حوار مع كالان وينك عن الرواية في عصر الحقائق البديلة

تتحدث قصتنا عن كاتبٍ يكتب عن كونه كاتبا


حجم الخط-+=

كريسدا ليشون

ترجمة: فلاح حسن

يقول الكاتب: “التأمل في الذات ذلك الهراء الذي عددته احتقاراً حينما كنت أنهي كتابي الأول”.

– لماذا تبنيّت تطبيق هذا القول؟

– لطالما كرهت القراءة عن شخصيات الكتّاب أو حتى قراءة قصصٍ يلعب فيها الأدب أو الكتاب دوراً كبيرا، تزعجني القصص التي تحتوي على أمثلةٍ لأشخاصٍ تغيرت حياتهم جذريًا بسبب كتابٍ أو قصيدة. أنا أتفهم أن الكتّاب يحبون الكتب، لذا فالكتب والأدب يلعبان دوراً كبيراً في العوالم التي نخلقها على الورق. في الواقع وعلى الأقل في المكان الذي أعيش فيه لا يقرأ الناس بانتظامٍ ولا يولون أيّ أهميةٍ للقراءة عن الأدب عموما. أنا أستمتع بالقراءة عن الأشخاص الذين يعملون في وظائف، وأعتقد أن الكتابة هي وظيفةٌ نوعاً ما، ليست من النوع الممتع على نحو استثنائيّ مثلها مثل الكثير من الوظائف، ولا أعتقد أنّني سأدمن عادة الكتابة عن الكتّاب. أنا أيضا على يقينٍ من أنّ نفسي البالغة من العمر أربعة وعشرين عامًا لم تكن لِتستمتع بهذه القصة كثيراً، ربما يعتبر ذلك تقدما.

– تدعونا القصة من نواحٍ عدةٍ إلى الاعتقاد بأنّك الراوي، من أوصاف الكتاب الذي تكتبه والذي يبدو أشبه بمجموعتك القصصية “Dog run moon” هل تريدنا أنّ نعتقد أنّه أنت؟ هل تريد منّا أنّ نصدق أنّ الأحداث هنا مؤلفةً أو مبنيةً على أساس أحداثٍ واقعية؟

– إنّ كل شيءٍ أكتبه أو كتبته قد بدأ من حدثٍ سمعته أو شاهدته أو خبرته بنفسي… القصة التي تنشأ من هذا المحفز غالبًا لا علاقة لها بالأحداث الحقيقية، هذه هي الطريقة التي تبدأ بها القصة، في الأقل كما أراها. أنا لا أعرف كيف يمكنك أنّ تكتب روايةً بالكامل اعتماداً على الواقع. يبدو أقرب إلى خلق شيءٍ من لا شيء، وأنا متأكدٌ من أنّ هذا يتعارض مع قوانين الفيزياء. أعتقد أنّ معظم الرواية يمكن تقييمها كنسبةٍ وتناسبٍ بين التأليف وبين الواقع. في معظم قصصي، أبدأ بجزءٍ صغيرٍ جداً من الواقع، على سبيل المثال، مقطعٌ من محادثةٍ تمّ التنصت عليها، ثم اؤلف القصة الأوسع حولها. في هذه الحالة، قلبت النسبة أكثر واقعيةً وأقل خيالية. إنّه نفس القالب لكن بطريقةٍ معكوسة. لا أعتقد أنّ هذا يجعلُ القصة أقل أو أكثر واقعية.

– يفكر الراوي في الطريقة التي يستحوذ فيها على حياة من حوله. في اعتقادك ما مقدار المسؤولية التي تتحملها لتحظى بعلاقةٍ وثيقةٍ مع كاتب؟

– أعتقد أنّنا غالبًا ما نتوارى خلف صفتنا كتّابا روائيين، من السهل جدًا إظهار كونّنا روائيين لتجنب المواقف المحرجة التي قد تنشأ أحيانًا عند الكتابة عن الأشخاص الذين تعرفهم أو عند الكتابة عن نفسك بصدق. في هذه القصة بالذات يبدأ بطلي بالقلق من تداعياتٍ أخلاقيةٍ معينةٍ لما يفعله-، تحديدًا ما هو الالتزام الذي يفرضه على نفسه تجاه الأشخاص الذين يحرفون قصصهم ويعيدون سردها وتشكيلها بناءً على طلبه لتحقيق غاياته الخاصة والنهايات التي يريدها لقصته. بناءً على ما تقدم، أود بالتأكيد أنّ أنصح الناس بعدم الدخول في علاقاتٍ وثيقةٍ مع كتّاب القصص الخيالية. لا أستطيع أنّ أتحدث نيابةً عن كل ممارسيّ هذا النوعِ الأدبي، لكنّني أشعر أنّه من أجل إنجاز روايةٍ جيدةٍ يجب أنّ يكون هناك حدٌ فاصلٌ معين، وقدرةٌ حقيقيةٌ وجريئةٌ لتقديم وإظهار الأشخاص والمواقف والأحداث بصورةٍ حقيقيةٍ في سرد الرواية وشخوصها. هذا في حد ذاته ليس مشكلة، ولكنْ عموما ما يحدث عادةً هو أنّ الإلهام للكتابة يبدأُ في لحظةٍ ما. فمثلاً لو افترضنا أنّك كاتبٌ روائيٌّ ودخلت في جدالٍ مع حبيبتك، ستشد انتباهك حبيبتك من خلال تفاصيل الجدال وقت حدوثه، فحين تلاحظ طريقتها الخاصة التي تحرك بها شفتيها وكيف تبدأُ بالبكاء، وكيف ستصفها في نهاية المطاف عند الكتابة عن مشاجرة العشاق في روايتك. أنّ تكون كاتباً خيالياً يعني أنّك لن تنخرط على نحو كاملٍ في هذا العالم لأنّك مضطرٌ دائما إلى انتزاع الملاحظات منه.

– قد ظهرتْ صديقةٌ سابقةٌ للكاتب في منزله. كانت قد تطوعتْ في أحد مخيمات اللاجئين في صربيا، والتي تضم مهاجرين يحاولون الوصول عبر الحدود الهنغارية إلى داخل الاتحاد الأوروبي. تريد منه أنّ يكتب عن هذا، لكنّه لن يفعل. لماذا هو مترددٌ جداً في الكتابة عن هذا الموضوع؟ هل هناك فرقٌ كبيرٌ بين الخيال والإبلاغ عنه؟

– أعتقدُ أنّ احتمال إجراء مقابلاتٍ مع مجموعةٍ من اللاجئين أمرٌ مرعبٌ  للكاتب في هذه القصة. إنّه أمرٌ يخلق ألماً “واقعيا” ومعاناةً حقيقيةً في الرواية. عليه أنّ يجلس ويصغي إلى شخصٍ ما يروي مآسي وانتصارات حياته ثمّ يعهد إليّه بالقيام بهذه العدالة السردية على وجه الصفحة. أظن، من نواحٍ كثيرةٍ أنّ الكتابة الخيالية لها رهانٌ أقل. في هذه القصة، يواجه الكاتب هذه المعرفة داخل نفسه في الأساس، إنّه يحاول المضي إلى الأمام سواءً في الكتابة أو الحياة الحقيقية، إذا كان من الممكن بالفعل فصل هذه الأشياء. هل يحتاج العالم إلى المزيد من العلاجات العاطفية؟ هل يجب على كاتب الخيال أنّ يقلق ويهتم لِما يحتاجه العالم في المقام الأول؟ لا أعتقد أنّ شخصية البطل في روايتي تصل إلى نتيجةٍ حول هذه الأسئلة، ولكن ربما مجرد النظر فيها هو خطوةٌ أولى جيدة.

– برأيك كيف ستتفاعل الشخصية (م) مع نشر الرواية؟

– أعتقد أنّها ستكون غاضبةً في البداية لكنّها شخصيةٌ قويةٌ بدرجةٍ من المثالية المثيرة للإعجاب. آمل أنك إذا قرأتها حتى النهاية أنّ تتعرف على حقيقتها بأنّها خطاب اعتذار.

– نحن نعيش في عصرٍ حيث فيه الأخبار القادمة من البيت الأبيض تكاد تخنق أيّ قصصٍ أخرى. كيف تبدو الكتابة الخيالية في الوقت الحالي؟ هل تفكر في رواية “أزمةُ لاجئ” بوصفها قصة سياسية؟

– باختصار، نعم، أعتقد أنّ هذه قصةٌ سياسيةٌ من نواحٍ عديدة، اختطفت إدارتنا الحالية هذا النوع من الأدب، وأنا مستاءٌ من ذلك. أعتدت على التنقل بحريةٍ في الأكاذيب، ومعظمها بضميرٍ مرتاح، لأنّه كان هناك أماكن قديمةً يمكن أنّ يذهب إليها المرء ليعثر على الحقيقة. أما الآن فنحن تحت رحمة نظامٍ يعكر صفو المياه على نحو معتاد ومتعمّد، كنت أشعر بالحاجة المتزايدة إلى الذهاب في اتجاهٍ مختلف.  منذ ظهور “الحقائق البديلة” ما الذي أصبحت تعنيه كلمة “الرواية” أصلا؟ بدأت أعتقد أنّه إذا كان البيت الأبيض يريد أنّ يبيع لنا الرواية لتكون حاجزًا للواقع، فعندئذٍ ربما ينبغي عليّ أنّ أقوم بالعكس. في هذه القصةٌ كان هدفي كتابة قصصٍ خيالية، ولكنّه ظهر بصورةٍ واقعيةٍ بطريقةٍ أكثر جوهرية.

– أنت تقضي الصيف في العمل مرشدا لصيد الأسماك، لذلك هذا هو موسمك المزدحم. يمكنك الحصول على الكثير من الكتابة للقيام بها خلال فصل الصيف؟ هل تفكر في خيالك كما تفكر في كونك مرشد صيد؟ أو تفكر في إراحة عقلك؟

– إجابة هذه الأسئلة: إن أكثر الأوقات التي أمضيتها في الكتابة منذ شهر نيسان، أحاول التفكير فيها في الأقل كل يوم. أعلم أنّ هناك كتّابًا أكثر جديةً مني، يفعلون ذلك كل يوم لساعاتٍ وساعات، لكنني ما زلت أفضل أنّ أكون في الشمس وأبحر في قاربٍ على أنّ أكون أغزر إنتاجا، لذلك أنا على استعدادٍ للتضحية بقليلٍ من الإنتاجية من أجل جودة الحياة. أعتدت أنّ أكون أكثر قلقاً بشأن هذا وأشعر أحيانا بأنني كنت أهدر وقتي في الترشيد (أي لا أكتب). في هذه المرحلة، أنا متأكدٌ تمامًا أنّه عندما ينتهي كل شيءٍ إلى النهاية، سأكون مستعدًا لتناول بضع الكتب ذات جملٍ مؤلفة بروعة وتصفحها لساعةٍ أخرى أو العوم في نهرٍ مع أصدقائي.

* كالان وينك: كاتبٌ أمريكيٌ ولد في  ميشيجان في عام 1984. يعيش في ليفينغستون مونتانا، حيث يعمل دليلاً لصيد السمك الطائر في نهر يلوستون. وهو حاصلٌ على زمالة NEA Creative Writing وزمالة Stegner في جامعة ستانفورد. نشرت أعماله في The New Yorker و Granta و Men’s Journal و The Best American Short Stories. من أشهر القصص القصيرة للكاتب كالان “Dog Run Moon”

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى