حدَّث أبو هريرة قال – محمود المسعدي 

مؤمن الوزان


حجم الخط-+=

يُشرع النص الروائي التجريبي الأبواب أمام سؤال الرواية بكل تفاصيلها وتفرعاتها، من شكل ولغة وسرد وتقنيات وبُنيوية وهيكلية إلخ، لأنه يكشف عن نوع نثري مفتوح لا تحدُّه حدود في صيرورة مستمرة وتطوُّر غير منتهٍ، وبدون أدنى شكٍ كان النص الروائي لمحمود المسعدي إحدى هذه النصوص الروائية التجريبية العربية القليلة من نوعها التي تسأل سؤال الرواية ضمنيًا في طيَّاته وبنيويته ودلالاته الأدبية والفكرية. يثير النص التجريبي حالة من اللا استقرار واللا تموضع والخروج عن المسار الذي قد اتفق الكثيرون على أنه المسار الذي لا بد للنص أن يتسم به حتى يشكل رواية أو يسمح لنا أن نُطلق عليها “رواية”، سواء من الجانب اللغوي أو السردي أو الهيكلي أو البنيوي أو الموضوعي أو الفكري أو البُعد الدلالي والتأويلي أو شخصيات العمل. كل هذا نجده في نص المسعدي حدَّث أبو هريرة قال، فهو مغامرة روائية جعلت من هذه الرواية ضمن أفضل الأعمال الروائية العربية في القرن العشرين بعد صدورها في سبعينات القرن الماضي، فالنص رغم حجمه الصغير نسبيّا يحمل في جوانبه العديد من القضايا ويطرح الأسئلة، من أهم الأسئلة في النص هو الامتداد ما بين الموروث السردي العربي والسرد العربي الحديث والمعاصر، فهو في مضامينه يشير إلى إمكانية خلق رواية عربية بامتياز بعيدًا عن السمات التي وُضعت وقُرنت بالرواية الأوروبية، فكل شيء في نص المسعدي وإن لم يرتقِ كليًا إلى التميِّز والدهشة لكنه ارتقى بأصالته وامتداده المتصل بالماضي والأصل، وكان حلقة واصلة أكثر من حلقة جديدة منفصلة، وربما سيكون النص أعلى قدرًا لو كان نصًا معاصرًا بأحداثه، الحياة الجديدة التي يعيشها القارئ لكن إكراهات الأسلوب اللغوي وهيكلة الرواية جعلت من النص محصورًا في فضاءٍ زماني ومكاني ينتمي إلى العصر الإسلامي الأول ظاهريًا. 

وهنا لا بد من السؤال، ما قيمة الأسلوب واللغة إن لم يكونا جزءًا من الحاضر المعاصر والمُعاش للقارئ، ففي نهاية المطاف سيصل النص الروائي إلى القارئ المعاصر لا قارئ من زمن غابر، أو يُستمع إليه في مساجد المدن القديمة ليتلقفه كتَّاب الحديث ويقيدونه في دفاترهم؟ لا مناص من كون اللغة وهيكلة الرواية الخارجية وبنيتها الداخلية التي اعتمد عليها المسعدي جعلوا من التحويرات في النص الروائي صعبة في التكيُّف مع الحياة المعاصرة لكن ما الضير من التجربة، ولا نقلل أو نبخس نص المسعدي حقَّه لأنه فتح المجال لتجربة كتابة نص روائي يقتفي أثر نصِّه وبذات الوقت يكون جديدًا في لغته وملائما لعصره، نصٌ ابن عصره، يفهمه القارئ لغته وأسلوبه اللغوي دون أي إشكالية. لكن نص المسعدي أتى ليؤكد إمكانية كتابة رواية عربية أصيلة برجوعها إلى فن الرواية العربية، والرواية هنا آلية روي الأخبار والأحاديث والحوادث ونقلها عبر رواة عن حدث معين أو زمن أو شخصية. اختار المسعدي نصا ليدور حول شخصية، وشيَّد هكيل روايته من اثنين وعشرين حديثًا منفصلا يتعاهد على روايتها ثلاثة عشر روايًا من بينهم الشخصية الرئيسة، أبو هريرة، وحديثان بالعنعنة، الأول عن ريحانة إضافة إلى حديث لها ترويه مباشرة، والآخر عن أبي عبيدة إضافة إلى حديث له يرويه مباشرة، ونرى تكرر بعض الرواة في أكثر من حديث كما حدَّث أبو المدائن، وحرب بن سليمان، وكهلان، وأبو هريرة نفسه. 

يمنح تعدد الرواة النص جوَّ عالم الرواية القائم على رواية الحديث قديما، وهي آلية نقل الأخبار والأحاديث التي اتبعها المحدِّثون في جمعها نظامًا صارمًا ودقيقًا يعتني بالسند والمتن عندما تعلَّق الموضوع برواية الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم). يتبع المسعدي هذا النظام في جمع الأحاديث ويجعل مصداقية ووثوقية هذه الأحاديث عن أبي هريرة، البؤرة الرئيسة التي تلتقي عندها كل الأحاديث، في محل لا يقبل الشك أو الإنكار والتكذيب سلفًا عند القارئ، فالقارئ وكما يشير تيري إيغلتون بشروعه قراءة رواية فإنه يدخل في اتفاق ضمني مع الراوي أو السارد بأنَّ ما ينقله لنا صدق ولا يحق لنا أن نقول لمَ فعلت الشخصية هذا ولم تفعل ذاك، أو أن نشكك هل فعلت هذه الشخصية حقًا هذا؟ ولا يختلف الأمر عن المسعدي فإن قراءة هذه الأحاديث عن أبي هريرة لا تترك لنا مجال للإنكار أو التشكيك فالعمل قبل كل شيء متخيَّل، لذا فالاتفاق الضمني ما بين القارئ والكاتب قد تمَّ وبشروعنا في القراءة تصبح هذه الأحاديث المروية صادقة والرواة ثقاة، وما يزيد على مصداقية أن ترك المسعدي لأبي هريرة مساحة ليسمعنا صوته ويحدثنا بنفسه ويكون سارد العمل هو الرواي الرابع عشر الضمني في النص الذي سُمِعَ من أبي هريرة لكنه استماع مباشر تتماهى روايته (أي السارد) مع رواية أبي هريرة وصوته (السارد) في صوت الأخير. وما يزيد من إشكالية الثقة في الحديث ما بين القبول المطلق والتصديق وما بين كون الأحاديث قد تقبل الشك والتكذيب، هو في اختيار شخصية باسم أبي هريرة، وتعيش في عصر إسلامي وإن لم يحدد زمنه بدقة لكن الخيار الأول الذي يُطرح لن يكون إلا زمن أبي هريرة، الصحابي المعروف، وأكثر من روى الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم). 

من هو أبو هريرة؟ أله علاقة بأبي هريرة المعروف، وهنا يعمل النص على لفتِ أنظارنا تجاهه لتشابه هيكل نصه مع رواية الحديث النبوي، وكذا الحال في زمن النص ومكانه الذي عرفنا أن أبا هريرة في الرواية قد كان في مكة قبل أن يرى البعث الأول عِيانا مع صاحبه الذي أخذه حتى يرى فتاةً وفتًى، وهما ما كان بداية ولوج أبي هريرة إلى الدنيا، والإشارة واضحة إلى هذين العاشقين المستمتعين بحياة الدنيا وملذاتها في تلك الواحة من الأرض وهما كناية عن آدم وحواء ورمزٌ لبداية الحياة التي كانت تنتظر أبا هريرة الإنسان وتخرجه من مكة، رمز العبادة وحياة الآخرة، إلى الدنيا بملذاتها ومتعها الآنية، وهذا ما سنلاحظه مع تغير أحوال أبي هريرة، الذي يعتنق المذهب الدنيويّ المتنازع عليه في ذاته ما بين الوجودية والعبثية والتصوف، -وإكمالا لسؤال هُوية أبي هريرة- أم لا علاقة له بأبي هريرة وأن الربط ما بين الاثنين هو الاسم فقط، أو أراد المسعدي أن يقول لنا إنَّ ثمة أبا هريرة آخر أو إنَّ هذه هي النسخة الدنيويّة من أبي هريرة الحقيقي أو إنَّ أبا هريرة هو إنسان الوقت الحالي، أو تراه معتقدًا حياتيًا آنيًا مناقضًا لمعتقد الحياة الآخرة ومذهب دنيوي أراد المسعدي عبره أن يتقافز بين العوالم والأفكار والأزمان، ونرى أمارات لهذه كما في الفتاة والفتى (آدم وحواء) أو النفر الذين التقى بهم أبو هريرة في حديث كهلان وكانوا ستة وسابعهم كلبهم (أصحاب الكهف) أو الاستباقية في الزمن والانتقال إلى المستقبل بذكره ابن بطوطة الذي سيأتي في مستقبل الدهر كما يصف أبو هريرة، فهنا لدينا عالم روائي متداخل عبر البؤرة السردية والفكرية في العمل، أبي هريرة. توحي لنا شخصية أبو هريرة أنه مزيج من كل ما سبق، ولا يمكن التيقن من احتمال دون آخر، فهذا التداخل الذي حبكه المسعدي في خلق أبي هريرة جعل منه لا ينتمي إلى مكان وزمان محددين وينتمي إلى كل مكان وزمان، وليس بشخص محدد بل هو كل شخص، وإن طغت عليه النزعة الدينويّة، فيمر في حياته بمراحل عدة لا نعرف الكثير من سابقاتها سوى أنه كان متزوجا ويعيش في مكة، وهي سمات تضفي عليه سمات شخصية عادية حتى يرى مع صاحبه الفتاة والفتى ويبدأ بعثه الأول، البعث إلى الحياة الدنيا المحضة، ثم يبدأ باكتشاف هذه الدنيا ويجرِّب ملذاتها- تعكس هذه التجربة الدنيوية تحرك مياه البركة العبثية في داخله فنراه ينزع إلى العبثية: 

“نذهب فنصلي فيذهب ذلك بغمك. قال: دعوني. نصلي أو لا نصلي ونسعد أو نشقى هل ترون فيه من خير أو شر؟ ثم قال شرُّ ما في الدنيا أنّ الحياة عبث. بل لا أدري. لعله خير ما فيها”. ثم في مرحلة لاحقة في حديثه مع الراهبة ظُلمة الهذلية حين يسألها: “أريد أن أعرف أنا خالق الله أم الله خالقي”، وثمة غشاء ذو طابع وجودي في هذا السؤال، يرغب أبو هريرة فيه أن يرى العالم هل عالمه الذي يعيشه عالم الإنسان أو عالم الله، من خلقه وإلى أين مصير نمضي نحن في هذه الحياة، ثم نراه في مرحلة من مراحل حياته ذا نزعة صوفية متسمة بالتحرر من الروح واعتناق الجسد مما يصل به إلى مرحلة العلو على الحلال والحرام في العبادة، فلا حرمة للحرام فكل شيء مباح. لكنها إباحة نابعة عن فكرة عبثية الحياة وانطلاقا أحيانا من معتقد الوجود بأنه أصل الخير والشر والجنة والنار. أما في آخر مراحل حياته فقد وصل إلى مرحلة من اللهو أو هو نوع من الانعتاق من ربقة كل شيء في هذا العالم فيوصف في حديث الهول أنه يصلي فكأنما يلعب. نتيجة لكل هذه التقلبات الفكرية والميل الدنيويّ يتجه أبو هريرة نحو الفردانية والانعزال عن الناس بين فينة وأخرى مددًا طويلة، ويروي أبو مسلمة السعدي في الحديث التاسع عشر: “كان أبو هريرة كالماء يجري. لم نقف له في حياته على وقفة قط. كالمستعد إلى الرحيل لا ينقضي عنه الرحيل”. فأين موقع أبي هريرة من كل هذا سواء مكانًا أو زمانًا أو ذاتًا وفكرًا؟ لا مكان ولا زمان ولا ذات له هو متنصل من كل شيء، ماءٌ جارٍ لا يقر له قرار، متدفقٌ منذ بداية الحياة إلى نهايتها، لأنه أبو هريرة. 

عمل المسعدي على هذه التفصيلة المهمة في حياة أبي هريرة بتعدد الأصوات الراوية عنه التي تجعل النص ذا وجوه متعددة فحياة أبو هريرة ذات أشكال كثيرة وهي جزء من طبيعة حياته ولا يمكن لراوٍ واحد أن يتمكن منها كلها وحده، وإن تمكَّن منه ضُرب النص الروائي وشخصيته المركزية في صميمه، فتقلبات أبي هريرة الحياتية، وهيكل الرواية عموما يجعل من النص ابن الرواة وليس من قدرة أي راوٍ أن يقف على كل ما يخص أبي هريرة دون أن يطاله الشك والتكذيب لأنَّ ليس بإمكان الثابت أن يناطح المتغير المستمر في تغيُّره والدائر في الحياة مع دوران ليلها ونهارها. 

درع اللغة   

إنَّ الامتداد ما بين هذا النص الروائي والمرويات السردية التراثية العربية لا يكتمل إلا بعامل اللغة العربية العالية الألفاظ والأسلوب، وهنا مكمن درع النص الذي حُبك وسُبك باللغة التي مازت بأنها ابنة عالم النص الروائي لا عالم التلقي القرائي، وهو يفتح سؤال اللغة الروائية هل هي ابنة العصر الكتابي لها أو ابنة الزمن الروائي الذي يتعامل النص معه؟ لا شك أن الجواب يحمل الأمرين فلكل نص ضوابطه الخاصة وأسسه التي يُشيَّد عليها لغويًا لكن ستكون اللغة وقتها جزءا من الدرع الروائي لا الدرع وحده؛ لغة المسعدي هي درع الرواية وباختياره لهذا النوع من اللغة العربية التي تنتمي إلى زمن النص الروائي الداخلي فقد تهيَّأ لكل إكراهات مفروضة ضمنيًا في نصه وترك لنفسه مساحة كافية يعمل من خلالها على بناء نصه بعد تشييد هيكله على رواية الأحاديث المتنوعة، هذا الهيكل العام للنص جعل من اختيار هذه اللغة بالذات ضرورة لا بد منها، فاللغة يجب أن تكون لغة عصرها لا سيما إذا تعدد الأصوات الراوية تعيش في زمن محدد تنتمي إليه اللغة المستخدمة وأي تغيُّر في استخدام لغة لا تنتمي إلى عصرها سيضرُّ بالنص لأنه سيبدو وقتها فجًا وركيكا وسرعان ما سيتهاوى ويبدو خاويًا، فلغة الرواية تناسب هيكلة الرواية وبُنيتها في هذا النص تحديدًا، لا سيما وأن الأصوات جميعها هي أصوات من داخل النص لا خارجه، فنحن لا نعرف للسارد صوتًا منفردًا خاصًا به، لا صوت يأتي من خارج النص، كل الأصوات تنبثق من شخصيات النص. إنَّ اللغة إذًا في هذه الحال ذات مسار محدد واحد وخيار لا آخر، لغة عربية عالية الجودة والأسلوب، تتبع درب الموروث السردي التراثي، وهنا يتبادر إلى الذهن أكثر من سؤال منها هل سينجح النص إن لم يستخدم هذه اللغة؟ الجواب كما أشرت سلفا لا نظرًا لطبيعة النص الخاصة، والثاني هل يمكن استخدام هذه اللغة العالية في نص لا ينتمي زمانًا ومكانًا إلى عالمه؟ لا بد أن تكون اللغة ابنة نصها وعصرها، فلغة نص المسعدي لغة خاصة بحقبة قديمة محددة، سيكون إعادة استخدامها في نص ذي زمن روائي متأخر خيارًا غير موفَّق مع التفصيلة المقترنة في النص والمرتبطة بمن سيروي ويسرد النص هنا. لنص “حدَّث أبو هريرة قال” أصواته المنتمية إلى زمنه، فللراوي زمنه ولشخصياته زمنها وللنص زمنه ولكل زمن لغته، فمعيارية اللغة زمنيةٌ والكاتب مُقيَّد برباط زمن لغة ومستويات متحدِّثيها، والسؤال الأخير ما علاقة اللغة بهيكلة النص؟ يتضح لنا نوع من التحرر بفك الارتباط ما بين لغة النص وبين هيكله، فبالامكان الاستفادة من هيكلة نص المسعدي في كتابة نص روائي حديث متعدد الوجوه ومصادر الأخبار ومتغير الأصوات السردية يربط فيه ما بين النص التراثي السردي والنص المعاصر السردي دون الحاجة إلى اتخاذ لغة عالية، فهذه اللغة العالية لم تعد ابنة عصرها بأي شكل من الأشكال، فقد تطوَّرت اللغة كما تطوَّر الأدب النثري وأصبحت الرواية اليوم ذات مكانة لم تكن عليها في الأمس أو لم توجد من الأساس حتى، وتبقى وظيفة هذه اللغة إعادة تشييد العوالم السردية التاريخية في رؤية جديدة معاصرة تنقِّب في حقب الماضي وتقدِّمها ضمن منظور الحديثِ للقديم والمعاصرِ للتاريخي، عدا ذلك فإنَّ اللغة العالية لا مكان لها في الرواية إلا بما يتوافق مع طبيعة النص وزمنه ومكانه وراويه. 

ختامًا، تبقى تجربة المسعدي الروائية تجربة مثيرة للاهتمام وجديرة بالاعتبار والتلقّي الدارس والفاحص وأن ينظر إليها نظرة جادة تستخلص منها فوائدها الروائية التي يمكن إعادة استثمارها في صنع الحلقة الواصلة بين عالمين، قديم وحديث، وسد فجوات القطيعة بين السرد التراثي والمعاصر، وبالعودة إلى الأصول السردية تتاح لنا إمكانية كتابة رواية عربية خاصة بنا لا أن تتبع في أطرها الخارجية وبُناها الداخلية نتائجَ وسماتٍ محددةً تأتت عن سياقات لا ننتمي إليها اجتماعيا وفكريًا ولغويًا وأدبيًا.   

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى