حوار مع أورهان بأموق حول روايته “غرابة في عقلي” الصادرة في عام 2014


حجم الخط-+=

حاوره بروس روبنز*

ترجمة: عبير علاو

عندما يجلس الروائي أورهان باموق الحائز على جائزة نوبل مع زملائه الكتاب، فإنه يُعرَف برسم رسومات لوجوه الجمهور، ومثل كتاباته تكون تلك الرسومات ليست هزلية جدا ولا جادة، لكنها تحوي شيئًا من الفضول اللا محدود، وغالبًا ما يُشاد ببراعته المرئية لكونه بمثابة الجسر الذي يربط بين الشرق والغرب، كما أنه يُلام في بعض الأحيان على إيلائه اهتمام كبير للقراء غير الأتراك رغم أن ذلك بسبب عالميته، كما أنه ممثل جيد للشخص العلماني الراقي القادم من مدينة عالمية كبرى، مما زاد من شعبيته خارج تركيا إذ بيعت من رواياته أكثر من 11 مليون نسخة خارج بلده.

أصبح باموق واحداً من أكثر الكتاب نفوذاً وتأثيراً في تاريخ بلده إلى حد كبير بعد كتاباته عن مواطني الطبقة العليا في إسطنبول وحياتهم الساحرة والحزينة في ذات الآن، ففي روايته الجديدة “A Strangeness in My Mind”، يصنع المؤلف البالغ من العمر 63 عامًا منحنى جريئًا في منطقة أقل سفورًا، إذ إن بطل الرواية بائع فقير في عربة شارع قدم إلى إسطنبول من إحدى القرى، ويحكي الكتاب عن التغير السريع للحياة في إسطنبول من وجهة نظر الطبقة العاملة وما فيها من مشاهد وأصوات وانقسامات ومسافات طويلة، إذ تمكنت الرواية من أن تكون خفيفة كخفة شخصيتها الرئيسة، ومعجزةً وألغازًا للقراء داخل تركيا وخارجها.

على مدار الست السنوات الماضية، شاركت أنا وأورهان باموق في ندوة جامعية في جامعة كولومبيا حول فن الرواية، ولقد حظيت بالفرصة لسماع حديث روائي كبير عن آنا كارنينا المحاولات والفشلواستمتعت بهذه القراءة الروائية في طريقنا إلى المنزل بعد مقابلة Vronsky، كما استمعت لحديثه عن تأثير روح دوستويفسكي الخاصة في الشرق والغرب، كان حوارًا مميزًا ومبهرًا لي ولطلاب الجامعة الذين ظهرت على وجوههم أمارات الانبهار

 

بروس روبنز: من وجهة نظر معينة، تدور أحداث هذه الرواية حول رسائل حب تلقاها شخص عن طريق الخطأ.

أورهان باموق: وصفه بأنه الشخص الخطأ مبالغة، إذ تكتب شخصية ميفولوت لشخص لم تره عينيه لسوى بضع ثوانٍ، وهو وضع طبيعي في المجتمع الفلاحي المحافظ حيث يجتمع الأولاد والبنات غير المتزوجين فقط في حفلات الزفاف والمناسبات المماثلة لها، فإذا كنت ترغب بالزواج في مجتمع كهذا، فأنت بحاجة إلى موهبة لتملك هذا الخطاب المثالي، وهنا نجد أن ميفلوت يكتب رسائله إلى امرأة مثالية.

لقد قرأت مؤخرًا في تقرير للمعهد الإحصائي التركي أن 52% من الزيجات في تركيا تكون مرتبة من قبل الأهل، وبالطبع يصعب الحصول على إحصاءات دقيقة، لكون لا أحد يقبل أن يتزوج زواجًا تقليديا ما لم يكن شخصًا محافظًا جدًا وفخورًا بذلك، أظن أن 80% من الأشخاص الذين رتبت زيجاتهم سينكرون الأمرإذ إنهم سيذهبون إلى مكان ما لشرب عصير ليمون مثلًا، ثم سيتجهون إلى متجر حلويات أو (إذا كانوا أكثر تحضرًا) سيلتقون في السينما لمشاهدة فيلم مع الأخوات والأعمام فقط ليقولوا لأطفالهم وأحفادهم: “لا، لقد التقينا قبل الزواج، لم يُرتيب زواجنا من قبل أحد!”، في المدينة، يمكن للفتيان أن يتزوجوا في وقت متأخر أكثر من القرى، وهذا يطالبنا بالكثير من (التسامح تجاه مصطلح فرويد) المتعلق بالتهذيب المتوافر لدى فتاة القرية، غير أن قانون فرويد قد لا يسري هنا أيضًا!

بروس روبنز: هل أنت بصدد كتابة رواية نفسية أخرى؟

أورهان باموق: للتو انتهيت من ذلك، لذا سنتحدث عن الكتابة من جديد في العام المقبل.

بروس روبنز: في هذه الرواية، بذلت جهدًا للحديث عن أشخاص مختلفين تمامًا عمن نشأت معهم، وهذا يستلزم بعض البحث والسؤال، هل يمكنك سرد خطوات البحث التي قمت بها؟

أورهان باموق: يؤكد الناس في تركيا وفي المراجعات الدولية على أن باموق كاتب علماني من الطبقة المتوسطة العليا يكتب عن حياة الناس من الطبقة الدُنيا، إن الحصول على الحقائق الصحيحة لا يشكل مشكلة على الإطلاق لأي روائي يعمل بجد ويحب التحدث إلى الناس، فإن كنت تود أن تحصل على معلومات عمَّا يفعله بائع دجاج وأرز مثلًا، وكيف يطبخ دجاجه وأرزه، وكيف يبيعه، وكيف يحصل على مواده، ومقدار الربح الذي يحققه، كل ما عليك القيام به لمعرفة ذلك هو محادثة مع بائع الدجاج والأرز في الشارع، فإذا ما كنت لطيفًا، عادةً ما يكون الآخر منفتحًا عليك، فيبدأ بقول أنه يطبخ كل شي بنفسه، وبعد نصف ساعة، سيخبرك أن زوجته هي من تقوم بكل شيء  في الواقع، فالرواية تعتمد على الكثير من المحادثات غير الرسمية مع بائعي بوزا [بوزا هو مشروب كحولي مخمر قليلاً]، ومحادثات مع بائعي بلح البحر المحشو حول حيل تجارتهم، فكثيرًا ما أحب الحصول على هذا النوع من المعلومات كونه يضفي مصداقية على الرواية، لكن هذا البحث ليس ما أفتخر به، بل أفخر بتوازن الرواية وتكوينها الفني أكثر.

في البداية، كان لدي مجموعة من الباحثين، خريجي جامعات ينطلقون ميدانيا يتحدثون إلى الناس، ويحصلون على التفاصيل، وفي بعض الأحيان يعرفونني على هؤلاء الأشخاص، وبمجرد أن أرى أن الشخص يستمتع بالتحدث، أستمتع بدوري بالاستماع.

بروس روبنز: لماذا رُوِيت الرواية من قبل العديد من الشخصيات؟

أورهان باموق: لقد بدأت في كتابة هذه الرواية على طراز الرواية القديمة في القرن التاسع عشر، وأردت أن أرى ما يمكنني فعله في هذا السياق، معظم كتاباتي السابقة تنتمي لما يسمى بما بعد الحداثة، ثم أخذ أسلوبي يتطور شيئًا فشيئًا، كنت أبتدئ الكتابة بقصة كاملة في مخيلتي، وبعد ذلك، مع تطور مهارتي الكتابية ابتكرتُ طرقًا جديدة للكتابة، بعد مدة وجدت أنني أريد أن أفعل شيئًا مختلفًا على غرار أساليب بلزاك أو زولا القصصية، في هذه الرواية، كان من السهل الكتابة من وجهة نظر الشخصية الرئيسة، وهو بائع متجول قدِمَ إلى إسطنبول في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وبعد بيعه لجميع أنواع الأشياء من الزبادي إلى الآيس كريم إلى الدجاج مع الأرز والبوزا لأربعين عامًا، جرَّب عدة وظائف أخرى. كنت أكتب عنه بكل سهولة، إلا أنني شعرت ببعض القلق حينما أصبح الكتاب أطول مما توقعت، كنت أرغب في جلب الواقعية التي تمثلت في العديد من الأصوات التي سجلناها، فبمجرد أن يدرك الناس أنني كاتب أو صحفي، فإنهم سرعان ما يبادرون إلى تقديم نصائحهم عن الوقوع في الحب، وأنماط عيشهم، كما يتحدثون عن أهمية الدين في حياتهم، وأهمية الاستيقاظ مبكرًا، وأهمية الصدق مع العملاء، والعديد من الأمور المشابهة، كانوا يتحولون من التفاصيل الواقعية إلى الحكم الحياتية، وقد أحببت ذلك، لذا أردت أن أتركهم يحكون أنفسهم، وقررت أن أحاول إدراج السرد الفردي في إطار السرد الذي يشبه سرد زولا في القرن التاسع عشر في الحقيقة لا أحب زولا كثيرًا بل أحب بلزاك وستندال أكثر منهوحاولت أن أصيغ ذلك السرد بطريقة تجعل القارئ يدرك سريعًا أننا ننتقل من الرواية من جهة الطرف الثالث إلى الطرف الأول، وأعتقد أنني نجحتُ بذلك.

بروس روبنز: كنت تقول أنك أكثر فخرًا بتوازن وتكوين الرواية من معلومات البحث التي جمعتها من حياة الناس والشارع؟

أورهان باموق: اسمح لي أن أوضح الأمر: أنا فخور بالمتحف المعلوماتي الذي حصلت عليه، ليس لأنني جمعت كل هذه المعلومات، بل بسبب النوافذ التي وضعت تلك المعلومات بها، والتي ساهمت في تكوين النص، فعرض المعلومة يجب أن يكون جميلًا أيضًا.

بروس روبنز: هل يمكن أن تشرح ما الذي تعنيه بـ تكوين النص؟

أورهان باموق: التكوين هو العودة إلى الأرض، وهو غريزة الحيوان، حين أكتب أتساءل مع نفسي: هل ما أكتبه يستحق أن يُقرأ؟ هل هو مسلٍّ؟ ستمئة صفحة نرى فيها العالم من خلال أفكار ميفلوت قد تكون مملة بعض الشيء، كنت أجد أنني أرغب في تمزيق الرواية، وإدراج أصوات أخرى من شأنها أن تتناقض معه، وتتحدى وجهة نظره ووجهة نظر الطرف الثالث في النص، لذلك قمت بهذا النمط الكتابي.                                           في المراجعات التركية والدولية أرى العديد من الشكاوى لقراء حين يقولون بخيبة أمل أن: “باموق لا يكتب بأسلوب ما بعد الحداثة!”، فأشعر أنني أريد أن أقول لهم: “لكنني كتبت بهذا الأسلوب من قبل!” أعلم أنني خاطرت قليلًا، ولست أدافع عن ذلك، إذ كان لدي الكثير من المعلومات، وكنت بحاجة إلى دمجها مع رؤية ممزوجة ببعض الغرابة، لأجعل من شخصية البطل شخصية إنسانية قدر الإمكان.

بروس روبنز: لقد أشبعت شخصية ميفلوت ببراعة السرد الروائي فنجدها تقفز ببراعة بين الأمام والخلف، والماضي والمستقبل كما لو كان روائيًا بنفسه، وهذا ما أعطى ثراءً داخليًّا له.

أورهان باموق: هذا اختراع فلوبير المتمثل في أسلوب السرد غير المباشر الحر، إذ يتيح هذا الخطاب للكاتب الاقتراب من وعي الشخصية من كثب، وتجعل القارئ لا يلاحظ حقيقة أن الراوي هو من يتحدث وليس شخصية الرواية، فعندما فعل فلوبير ذلك، حرر فن الرواية، وجعلها مرنة للغاية، فيمكن للسرد أن يتراجع إلى مسافة بعيدة كأن يخبرنا تولستوي أن جيوش نابليون تقترب من موسكو، حينها نتساءل من يتحدث هنا؟ 

بروس روبنز: يعد الخط الزمني للرواية، والذي حكى ظروف حياتية لأربعين عامًا ورسم الكثير من تفاصيل الحياة خلال هذه الحقبةنموذجًا متحركًا جدًّا، هل يمكنك سرد بعض تفاصيل هذا الاستعراض الزمني المبهر؟

أورهان باموق: ربما يكون الامتداد الزمني أمر غير معتاد كون الرواية لديها بنية قصصية يسيرة جدا، صبي يكتب رسائل حب لفتاة رآها مدة قصيرة وعن بُعد، ثم يُخدع ويتزوج من أختها الكبرى، التي تعد أقل جمالًا، بطريقة زواج لا أريد أن أتحدث عن تفاصيلها.

لقد درَّسنا أنا وأنتمعًا منذ سنوات، لكن في ندواتنا، لم نضغط على الطلاب للتحدث كثيرًا عن الروايات وشخصيات الطبقة الدنيا، فوجود بطل من الطبقة الدنيا كان إضافة متعمدة جدا من قبلي، أثناء كتابتي للرواية، سألني المحرر البريطاني عما إذا كنت سأدرج أي شخصيات من الطبقة الوسطى، فكرت برهةً أنه يمكنني إضافة شخصية من الطبقة الوسطى صديقًا لميفلوت، لكنني استبعدت ذلك الأمر على الفور وقلت له لا، لن يكون هناك أي شخصيات من الطبقة الوسطى في هذه الرواية، لن أضيف أحدًا كشخصية ليفين في آنا كارنينا، لن يكون شخصًا ينظر إلى شخصيات الطبقة الدنيا وفلاحيها وهم يعملون، روايتي سيحدث كل ما فيها بين الفلاحين أنفسهم.

حسنًا، هم ليسوا فلاحين بالمعنى الحرفي، هم قرويون قدموا إلى المدينة، فأحداث الرواية تدور حول حياة المدينة الحديثة، والشخصيات التي قد تكون فقيرة، لكنها بطريقة ما متمدنة جدا، فكانت مشكلتهم تكمن في التكيف مع الفردية والأنانية والعقلية الاقتصادية للمدينة، فأولئك الذين يصمدون يمكن أن يكونوا ناجحين، أما الذين يتشوشون مثل ميفلوت فهم ليسوا ناجحين، لكن يكمن السؤال هل يريد ميفلوت حقاً النجاح؟

بروس روبنز: هل هذا ما تريد قوله عن الطبقة العاملة؟ من حيث تكوين الرواية، إذ أرى أن ما تتحدث عنه هو الصداقة بين مفلوت وفرحات، إذ شكلت صداقتهم الكثير من أحداث الرواية، فمن الناحية الهيكلية، هناك القليل من التوازي مع سنو، بمعنى أن ممثل اليسار، وهو كردي علوي يحصل على الفتاةإذا جاز التعبير، وهو بطريقة ما، أكثر نجاحًا وربما أكثر بطولية من مفلوت الرجل الذي يقف في الوسطسياسيا

أورهان باموق: في فصولنا، وفي اجتماعاتنا التحضيرية قبل الفصل، نتحدث أحيانًا عن جورج لوكاس، يقول لوكاس إن أفضل الروائيين التاريخيين اخترعوا شخصيات يمكن سحبها للاتجاهين في صراعات مجتمعاتهم، وهذا يحدث فقط كما يقولإذا لم يكن لهذه الشخصيات التزامات سياسية وأيديولوجية وقاعدة أخلاقية قوية، أي إذا كانت أفكارها هشةوسريعة التغيير، وهنا نجد أن مفلوت يتبع هذا النمط

بروس روبنز: أنت تزعج القارئ بإمكانية أن تكون هذه القصة هي قصة ظهور إسلاموي، من المؤكد أن مفلوت ينجذب إلى الإسلام، لكن لديه صديق يساري، وأبناء عمومته من الفاشيين، فهل هو حقا الشخص الوسطي؟

أورهان باموق: كنت أتبع نهج ستندال حين يعكس بكتاباته صورة المجتمع، فإذا كان ميفلوت متعصبًا جدًا، فلا يمكنه زيارة ذلك الرجل الحكيم المسلم ولما كان يستمع أيضًا إلى محادثات أصدقائه الماركسيين العلويين ويتجول معهم أثناء وضعهم للملصقات.

بروس روبنز: هذه الرواية بالطبع رواية مدينة، ما الذي تشعر أنك لم تقله بعد عن إسطنبول؟ إذ سيقول الناس وربما قد قالوا ذلك بالفعلأنك وضعت الكثير من شخصيتك في شخصية الرواية الرئيسة.

أورهان باموق: في تركيا، كان الشكل المهيمن للرواية هو ما يحكي عن الفلاحين، وقد كان يشار كمال أفضل روائيي هذا الفن، فإذا كنت روائيًا اجتماعيًا في ستينات وسبعينات القرن الماضي فستكتب عن الحياة والظروف المادية في منطقة ريف الأناضول، أما أنا، لم أكن أعرف أي شيء عن تلك البيئة، لذلك كتبت عن إسطنبول فقط لأنني أردت الكتابة عن البشر الذين أعرفهم، وليس عن المدن، وفقط بعد أن تُرجمت أعمالي أصبحتُ أعرف بكوني كاتبا إسطنبوليا، فلقد عرف الأتراك هذا الأمر من خارج تركيا لا من داخلها.

في ذلك الوقت، كتبت مذكرات إسطنبول التي انتهت عام 1973، وكتبت كتاب الكتاب الأسود في عام 1980، ولم أكتب بعدها أي شيء عن إسطنبول سواء في التسعينات أو ما بعدها، بل حتى متحف البراءة، الذي كان عام 2008، لم يعرض صورة إسطنبول في الألفية الجديدة، لذلك، لم أكتب عن التغييرات الهائلة التي شهدتها إسطنبول وقاستها خلال السنوات ألـ 25 الماضية، وحتى وقت كتابة هذه الرواية، لم أكتب عن الطبقة الدنيا في إسطنبول من قبل، لذلك كان هناك فراغ كبير في رؤيتي التي فرضتها على نفسي.

من الممل بعض الشيء أن أكرر هذه الحقائق، لكنني سأكررها: لقد ولدت في إسطنبول عام 1952، وفي ذلك الوقت، كان عدد سكان إسطنبول مليون نسمة، والآن يبلغ التعداد السكاني فيها 17 مليون، وقد كانت التغيرات التي شهدتها في السنوات الخمسين الأولى أقل من التغيرات التي حدثت خلال السنوات الـ 13 الماضية، ما زلت أومن بأهمية الكتابة عن الحياة في إسطنبول، وأنا سعيد لأنني أقوم بجزء من ذلك، لكن من الصعب جدًا أن أواكب كل التغيرات الهائلة حاليا!، لذا قلت لنفسي حين اعتزمت كتابة هذه الرواية: “سأكتب عن حياة الشارع“.

بروس روبنز: ميفلوت يحب عمله، لن أقول إنه يشعر بتحقيقه لذاته عندما يعمل، لكنه لا يجد عناء في أن يتجول في شوارع إسطنبول لبيع اللبن أو البوزا ومقابلة كل الأشخاص الذين هناك، بطريقة ما، نجد أنه يعبر عن هويته بهذا، فبهذا المعنى، نجد أنه هو روائي بذاته، حيث أنك أيضًا شددت على هذه النقطة عندما كتبت عن طريقة ندائه ومدّه للحروف حين ينادي في الشارع بوزاااااااااااااا!” بالصدى الذي ينعكس على الناس الذين يسمعونه، فهل لدى الروائي وبائع البوزا شيئًا مشتركًا ذا أهمية؟

أورهان باموق: أوه نعم، ميفلوت هنا شخصية ساحرة جذابة إذا كان جذابًا، بالطبع قد أكون مخطئًالأنه حسن النية وسعيد وهو شاب جيد أيضًا، وقد قال كيركيغارد: “الأشخاص غير السعداء يعيشون إما في الماضي وإما في المستقبل، في حين يعيش الشخص السعيد في الوقت الحاضرفميفلوت شخص منغمس بعمق في الوقت الحاضر، أعترف أنَّ جزءًا من ذهني منعكِس على ميفلوت، لكنني أتمنى لو كانت لدي موهبته في الاستمتاع بالحاضر، تقول لي صديقتي دائمًا: “استمتع بالآن! توقف عن القلق بشأن مستقبلك! استمتع باللحظة!، فميفلوت هنا يحمل قليلًا من الصوفية ومشاعرها السامية، انظر إلى الاهتمام الذي يوجهه إلى كل تفاصيل الفتاة التي معه، على الرغم من أنه يعرف أنها الفتاة الخطأ، وأنه قد تعرض للخداع، فهو لديه هذا الشيء العميق الذي قتلته الحداثة فينا، ولديه أحلامه الخاصة وموهبة المشاركة في القضايا المشتركة أكثر مما نفعل نحن، وهو لا يميل إلى الثقة المطلقة ولا ينخرط في الجدال، وقد تجد أنه ضحية بشكلٍ ما، لكنه لا يشعر بأنه ضحية.

اكتشاف تفاؤل ميفلوت يحل مشكلة كبيرة في هذه الرواية، فالكتابة عن شخص من الطبقة الدنيا لقراء ليسوا منها ومن كاتب ليس منها أيضًا، ليس خطأ عقلانيا فحسب، بل مسألة إقناعية للقراء أيضًا، لا أريد أن أخبرك بأسراري الخاصة بخصوص هذا الأمر، لكنني قمت بأشياء كثيرة لأتجنب هذه المشكلة أو في الأقل أجعلها أقل وضوحًا، حاولت جاهدًا تجنب الأحداث المثيرة للشفقة فلم أكن أريد أحداثًا من شاكلة يا للرجل المسكين، إنه يبكي!”، إنني أحب ديكنز، وأحب لغته الكتابية، لكنني لا أحب عاطفته المثيرة للشفقة والمبالغة، فهي تصيبني بالغضب، في نواحٍ كثيرة، هذه رواية تشبه ما يكتبه ديكنز، ولكنني تعلمت منه أيضًا من أجل أن أتجنب تلك العواطفأنه لا يوجد شيء أفضل من الفكاهة، لذا آمل أن يضحك القارئ بدلاً من أن يبكي.

لكن أكثر ما ساعدني هو استمداد التفاصيل من ذهني، مثل عنوان الرواية، فخلال سنوات مراهقتي، وفي العشرينات والثلاثينات من عمري، كانوا أصدقائي يقولون لي: “أورهان، إن لديك عقل غريب، ثم في يوم من الأيام صادفت هذا الاقتباس في وردزورث، غرابة في عقلي A strangeness in my mind، ودونته وبدأت التفكير على أنه في يوم من الأيام سيكون عنوان إحدى رواياتي، وأخيرا، أصبح عنوان هذه الرواية، فلقد أعرت مفلوت مخيلتي، لكن لا يمكنني أن أخبرك المزيد عن تفاصيل هذا الأمر.

بروس روبنز: ومع ذلك، هذه ليست رواية عن خيبة مفلوت وعدم تحقيقه لطموحه، كونه لا يعترف بخطئه.

أورهان باموق: ميفلوت ليس راستيجناك، فراستيجناك بطل رواية بلزاك هو رجل من الريف قدم إلى باريس من أجل حلم الثراء والشهرة، فقد كان يريد أن يكون غنيا وناجحا، ونجد أن الطاقة والقوة والدراما لوجهة النظر هذه تبرز عندما ترتفع الرأسمالية إلى جانب الرؤية الديمقراطية للمجتمع، ويصبح الحراك الاجتماعي أمرًا ممكنًا، لقد مثل راستيجناك طموح بلزاك، فعندما نقرأ عن راستيجناك، يمكننا أن نتخيل بلزاك وهو يشتري المطابع ويحلم بالثراء، في حين أنا وميفلوت لا نملك تلك الطموحات، فرؤية ميفلوت محدودة على نحو أكبر.

بروس روبنز: إذن هل فرحات الكردي اليساري وصديق ميفلوت المقربيجسد شخصية بطل بلزاك هنا؟

أورهان باموق: فرحات أكثر حداثة من بطل بلزاك.

بروس روبنز: هل تقول إن إسطنبول كما تراها هنايديرها رجال العصابات، أو تديرها دولة مكونة من أشخاص يتصرفون مثل رجال العصابات؟

أورهان باموق: اليوم، لديها رأسمالية طبيعية لائقة بها.

بروس روبنز: لكنك لا تظهر الكثير من الرأسمالية الطبيعية اللائقة في الرواية.

أورهان باموق: ذلك لأنك لا ترى الطبقات العاملة العادية، هذه نقطة مهمة حول الرواية، فهؤلاء الباعة المتجولون ليسوا من الطبقة الدنيا الذين يعملون في المصانع، فهم يعيشون في ذات الأحياء التي يعيش فيها عمال المصانع، ولكن في النهاية، هم أصحاب مشاريع خاصة وأصحاب رؤوس أموال صغيرة.

بروس روبنز: من أجل النجاح في باريس، تعين على راستيجناك أن يصبح رجل عصابات، فهل ميفلوت لا يريد أن يصبح رجل عصابات؟

أورهان باموق: لكن أبناء عمومته يصبحون رجال عصابات

بروس روبنز: حكت العديد من صفحات الرواية عن مغامرات فرحات ثم مغامرات مفلوت في العمل مفتشين كهربائيين، هل كنت تحاول بذلك أن تجعل القارئ يرى جمال هذه المهنة؟

أورهان باموق: تعرض الرواية الكثير من تفاصيل الحياة اليومية على غرار كتابات فوكو، ولكن في الواقع، كل تلك التفاصيل حدثت لي شخصيا، قبل عطلة مدتها عشرة أيام، قُطع التيار الكهرباء لدي، ثم، بام! بام! بام! شخص ما يطرق الباب، حدث هذا في عام 1995، كان المفتش الكهربائي يعرفني، لقد كان رجلاً يساريا سابقًا، وخلال ذلك أخذنا نتحدث وأخبرني بكل شيء عن مهنته، في وقت لاحق، قمت بفحصٍ مزدوج، فلقد أجريت العديد من المقابلات مع مفتشي الكهرباء المتقاعدين والمهندسين، جمعت الكثير من المعلومات حول إنتاج الكهرباء وتوزيعها وغشها وبالطبع عن مشاريع خصخصتها، ففي البداية، خصخصت الدولة تحصيل المدفوعات فقط، ثم خصخصت بقية المجال. في تلك السنوات، كان هناك الكثير من الغش الإبداعي، وقبل ذلك عندما بدأت العمل الروائي للتوكان لدى زوجتي أعمال كثيرة لتقوم بها، لذا كنت معتادًا على دفع فاتورة الكهرباء في مكتب البريد، كنا نقف في طوابير وكانت العملية مليئة بشتى أنواع الجدل وإضاعة الوقت، كان عليك أن تدفع نقدًا، وكان على شخص ما أن يوقع على إيصال دفعك لقد كانت عملية بدائية بحتة، أما الآن، فأنت تدفع عن طريق بطاقات الائتمان ولا ترى أي شخص ولا أي طابور!

بروس روبنز: تلعب الأحلام دورًا كبيرًا في الكتاب، أليس كذلك؟

أورهان باموق: قال هنري جيمس كلما كتبتَ حلمًا في كتاب؛ خسرت قارئًافالأحلام لا تلعب هذا الجزء الكبير بل جزءًا من تكوينة النص البلاغية، إنها لا تغير حياة الناس، بل يهمني ما يسميه فرويد محتوى الحلم، إنني لا أرى بنية الرواية من خلال نظرية فرويد ولا من الأحلام نفسها، لا أريد أن أكون مثل جاكوس لاكان، فميفلوت لا يؤمن بلاكان.

بروس روبنز: يبدو لي أن أحد الأشياء التي كنت تحاول إبرازها في تمثيلك للطبقة العاملة هو أنهم مكافحون، ولطفاء جدا، وشخصيات ضد الصور النمطية.

أورهان باموق: واحدة من الكلاسيكيات في هذا النوع الرواية التي أعشقها مائة عام من العزلة، التي تبدأ بأشخاص يصنعون منازلهم، في مشهد يأتي من خارج الزمن، يليه ظهور القرية إلى حيز الوجود، وفجأة، كل من في القرية يعزفون على البيانو! فجأة، لم يعودوا فلاحين!

تقفز القصة بعدها وتصبح معنية بالطبقة الوسطى، لن يكون هناك مفلوت إذا ما كانت عمته تعزف البيانو، فشخصياتي تشارك في كفاح اقتصادي أكثر، وفي المرحلة التالية، مرحلة الحياة الثقافية التي تفوق معرفتهم، إذ إنهم لا يجمعون الأشياء ولا يشاهدون الأفلام ولا يقرؤون الصحف، فهم ليسوا جزءًا من التطورات التي أدت إلى الرواية، فهم يعيشون في بيئة لا تشكل بحد ذاتها رواية، وهنا كان يكمن التحدي.

عندما يقول الناس أن ميفلوت فلاح أو متسكع من الطبقة الدنيا، أُصبِح سعيدًا، وأوافق على ذلك، فاختراع بودلير لشخصية المتسكع flâneurجعل من الممكن رؤية شعر يحكي حياة المدينة، فأنا أحب المشي الطويل، والتحديق في واجهات المتاجر وما إلى ذلك، ومع ذلك في النهاية، نجد أن شخصية المتسكع flâneurلدى بودلير هي من الطبقة العليا لا الدنيا، لذا كانت هذه الفجوة الروائية مكمن التحدي لي، لا يحظى ميفلوت بتلك الأشياء التي تملأ الروايات: التحف الفنية، منافض السجائر، الإعلانات، والأثاث، كل شيء تكتبه صفحات البذخ في المجلات نجد أنه مفقود من عالمه، فهو يراهم فقط في مطابخ الآخرين، هذه المشكلة كانت إحدى صراعاتي الداخلية حيث كنت أجد صعوبة في كتابة تلك التفاصيل في هذه الرواية.

بروس روبنز: يبدو ميفولوت سعيدًا عندما يمر بالشوارع ليلًا يبيع البوزا والزبادي، فهو يسعى في مهنة صعبة، ويسير بحمل ثقيل، لكن هل هو سعيد حقا؟

أورهان باموق: لا، الزبادي ثقيل، لكن البوزا ليست كذلك، لذا خمسة عشر كيلوغراما من البوزا ليست ثقيلة جدا

بروس روبنز: هو أيضا سعيد جدا مع عائلته، أتساءل ما إذا كانت إحدى نواياك إعطاء صورة عن السعادة الأسرية في منازل مواطني الطبقة الدنيا؟ 

أورهان باموق: نعم، لكن اسمح لي أن أوضح الأمر بطريقة مختلفة. لا أعتقد أن ميفلوت سعيد جدا عندما يبيع في الليالي الباردة، ولكنه أمر عليه أن يفعله، فهو أمر لا يستغرق أكثر من ثلاث ساعات في الليلة، وفي الثقافات التي يكون فيها النضال من أجل الحياة صعبًا جدا إضافة إلى شعور انعدام الأمن؛ تعد الأسرة أكبر مصادر سعادة المرء، فكلما كانت الحياة أكثر قسوة ووحشية ومسببة لخيبة الأمل في الخارج؛ تشبث المرء عاطفيا بحياة العائلة وتعانق معها، في حين نجد أن البعض الآخر ربما كان راستيجناك واحدًا منهمممن يأتون إلى المدينة بشخصية متطلبة، يضخوا تعاسة الخارج إلى الداخل، فيستجوبون زوجاتهم وأطفالهم وكل شيء، إلا أن ميفلوت لا يفعل ذلك أبدا، فهو يدخل منزله كما لو أنه داخلٌ إلى مسجد.

بروس روبنز: مما يساعد في شرح الجملة الأخيرة، حول ما يهم حقًا في النهاية، ربما لا ينبغي لنا أن نتحدث عن ذلك؟ ومع ذلك فأنا أفترض أنها ليست مفارقة في المقام الأول.

أورهان باموق: لا على الإطلاق، إنها في منتهى اليُسر.

 

*بروس روبنز أستاذ العلوم الإنسانية لمؤسسة أولد دومينيون في قسم اللغة الإنجليزية والأدب المقارن بجامعة كولومبيا.

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى