رينيا شبيغل ما قبل آن فرانك

ريك نواك


حجم الخط-+=

ترجمة: بلقيس الكثيري

الرسالة المشؤومة من مذكرات الحرب العالمية الثانية والمنسية منذ أمد طويل

برلين ـ حين أحكم النازيون قبضتهم على أوروبا في عام 1939، جلست رينيا شبيغل -فتاة يهودية تبلغ من العمر أربعة عشر عامًا في بولندا- برفقة صديقة جديدة [مذكراتها].

كتبت في 31 يناير من ذاك العام: “عزيزتي يومياتي؛ اليوم تبدأ صداقتنا العميقة”.

كانت رينيا توثق أحداث حياتها لأكثر من ثلاث سنوات، في أكثر من ستمائة وخمسين صفحة مكتوبة بخط يدها على نحو مكثف. كتبتْ: “لن تخونيني”. لكنَّ شخصًا آخر خانَها.

في 30 يوليو 1942 أعدم النازيون رينيا، وهي تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا، بعد اكتشافهم مخبأها في مدينة برزيميسل جنوب شرق بولندا. بعد أكثر من نصف قرن من الزمان، أُعلن عن نشر مذكراتها المترجمة – الشبيهة بنحوٍ لافت بمذكرات آن فرانك في بعض النواحي- ولكنها ظلت لمدة طويلة مخبأة في قبو في الولايات المتحدة.

سيكون الإصدار المقرر لـ “يوميات رينيا: يوميات المحرقة” في وقت حرج يوم الثلاثاء (صادف تاريخ 24-9-2019)، إذ تقوم القومية والشعبية اليمينية بعقد مقارنات في الثلاثينات، بما في ذلك في الولايات المتحدة؛ المكان الذي هاجرت إليه إليزابيث بيلاك (شقيقة رينيا) مع والدتها بعد الحرب العالمية الثانية. تقول بيلاك البالغة من العمر ثمانية وثمانين عامًا، وهي تتحدث من فندق في وارسو هذا الأسبوع، حيث كان من المقرر أن تحضر عرض فيلم وثائقي بعنوان “الأحلام المكسورة” للمخرج الأمريكي البولندي توماس ماجيرسكي: “أنا قلقة مجددًا”. وأعربت عن أملها في أن تساعد قصة أختها على “تذكير الصغار والكبار” بأهوال ذاك الزمان. لم تجد بيلاك القوة اللازمة لقراءة كامل اليوميات التي كتبتها أختها حتى أيامها الأخيرة. وقد قالت: “إنها مؤثرة جدًا، ومؤلمة جدًا  لي”.

رينيا الأخت الكبرى: “كانت مثل الأم البديلة لي” و “شخص رائع، في منتهى الروعة”. قالت بيلاك: “كلما كُسر قلبها، كتبت قصيدة”. تشير مذكرات رينيا إلى مدى اهتمامها بأختها، النجمة السينمائية الصغيرة في بولندا في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، على الرغم من شعورها بالاستياء من حين لآخر وهي ترى قدرة أختها الصغرى على خطف الأنظار. ثلاث سنوات، وزهاء ستمئة وخمسين صفحة. ترصد المذكرات مسار رينيا من مُراهقةٍ تشعر بالقلق من تهديد النازية الوشيك، إلى ضحية لاحتلال النازيين لبولندا، ومهمتهم المعلنة لإبادة الشعب اليهودي. قبل أسابيع من غزو بولندا، بدت رينيا تشعر بالخطر المتزايد. كتبت في مارس 1939: “ماما قلقة جدًا عليّ. أواه! أنا تعيسة جدًا”. وأمضت والدتها مدة طويلة في العاصمة وارسو في عام 1939 وفي الأعوام التي تليه، على أمل الترويج لابنتها الصغرى لتصبح ممثلة أفلام. بقيت رينيا وشقيقتها في جنوب شرق بولندا، حيث واصلت رينيا توثيق قلقها المتزايد. وكتبت أيضًا عن وقوعها في الحب ومحاولتها ممارسة الحياة الطبيعية. في وقت لاحق من ذاك العام – وهي لا تزال بعيدة عن والدتها – كتبت رينيا بشعور شديد بالضرورة الملحة: “لقد هوجمتْ برزيميسل. كان علينا الفرار. هربنا نحن الثلاثة: أنا و[إليزابيث] وجدي… بقيت جدتي وراءنا”. بعد أسابيع كتبت: “يا إلهي القدوس، أرجوك دعني أموت ميتة سهلة”. خلال السنوات الثلاث التالية، وفي مئات التدوينات المفصلة وثّقت رينيا انتقال أسرتها إلى الغيت حي اليهود، مع الآلاف من اليهود الآخرين الذين تلقوا مهلة إخلاء في غضون أربع وعشرين ساعة فقط. كان النازيون يستعدون للمراحل الأخيرة من الهولوكوست، وكانت قبضتهم على البلاد تشتد. حينما كان النازيون يستعدون لنقل آلاف اليهود إلى معسكر الموت، قام  زيجموند شوارزر صديق رينيا، بترتيب محاولة يائسة لإنقاذ الأختين – افترقت الأختان عن بعضهما وعن الجد والجدة. كتبت بيلاك في خاتمة الكتاب عن ذكرياتها المفقودة عند توديعها لرينيا.”سأدفع أي شيء لأتذكر آخر كلمات قالها بعضنا إلى بعض. سأدفع أي شيء لأتذكر أني قلتُ لها ما أكثر حبي لها!”. كان افتراقها عن جدتها مؤلمًا أيضًا. إذ تذكر بيلاك: “جدتي التي أحببتها كثيرًا، ابتعدت وهي ترفع يديها على وجهها”. بعد وقت قصير من افتراقهم، اكتشف النازيون مخبأ رينيا وأعدموها. ظل مصير الجد والجدة غير معروف، وتقول بيلاك أنها تظن أنهما قُتلا ودُفنا في مقبرة جماعية. استطاعت بيلاك الفرار مع والدتها إلى النمسا بمساعدة ضابط ألماني يتحدث الألمانية بطلاقة، كان قد وقع في حب الأم. وبعد انتهاء الحرب هاجرت كلتاهما إلى الولايات المتحدة، ثم انضم إليهما لاحقًا صديق رينيا.

تذكر بيلاك قول شوارزر لها: “لدي شيء لكِ”.

 “لقد كانت مذكرات رينيا، جميعها سبعمائة صفحة. انفجرتُ أنا وأمي باكيتين.”هذا ما كتبته وهي تذكر اللقاء في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. طوال مدة وجودهم معًا، لم تكن بيلاك تعلم أن أختها تكتب مذكرات. 

بعد موت رينيا ووالدي شوارزر -اللذين كانا مختبئين في المكان نفسه- ختم صديقها مذكراتها بهذه الكلمات: “قرر القدر أن يأخذ أعز أحبائي بعيدًا عني. انتهت حياتي. كل ما يمكنني سماعه الآن طلقات الرصاص، طلقات تلو طلقات”. لكن على الرغم من التفاصيل المؤلمة -أو ربما بسببها- ظلت مذكرات رينيا في قبو في مدينة نيويورك لأكثر من نصف قرن، لم تمسها يد. كتبت بيلاك في ختام مذكرات شقيقتها: “لا أستطيع أن أشرح لماذا سُمح لي بالعيش، ولهذا السبب حاولت منذ وقت طويل أن أبعد عقلي عن التفكير في هذا”. في نيويورك، التحقت بيلاك بجامعة كولومبيا وتزوجت لاحقًا. عندما بدأ أطفالها يسألون عن قصة العائلة، بدأت بيلاك تفضي بمكنوناتها تدريجيًا.  تذكر سؤال ابنتها المتكرر: ماذا كان في هذا الكتاب عن خالتي؟ “هكذا بدأ الأمر”. لعبت ألكسندرا بيلاك (ابنة ماجيرسكي وبيلاك) دورًا مهمًا في إصدار اليوميات، بداية باللغة البولندية والآن بلغات أخرى. وقالت ابنتها لصحيفة واشنطن بوست: “كانت أمي مترددة في الحديث عنها لأنها تميط اللثام عن ذكريات مؤلمة. لذا فكرت في هذه اليوميات المواربة والقابعة في القبو”. كلما تُرجمت صفحات، زادت قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية وضوحًا. قالت ألكسندرا بيلاك عن رينيا: “لقد منحتها الكتابة الحرية لتعبّر عن نفسها، حتى مع وجود الشر والكراهية في كل مكان حولها”. وقالت: “إن من المفارقات نشر المذكرات الآن… لأن نفس العلامات بدأت تظهر رؤوسها القبيحة مجددًا. إن أهميتها الآن أكثر من أي وقت مضى”. عادت إليزابيث بيلاك هذا الأسبوع إلى فندق يوروبجسكي في وارسو، حيث طلبت هي ووالدتها اللجوء قبل فرارهم أخيرًا إلى الخارج.  قالت بيلاك عبر الهاتف من الفندق هذا الأسبوع: “لقد نجوت من الحرب، كابدتُ الحياة، وها أنا هنا مرة أخرى بعد خمسة وسبعين عامًا” هذه المرة لتجذب الانتباه إلى قصة عائلتها ورسالتها المعاصرة. “يجب على أولئك الذين قرأوا قصة رينيا أن يحاولوا مساعدة العالم لئلا يصبح ما كان عليه آنذاك”.

 ريك نواك: يغطي حاليا الأخبار الدولية من مكتب واشنطن بوست في برلين. عمل سابقًا في “واشنطن بوست” في واشنطن وفي بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى