رواية ميلكمان – إبداع مخيف وسط رواية أصلية ومضحكة

ترجمة: نوال أدمغار


حجم الخط-+=

في اليوم الذي وضع فيه شخص ما مسدسا في اتجاه صدري ودعاني بلقب القطة وهددني بإطلاق النار علي كان هو اليوم نفسه الذي مات فيه ميلكمان”، هكذا تبدأ هذه الرواية الغريبة والمثيرة التي تعالج صراع أيرلندا الشمالية من منظور فتاة تبلغ من العمر ثمانية عشرة سنة لا مصلحة لها في المشاكل. دوما ما تبقي رأسها منخفضا، حرفيا، من خلال دفنه في كتاب وهي تمشي. “هذا سيكون كتابًا يعود إلى القرن التاسع عشر لأنني لم أحب القرن العشرين”. وبقولها ذلك، ميزت نفسها بأنها “أبعد من كل الحدود” وجذب الاهتمام الجنسي غير المرغوب فيه من شخصية شبه عسكرية بارزة، وهو ميلكمان، الذي عدَّها إحدى ممتلكاته. وسرعان ما أصبح من المعروف أن لديها علاقة مع هذا الرجل المتزوج و الأسن منها. “لكنني لم أكن على علاقة مع ميلكمان. لم يكن يعجبني بل كنت خائفة ومرتبكة بسبب سعيه ورائي ومحاولته لإقامة علاقة غرامية معي”.
بسبب طبقة الرجل وسلطته داخل هذا المجتمع المحاصر، فيجب على راويتنا أن تتحمل وجوده. “بعد أن نشأت في مجتمع يسهل استفزازه حيث كانت القواعد الأساسية- إذا لم تُوضع لمسة عنيفة جسديا عليك، ولم تُوجه أي إهانات لفظية صريحة إليك، ولا مظاهر تعذيب في مواضع جسدك، إذا لم يحدث أي شيء من هذا، فكيف يمكن أن تتعرض للهجوم من قبل شيء لم يكن هناك؟”.
كونه شخصية في الرواية، فميلكمان اختراع مخيف/غريب جدا. “لم أكن أعرف من كان يخص هذا الميلكمان. لم يكن ميلكمان الخاص بنا. لا أعتقد أنه كان يخص أي شخص. “لكنه كان في كل مكان. هناك مجموعة من الرجال الصامتين يتحركون في محيطه. لقد أوضح أنه سيقتل حبيب الراوية إذا استمرت في رؤيته. يعمل على كسرها إلى أن ينجح”. “لقد أُحبِطتُ في العدم الذي بُني بعناية من هذا الرجل. أيضا من المجتمع، عبر الجو العقلي، تلك التفاصيل الدقيقة للاجتياح”.
آنا بيرنز، التي كانت ضمن القائمة النهائية لجائزة أورانج في عام 2002 مع رواية “لا عظام”، والتي صوّرت المتاعب أيضًا، ممتازة في استحضار النظام البيئي الغريب الذي يظهر أثناء الصراع المطول- “هذا الجو النفسي-السياسي، مع قواعده للولاء، والانتماء القبلي”. كانت هناك “الزبدة الصحيحة”. الزبدة الخاطئة شاي الولاء. شاي الخيانة. كانت هناك “متاجرنا” و”متاجرهم”. كان عدم الثقة في قوات الدولة كليا: “المرة الوحيدة التي تتصل فيها بالشرطة في منطقتي هي إذا كنت ستطلق النار عليهم”.
ومع ذلك، لا يظهر عنف الدولة أو شبه العسكر. أهداف بيرنز هي قوى خبيثة أكثر: ظلم القبلية، الاتّباعية، الدين، النظام الأبوي، العيش مع انعدام الثقة الواسع والخوف الدائم. تحمل مرآة الى “الشرطة المشتركة” التي تحدث بين “مجتمع بأكمله، أمة بأكملها، أو ربما مجرد دويلة مغمورة على المدى الطويل على الطائرات المادية والحيوية في الطاقات العقلية المظلمة. المشروطة أيضا. كما أنه من خلال سنوات من المعاناة الشخصية والمجتمعية، والتاريخ الشخصي والجماعي، تكون مغمورة بالثقل والحزن والخوف والغضب”.
يذكرنا “ميلكمان” بالعديد من الأعمال الإبداعية من الأدب الأيرلندي. في صوتها الساخر المجنون والمتناقص، يشبه الرواية التي استشهد بها الراوي: تريسترام شاندي لبيكيت وهذا يظهر في قدرته على تتبع المنطقي داخل العبث. في استدعائه لمجتمع يتكيف للبقاء ضمن “استبداد محاصر”، ويذكر بعمل قام به كاتب شمال أيرلندي آخر، والذي كان سيدينه جيران الراوية بإنه من “الدين الخطأ”: ديريك ماهون، الذي يجب على الجميع قراءة قصيدته المدهشة “A disused shed in co wexford”.
لكن فيما يتعلق بجميع المقارنات، فميلكمان يمتلك طاقته الخاصة وصوته الخاص. على الرغم من أن الرواية جرت أحداثها في أيرلندا الشمالية خلال سبعينيات القرن العشرين، فهي تطرح أفكار أنظمة أخرى وتأثيرها: روسيا الستالينية، طالبان. مطاردة الساحرات في العصور الوسطى، وتسمم سكريبال وحركة #MeToo أيضا تخطر في الذهن أثناء قراءته. على الرغم من السيريالية، فإن كل شيء عن هذه الرواية يبدو صحيحًا. وتبدو إرادة المجتمع في البداية مهيمنة ولا تقهر، لكن زميل الراوية “خارج الحدود”، على الرغم من اختلافه، هو منارة أمل.
وهناك الزوجان العالميان اللذان تحملا الكثير لتحقيق شهرة عالمية بكونهما راقصي باليه في قاعة الرقص، مما ألهم الأطفال المحليين للاقتداء بهم. هناك “قضية المرأة”، وهي جماعة نسوية ناشئة. هناك “ميلكمان حقيقي”- وهو بائع حليب حقيقي لا يقف وراء وجود أسلحة مدفونة في حديقته، ولا الرضفات والمحاكم الصورية، ثم يجعل نفسه منبوذاً.
ما يبدأ دراسةً حول كيف تسير الأمور بنحوٍ خاطئ ينتهي به المطاف دراسةً في كيفية سير الأمور بنحوٍ صحيح، والبراعم الخضراء ليست من عمل المجموعات شبه العسكرية. تعرقل راوية ميلكمان الوضع الراهن ليس من خلال كونها سياسية أو بطولية أو معارضة عنيفة، بل لأنها أصلية ومضحكة ومتهورة وفريدة: مختلفة. ويمكن قول الشيء نفسه عن هذا الكتاب.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى