حوار مقتضب مع فيليب ديك عن الفلسفة

حاوره: فرانك برتراند


حجم الخط-+=

ترجمة: بلقيس الكثيري

فيليب ك. ديك (1928-1982).

روائي أمريكي يعد واحدا من أبرز كتّاب الخيال العلمي في أمريكا في القرن الماضي، له العديد من الأعمال الروائي الشهيرة مثل “الرجل في المعقل العالي” و”هل يحلم الإنسان الآلي بالخرفان الآلية؟” و”يوبك” و”فاليس”، تمتاز رواياته بطابعها الفلسفي الشكوكي، والباحث عن حقيقة الحياة، والتاريخ البديل، والهاجس الماورائي لفيليب ديك. لم تكن هذه الرؤى المطروحة في رواياته منفصلة عن حياته التي عانى فيها كثيرا من مشاكل أسرية ومرضية، ودراسته لمفكري حركة التنوير الألمانية، والفلسفة الأديان الشرقية، والغنوصية والبوذية.

*

أجرى المقابلة التالية فرانك برتراند عن طريق البريد في كانون الثاني (يناير) 1980. كان الغرض منها مجرد البدء في مناقشة طويلة ومتعمقة، والبحث في اهتمام ديك بالفلسفة، ومدى تجلي هذا الاهتمام  في قصصه ورواياته. لكن المناقشة أوجزت في حوار مقتضب بسبب خلاف حول الطريقة المفضلة للاستمرار، فيما إذا كانت عبر الرسائل أو الهاتف. صحيح إنَّ ما أدلى به ديك لمحة موجزة، ولكنها زاخرة بالمعلومات حول اهتمامه بالفلسفة.

فرانك برتراند: أود أن أبدأ بطرح سؤال مألوف بطريقة مختلفة بعض الشيء. ما تعريفك للخيال العلمي؟ بسؤالي هذا  لا أبتغي تعريفًا على غرار تعاريف المعاجم، وإنما ما  العمل الروائي أو الخيالي الذي يجعلك عندما تقرأه تصنّفه على إنه “خيال علمي”؟

فيليب ديك: يعرضُ الخيالُ العلمي -في قالب خيالي- فكرةً مختلقة لعالم طبيعي أو عادي لكنه ليس عالمنا. لا يعني بالضرورة أن كل القصص التي تدور في المستقبل أو في الكواكب الأخرى تصنف ضمن الخيال العلمي (بعضها مغامرات فضائية)، وبعض روايات الخيال العلمي تقع في الماضي أو الحاضر (مثل السفر عبر الزمن وقصص التاريخ البديل)، لكنها ليست محاكاة لعالمنا الحقيقي. العنصر المركزي في الخيال العلمي يتمحور حول فكرة الديناميكية. تتطور الأحداث من فكرة تؤثر في المخلوقات الحية ومجتمعها. ولا بد أن تكون الفكرة دائمًا مستحدثة. هذا هو الجوهر الأساسي  للخيال العلمي، بما في ذلك الخيال العلمي سيئ المستوى. إن الأحداث التي تواكب الحقائق العلمية المعروفة تميز الخيال العلمي من الخيال. الخيال العلمي ذو المستوى الجيد يروي للقارئ شيئًا لا يعرفه عن عالم محتمل الوجود. وبالتالي فإن كل من الأخبار (فكرة الرواية) والعالم المحتمل (القالب الروائي) من ابتكار المؤلف لا وصفه. أخيرًا يخلق الخيال العلمي غير ذلك مما يمكن أن يكون أفكارًا ذهنية تجريدية وملموسة عن طريق إيجاد حيز للفكرة في زمان ومكان محددين، مما يتطلب ابتكار الزمان والمكان. الأمر لا يتطلب إيجاد شخصيات تختلف عن الشخصيات الموجودة في الأنواع الأخرى غير الخيال العلمي؛ إنما يكمن الاختلاف في ما يواجهونه ويتعاملون معه.

فرانك برتراند: لماذا يوجد خيال علمي؟ لماذا يُكتب… لماذا يُقرأ هذا الصنف من الأدب؟ هل سيكون الأدب أفضل أو أسوأ إذا لم يكن موجودًا؟ ما الوظيفة التي يؤديها الخيال العلمي في الأدب وما أهمية ذلك لمن يختار قراءته أو كتابته؟

فيليب ديك: يوجد خيال علمي لأن العقل البشري يتوق إلى التحفيز الحسي والفكري قبل أي شيء آخر، والفكرة المُختلقة تتيح له تحفيزًا غير محدود، الفكرة المختلقة والعالم المبتكر.

يُكتب لأن العقل البشري بطبيعته يبتكر، وبابتكار قصص الخيال العلمي يُستفاد من الخيال البشري المطلق؛ ثم فإن الخيال العلمي منتج من منتجات العقل البشري. وظيفة الخيال العلمي نفسياً هي انتشال القارئ من العالم الفعلي الذي يسكنه؛ بتجاوز الزمن والفضاء والواقع. ربما يجد الذين يقرأونه صعوبة في التكيف مع عالمهم -لأي سبب كان- قد يكونون متقدمين عليه من حيث تصوراتهم ومفاهيمهم، أو قد يكونون ببساطة عصابيين، أو قد يكون لديهم فيض من الخيال لا منقطع. هم في الأساس يستمتعون بالفكر التجريدي. ولديهم حس بسحر العلم: لا ينظرون للعلم على أنه نفعي بل استكشافي. إن في حوزة كاتب الخيال العلمي أفكار لم تُهيأ بعدُ للطباعة؛ وعقله امتداد للجزء المكتوب  من الخيال العلمي. هو مجس الخيال العلمي في المستقبل، وطليعته. لا يوجد فرق كبير بين قراءة الخيال العلمي وكتابته. في كلتا الحالتين هناك متعة في الرواية -أي في الفكرة الجديدة-.

فرانك برتراند: هل من الممكن أن تروي لنا متى كانت أول مرة اهتممتَ فيها بالفلسفة؟ ما الذي أثار اهتمامك في البداية؛ دورة دراسية أو كتاب أو فكرة معينة؟ أو معلم معين؟ أكان ذلك في المدرسة الثانوية… قبل ذلك أم بعدها؟

فيليب ديك: أول مرة أصبحت فيها مهتمًا بالفلسفة كانت في المدرسة الثانوية عندما أدركت أن كل المساحة لها نفس الحجم؛ وإنما حدود المواد المحيطة بها هي التي تختلف. بعد ذلك أدركتُ أمرًا آخر (وجدته لاحقًا لدى هيوم[1]) وهو أن السببية تعدُّ تصورًا لدى المتأمل وليست مرجعًا للواقع الخارجي. في الكلية قرأتُ لأفلاطون وعندئذ أدركتُ احتمال وجود عالم ميتافيزيقي [2] فوق أو أعلى العالم الحسي. فهمتُ أن العقل البشري يمكن أن يتصور عالمًا يكون العالم التجريبي له ظاهريًا. وفي نهاية المطاف آمنت أن العالم التجريبي بطريقة ما لم يكن حقيقيًا تمامًا، في أقل تقدير ليس بمثل حقيقة العالم الأصلي الذي يعلوه. في هذه المرحلة شعرت باليأس من صحة البيانات الحسية[3]. ومن هنا كنت أتساءل في الروايات التي أكتبها؛ رواية بعد الأخرى عن حقيقة العالم الذي يشير إليه نظام الإدراك الحسي للشخصيات. في نهاية المطاف، أصبحتُ مؤمنًا بوحدة الوجود التي اهتديتُ إليها بعد عقود من الشك.

فرانك برتراند: ما إن أُثير اهتمامك بالفلسفة، كيف طورتَ هذا الاهتمام؟ ما  الكتب التي قرأتها في البداية؟ ما الدورات التي درستها في الفلسفة -إن وجدت- ؟

فيليب ديك: لقد تركت الكلية في وقت مبكر للغاية وبدأت الكتابة مطورًا اهتمامي بالفلسفة بمفردي. كان الشعراء لا الفلاسفة أهم مراجعي: ييتس ووردزورث، والشعراء الميتافيزيقيون في القرن السابع عشر أمثال غوته، ثم بعض الفلاسفة مثل سبينوزا ولايبنتز وأفلوطين وقد أثّر فيّ هذا الأخير تأثيرًا هائلًا.

في وقت مبكر قرأت لألفريد نورث وايتهيد وبرجسون وأصبحت راسخ الأساس في الفلسفة. درست دراسة استقصائية أساسية في الفلسفة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، لكن طُلُب مني المغادرة عندما استفسرتُ عن القيمة الواقعية للأفلاطونية. لطالما جذبني الفلاسفة ما قبل سقراط، ولا سيما فيثاغورس وبارمينيدس وهيرقليطس وأمبادوقليس. وما زلت أرى الإله من منظور كزينوفانيس. انتقل اهتمامي بالفلسفة تدريجيا إلى الاهتمام باللاهوت. أنا مؤمن بالروحية الشاملة[4] مثل الإغريق الأوائل.

من بين جميع النُّهُج الميتافيزيقية في الفلسفة، أشعر بأعظم تقارب مع سبينوزا وقوله المأثور حول تأليه الطبيعة وتطبيع الإله؛ أرى أن هذا القول يلخص كل شيء (“الإله ليس كيانا منفصلا عن الكون، بل هو الكون، والمنطق والحقيقة التي تتجلى في قوانين الطبيعة”). بعد مقارعة إزدواجية الإله لسنوات استقريتُ على التوحيد ؛ في نظري تعدُّ المسيحية واليهودية اللاحقة المبنية على ازدواجية الإله كثيرا غير مقبولة. نُطق بالحقيقة أولاً (حسب علمنا) عندما صرح الفيلسوف اليوناني كزينوفانيس الكلوفوني بقوله: “هناك إله واحد… لا يشبه الإنسان بأي حال من الأحوال لا في شكل جسده ولا في تفكيره. هو بكل شيء بصير، ومحيط وسميع. الباقي بلا حراك في نفس المكان؛ لا يليق بعظمته أن يغير مكانه. ولكنه يحيط بكل شيء علما دون عناء.”

اهتمامي بفيثاغورس جاء من قراءتي لقصيدة ووردزورث، ومن هناك انتقلت إلى الأفلاطونية الجديدة وإلى الفلاسفة ما قبل سقراط. أثّر فيّ المتنورون الألمان خاصة شيلر وأفكاره حول الحرية؛ وقد قرأت ثلاثيته المسرحية “فالنشتاين”. كما تأثرت بآراء سبينوزا فيما يتعلق بقيمة الديمقراطية خاصةً بعد دراستي حرب الثلاثين عامًا والقضايا المرتبطة بها، وشعرتُ بالتعاطف مع الجانب البروتستانتي ، وخاصة الهولنديين الشجعان. عندما كنت في الحادية والعشرين من عمري، كتبت مقالاً عن تفوق النظام الحكومي الأمريكي في الضوابط والتوازنات؛ مشيدًا به فوق جميع الأنظمة الأخرى للحكومات سواء في العصر الحديث أو في العصور القديمة؛ وأرسلتُ نسخة إلى حاكم ولاية كاليفورنيا آنذاك (إيرل وارين) وقد ردَّ عليّ: “من المرضي أن أتلقى مثل هذا التعبير عن تقديركم للحكومة التي نعمل فيها جميعًا ونخدمها. قد يكون لدى الآخرين ذات الشعور العميق الذي أعربت عنه، إلا إن القليل منهم يعبرون عن ذلك. من المؤكد أن رسالتكم فريدة من نوعها من بين الكثير من الرسائل التي تلقيتها خلال سنوات عملي في المناصب العامة.” كان ذلك في عام 1952 عندما نُشر أول قصصي بالتزامن مع ظهوري مؤلفًا في عالم الخيال العلمي.

 

 

 

-فرانك برتراند: كاتب مهتم بدراسة الأفكار الفلسفية في الأدب و الكوميديا السوداء.

 

[1]  ديفيد هيوم: شخصية مهمة في الفلسفة الغربية وتاريخ التنوير الاسكتلندي.

[2]  الميتافيزيقا: الماورائيات أو ما وراء الطبيعة وهو فرع من الفلسفة يهتم بدراسة جوهر الأشياء.

[3]  Sensedata: مصطلح البيانات الحسية لفلسفة الإدراك.

[4]  مذهب فلسفي يقول أن الوعي أو العقل أو الروح هي خاصية أساسية عامة في كل الأشياء.

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى