلًا مُرضيًا، لكنها لا تؤدي إلى الانتهاء من الكتاب. ومع ذلك، كانت مسوَّدة الزفير محاولةً سريعة بنحوٍ مدهش. عندما كنت أقرر الابتعاد عن وظيفتي في جامعة ستانفورد بسبب “الإرهاق”، كان في ذهني الكثير. كنت أرغب في تفريغ الأفكار بسرعة على الصفحة، كما لو أن وضعها سيهدئني. فرّغت المسودة وانتهيتُ منها على نحوٍ متسارع. 

كما كتبت المسودة الأولى، التي تتكون من 80,000 كلمة في نحو ثلاثة أشهر (التي احتاجت إلى قدرٍ كبير من التحرير)، ظللت أتساءل: لماذا كنت أكتب حقًا؟ بعد كل شيء، في معظم حياتي، أُعددتُ لما سأصبح عليه في النهاية: طبيب مختص بزراعة الأعضاء. كان من السهل معرفة من أين جاء هذا الجزء مني: القدوة بالذكور، بما في ذلك والدي الطبيب، ومدرب كرة السلة في المدرسة الثانوية، ومرشديّ الطبيّون؛ كلهم ساعدوا في تشكيلي. ولكن في مكانٍ ما هناك، وسط التوجه العلمي والطبي، كانت بوادر الكاتب تلوح في الأفق. انبثقت تطلعاتي الأدبية من تأثرٍ مألوف: تربية المرء. في هذه الحال، كل الدلائل أشارت إلى والدتي، ومواطن من ولاية ألاباما كان لديه حب مبكر للكتاب الجنوبيين -وليم فولكنر، ووكر بيرسي، وويلي موريس- ونمت لتصبح باكورة شهية لقراءة موسعة.

أصبحت الكتابة الوسيلة الوحيدة التي وفرت الشعور المطلوب بالراحة.

عندما كنت صغيرًا، شاهدتُ والدتي تقرأ، وأنا أقدّر حتى ذلك الحين الصفاء الذي وفرته لها القراءة. أدركتُ أن الكتب كانت تمنحها دائمًا إحساسًا بالسكينة، وهو شكلٌ من أشكال الهروب من الحياة المنزلية التي كانت تبدو غير مثالية: نشأتْ أمي في مدينة سِلمى ذات اضطراب عنصريّ بصحبة أب مدمن على الكحول يعمل في السكك الحديدية. أستطيع أن أتصور والدتي فتاةً صغيرة، تحت أغطيتها ويتجه ضوء المصباح إلى كتابها المفتوح، على أمل أن يتوقف الصخب. لم يكن لدي تلك التجربة في سنوات طفولتي. كان لي شرف أن تكون طفولتي مليئة بالحب، وقبول الأقران، واحتمالات لا نهاية لها للمستقبل. لكن الكتب كانت جزءًا من رابطة الأم والابن، فقد كانت و ما زالت شيئًا فريدًا لنا. إنها أرضية مشتركة، وكذا شغفنا المشترك. ومثل الكثيرين الذين يكبرون على حب الكتب، بدأ السؤال يدور في رأسي: لماذا لا أكتب واحدة من بنات أفكاري؟ يتطلب الأمر تصميمًا معينًا وثقةً بالنفس للاعتقاد بأن حياة الكتابة يمكن أن تبدأ في الخمسينيات من العمر، ولكن بفضل مهنتي في زراعة الأعضاء، كان لديّ مجموعة من المهارات التي افترضتُ أنها ستترجَم بسهولة إلى مجالاتٍ أخرى. بالإضافة إلى ذلك، أردت حقًا أن أكتب عن قطار الموت (الأفعوانية) العاطفيّ، وهو نظير الحياة، كحياة طبيب زراعة أعضاء.

ثم، هل يمكنني حقًا أن أفترض أن الكتاب سيظهر تلقائيًا؟ 

هذا خطأ. تستخدم الكتابة مجموعة مختلفة من العضلات، تلك التي لم أستخدمها قط. لكنني أكتب لأنني بحاجة إلى ذلك- طريقةً لفهم التجارب التي مررت بها في المستشفى. إنها شكلٌ من أشكال العلاج بدون قيود الوقت على مدار الساعة. لكنني أكتب أيضًا لأن الطب يحتاج إلى سرد القصص لتسليط الضوء على العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تُضعف رعاية المرضى، وإلقاء الضوء على المشاعر التي يعاني منها المرضى ومقدمي الرعاية، وللمساعدة في جعل التفاوتات التي تتخلل الرعاية الصحية واضحةً شفافة.

بعد سنواتٍ من علاج المرضى ومشاهدة الرعاية الطبية عن قرب، ما اخترت الكتابة عنه أعلن ببساطةٍ عن نفسه. أشعر أن القصص طاردتني، وليس العكس. قدمتْ لي هذه القصص طريقةً لفهم ما كنت أشعر به ومعالجته كليًا، ليس بقدر ما هو شكل من أشكال الهروب من الواقع، بل طريقةٌ لمواجهة مشاعري مباشرةً، لعرض وتحليل ما كنت أفكر فيه وأشعر به في الوقت الذي كان فيه مرضاي يعيشون بين الحياة والموت. أعطاني كوني طبيب زراعة أعضاء تلك الفرصة، لأرى السلوك البشري في هذا المنعطف المحفوف بالمخاطر في حياة الناس. لكنني كنت بحاجة إلى اتخاذ خطوةٍ أخرى إلى الأمام. لم يكن كافيًا أن أشهد كل هذا- كنتُ بحاجةٍ للكتابة عنه فإذا لم أقم به سيكون بمثابة صور مختزنة في رأسي، كفيلم أجنبي بدون ترجمة. 

الآن أنتقل من خلال هذه المرحلة من مسيرتي الكتابية (هل من الجائز أن أُسمّي ما أقوم به من كتابة، مهنة ووظيفة؟) بذات الطريقة التي فعلتُ بها في المراحل الأولى من مسيرتي الطبية: مع الخوف والحيرة والإحباط والبهجة. مع أنني من النوع الذي يحب تسمية ما أفعله، فلم أتمكن من تحديد ما إذا كنت الآن طبيبا-كاتبا أو كاتبا-طبيبا، ولكن مع تقدمي، توصلتُ إلى استنتاجٍ مفاده أنه لا يهم. في نظري يبلِّغ أحدهما عن الآخر، وفي الأرجح سيدوم ذلك. ولهذا أنا مقرٌ بالجميل.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى