جين إير

شارلوت برونتي


حجم الخط-+=

مؤمن الوزان  

لم يكن مُقدَّرًا في ذهن شارلوت أن تكون “جين إير” روايتها الأولى عندما أتمَّت رواية “الأستاذ” التي كتبتها بعد سفرها مع إيميلي إلى بروكسيل في عام 1842 من أجل فتح مدرسة خاصة إلا إن الظروف العائلية والحياتية لم تُوفقهما لفتحها، وكذا الحال مع رواية الأستاذ التي لم يُوفَّق نشرها حتى عام 1857 بعد وفاة شارلوت لتكون أول رواية تكتبها وآخر ما نُشر من أعمالها الكاملة. 

سعت الأخوات برونتي بعد نشر ديوانهن المشترك بأسماء ذكورية مستعارة (كورير وإيليس وأكتون) في أوائل شهر أيار/ مايو 1846 -الديوان الذي لم يحظَ باحتفاء القرَّاء ولا بنجاح تجاري فقد بيع منه نسختان منه؛ مما دفع الأخوات بإرسال عدة نسخ إلى أبرز شعراء عصرهن وعلى رأسهم وردوزورث مع رسالة إهداء كتبتها شارلوت- إلى نشر أعمالهن النثرية فقُيِّض لكل من إيميلي وآن، الأختين الصُغريين، قبول روايتيهما “مرتفعات وذرينغ”، و”أغنيس غري” من قبل دار Newby ورُفِض عمل شارلوت “الأستاذ” في النصف الأول من عام 1847. حاولت شارلوت مجددًا مع أكثر من ناشر ونصحها الناشر السادس “Smith, Elder, and Co” لو أن لدى “كورير” عملًا آخر لننشره، وأن السبب لا يكمن في سوء رواية “الأستاذ” لكن لدوافع تجارية فمن الأفضل نشر عملٍ آخر في ثلاثة مجلدات للكاتب*؛ أرسلت لهم شارلوت مخطوطة رواية “جين إير” في الثالث والعشرين من شهر آب/ أغسطس 1847.

ومع أن الناشر “Smith, Elder, and Co” طلب إجراء بعض التعديلات على النص فقد رفضت ذلك شارلوت “كورير” لأنها عدَّلت على العمل كثيرًا** وأن أي حذف آخر قد يطوَّح بالعمل، ونشر العمل كاملًا في السادس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 1847 في غضون ثمانية أسابيع من إرسالها، ولمَّا تُنشر روايتا إيميلي وآن بعد، اللتان نُشرتا لاحقا في أقل من شهر. حظيت رواية “جين إير” بنجاح كبير، فوصفتها مجلة ويستمنستر ريفيو بأنها رواية الموسم، وكتب الروائي “ثاكري” إلى ناشرها William Smith Williams*** بعد أسبوع من نشر العمل مادحًا إياه وطالبًا منه إبلاغ احتراماته للمؤلف، الذي كانت روايته أول رواية إنجليزية كان قادرًا على قراءتها في يوم واحد. أهدت شارلوت العمل في طبعته الثانية في كانون الأول/ ديسمبر من ذات العام إلى ثاكري ووصفته في مقدمتها للطبعة بأنه “مجدد العصر الاجتماعي الأول”، ويبدو أن هذا اللقب نتيجة لعمل ثاكري الشهير “معرض الغرور Vanity Fair” الذي انتقد به المجتمع الإنجليزي بعد الحرب النابليونية بسخرية وهجاه. 

لم تكن ظروف كتابة رواية “جين إير” تقل معاناةً عن ظروف نشرها، فقد كانت سنة 1846 سنة عصيبة، شهدت استمرار تدهور صحة أخيها الأكبر برانويل نفسيًا وجسديًا****، ومرض والدها في عينيه وإعتامهما مما اُضْطُرَّ شارلوت للسفر مع والدها إلى مدينة مانشستر لإجراء عملية جراحية تكللت بالنجاح، إلا أن أسوأ ما في هذه السنة لشارولت كان متمثلًا في شقين الأول هو معاناتها من ألم الأسنان الذي استمرَّ طويلًا والآخر برفض الناشرين روايتها الأولى “الأستاذ”. وصفت شارلوت نفسها تحت كل هذه الظروف السيئة بأنها “مُنهكة ومكتئبة” وبدأت في ظل كل هذه الظروف الصعبة والمُتعبة في كتابة رواية “جين إير”، وكما تحدد كلاير هيرمان في “سيرة شارلوت” مدة الكتابة ما بين شهرين آب 1846 وآب 1847 مع أن أول ذكر لقصر غيتسهيد في مخطوطة مُسوَّدة للعمل يعود تاريخها إلى عام 1844. وشهد شهرَ آب/ أغسطس الذي قضته شارلوت مع والدها في مدينة مانشستر- ثلاثةُ أسابيعَ من كتابة مكثفة ومستمرة لرواية جين إير كما تذكر ريبيكا في “سيرة شارلوت” حيث كانت الأخيرة ضحية “الإثم والمعاناة”.

*

إن الشرائع والمبادئ لم تُجعل للأوقات التي يُفتقد فيها الإغراء: لقد جُعلت للحظات مثل هذه اللحظة، عندما يتمرد الجسد والروح على قسوتها. جين إير. 

*

لم تكن قصة جين إير بعيدة كل البعد عن شخصية شارولت وحياتها فقد استقت كثيرًا من أحداثها وشخصياتها من حياتها الشخصيّة وما عاصرته في المدرسة الداخلية “Cowan Bridge” من ظروف سيئة ثم في المدرسة الداخلية “Roe Head” الأخرى حيث درست وعملت ثم في عملها مربيةً لاحقًا أيضا. صبَّت شارلوت كل هذه الخبرات والتجارب في روايتها وبطلتها جين. 

تمتاز شخصية جين بالعقلانية وتحاول أن تزيح العاطفة عن قراراتها والاحتكام إلى ما يتوافق مع الواقع والعقل وما يعود بالنفع والمصلحة ويتوافق مع ذاتها ونفسها، وهي أيضا ذات روح جامحة منذ صغرها تكبر معها هذه الروح والكبرياء بمرور الزمن فلا ترضى بالذل والهوان وتبقى عنيدة وشرسة الرأي والنفس ولا تنام على ضيم وصريحة المشاعر والإفصاح كما في كرهها لزوجة خالها سارة ريد أو مواقفها مع روتشيستر وسانت جون، وتقول لزميلتها في مدرسة لو وود: 

“لو كنت في مكانك إذن لكرهتها، إذن لقاومتها، ولو قد ضربتني بذلك القضيب إذن لانتزعته من يدها وكسرته على مرأى منها”. 

 وتقول: “على العكس، إن لك فضلا كبيرًا: أنت طيبة مع من يعاملك معاملة طيبة. وهذا أقصى ما أطمع أنا فيه، أبد الدهر. ولو أن الناس تعلَّقوا دائما بأهداب اللطف مع من يعاملهم بوحشية، وظلم، لو أنهم خضعوا دائما لهم، إذن لمضى الأشرار على هواهم، وإذن لما استشعروا الخوفَ أبدًا، ولمّا قُدِّر لهم أن يغيروا ما بأنفسهم: على العكس إن ذلك خليقٌ أن يزيدهم إمعانًا في الغي والضلال. وحين نُضرب لغير ما سبب يتعين علينا أن نرد، في قوة وعنف، بضربة مماثلة. أنا واثقة من أنه يتعين علينا ذلك، وفي قسوة كافية لتلقين من يضربنا درسًا لا يعود إلى مثل ذلك كرة أخرى”. 

تبرز من كلماتها سماتها وطباعها التي بقدر ما تعطيها تأخذ منها لتبقى تخوض صراع العاطفة والعقل مانحةً العقل الحكم النهائي لكنها تمزجه بالعاطفة فيصبح نوعًا من “عقلانية عاطفية” فتقول: “إن العاطفة من غير عقل هي في الواقع شراب مخفف ولكن العقل الذي لا تلطفه العاطفة هو لقمة مريرة جافة في البلعوم، فليس في ميسور البشر ازدرادها”. 

تتجمع لدينا كل هذه الصفات الشخصيّة لجين، الفتاة اليتيمة، وتتطور في مراحل حياتها الأربع التي يتوزع العمل فيها: 

– مرحلة الأولى: العيش مع زوجة خالها مسز ريد في غيتسهيد والمعاملة السيئة لأبناء خالها جون وأليزا وجورجينا.

في هذه المرحلة تنمو الروح الجامحة لجين، وتكون المعاملة السيئة لأسرة زوجة خالها، السبب الرئيس والكامن في بروز شخصية جين الجامحة والقوية وحتى ذات الطباع الحادة في وجه من يسيء لها والتي رغم قصرها فقد كانت كافية لنرى أثرها فيها لاحقا وفي تطور شخصيتها بكل سماتها في: 

 

– المرحلة الثانية: المدرسة لو وود الداخلية وظروف الحياة القاسية والصعبة هناك.

تتعرف جين خلال السنوات الثماني التي قضتها في مدرسة لو وود على عالم جديد أول لم تعهده من قبل وتعاني في مدرسة يتكفَّل بها المحسن بروكلهورست، وفي هذه المرحلة بالذات يظهر أول النقد الذي توجهه شارلوت في الرواية إلى طبيعة الإدارة الكنسية المتشددة بحق الطالبات اللائي فقدن ذويهن وعشنَ عالات على أقربائهن- المتمثلة في بروكلهورست، وكذلك تمزج ما بين نقدها للوضع وبعض التعاليم المسيحية على لسان جين: 

– أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم وظالميكم. 

– وإذن فيتعين عليَّ أن أحب مسز ريد، وهذا عمل لا أستطيعه. ويتعيَّن عليَّ أن أبارك ابنها جون، وهذا شيء مستحيل. 

– المرحلة الثالثة: قصر ثورنفيلد والعمل مربية لآديل والعلاقة مع مستر إدوارد روتشيستر.

شغلت المرحلة الثالثة من حياة جين الجزء الأكبر من العمل ابتداءً من العمل مربيةً، وهي المهنة التي عملتها شارلوت وعانت فيها ما عانت لا سيما مع النظرة الازدرائية للمربيات فلا هنَّ يُعاملن معاملةً حسنة بكونهن مربيّات لا خادمات ولا هنَّ يعاملن معاملة خدم، وقد أبدت شارلوت امتعاضها من هذه الحال في رسائلها، إلا أن جين حظيت بمعاملة حسنة في قصر ثورنفيلد قبل أن يتغير مسار وضعها بعلاقتها الغراميّة مع السيد روتشيستر الذي يكبرها بالسن بقرابة عقدين. وقد يكون سبب هذا العلاقة الرئيس ما بين جين الفتيّة في مقتبل العمر وروتشيستر الأربعيني هو شعور جين وحاجتها إلى دفء الأبوة الذي حُرمت منه، سواء جين أو حتى شارلوت وأخواتها فنرى غياب واضح لدور الأب رغم أن والدهنَّ كان حيًّا في حياتهن ولعل التقصير العاطفي الأبوي أو حتى انعدامه الذي افتقدته الأخوات ظهر جليًّا في أعمالهن وشخصياتهن. ويظهر جانبٌ حياتيٌ آخر لشارلوت في هذه العلاقة وخاصة الحب من طرف واحد الذي كنَّته إلى الأستاذ كونستانتن هيغير الذي درَّسها في بروكسيل وجسَّدت العلاقة بشكل أبرز في رواية “الأستاذ”، وفي علاقة أخيها برانويل وحبّه للسيدة روبنسون عندما عمل مرشدًا لابنها وهي علاقة بائت بالفشل أيضا، فتمَّ المزج ما بين العلاقتين في علاقة جين وروتشيستر، سواء من ناحية التصويرية العميقة للحب التي ظهرت بإنسانيتها وعاطفيتها صادقة جدًا ومؤثرة أو في العارض التراجيدي والدرامي الذي منع زواج الاثنين. واضطرَّ جين للانتقال إلى:  

 

– المرحلة الرابعة: مرحلة هاوس مور في مورتون والعلاقة مع سانت جون وديانا وماري والعودة إلى روتشيستر. 

 

بلغَ نضج جين أوجه في هذه المرحلة، حين تتساوى العاطفة مع العقل ويحكمان معًا شخصها، واتخاذ قراراتها، وإبراز الهُوية الجَينيّة المستقلة والطامحة والراغبة في تحقيق ذاتها ببروز وكمال لما أظهرته في مرحلة ثورنفيلد، وهي الشخصية التي احتفت بها الأوساط النسوية لما أبدته جين من طموح وسعي لأجل إثبات كيان المرأة ومساواتها مع الرجل في المشاعر والجهد والاجتهاد والحياة وأنها ليست كائنًا أقلَّ منه في شيء، بل وفي الوقت الذي يعتقد أنها أقلُّ منه فهي وقتئذ تكون أكثر من أي وقت آخر مساوية له ونظيرته وليست دونه. والرواية مليئة بهذه الروح الجَينيّة النسوية الثائرة، والتي عملت الأخوات برونتي على إظهار المرأة في رواياتهن على عكس المد السائد وقتها في التصوير السطحي للمرأة، الأمر الذي دفع الناقدة إليزابيث إيستلايك في القرن التاسع إلى شجب رواية جَين إير ووصفها بأنها “تجسيد للروح غير المنضبطة والفاسقة”*****. 

– جين الزمي الهدوء، ولا تحاولي الإفلات مني مثل طير طائش مذعور يغريه اليأس بالفرار ولو جُرِّد من ريشه كله. 

– أنا لستُ طيرًا وليس في طاقة أيما شرك أن يُطبق عليَّ. أنا كائنة بشرية حرة ذات إرادة أمارسها الآن إذ أعلن أني سأفارقك. 

*

السرد في الرواية

اعتمدت شارلوت في سرد الرواية على اختيار راوية داخلية للعمل وهي جين نفسها التي تسرد قصتها بصيغة “سيرة ذاتية” تكتبها بعد مرور أكثر من عشر سنوات على زواجها من روتشيستر، أي في العقد الرابع من عمرها. يمتاز هذا الأسلوب بعدة مزايا منها:

– الخطاب الموجَّه إلى القارئ، فجين تخاطب قرَّاءها كما في: 

وليضف  القارئ إلى هذا، لاستكمال الصورة، قسمات وجه ناعمة، وبشرة نقية برغم شحوبها… 

فهي لا تكتب نصًا متخيلًا تُوهمُ قارئها أو تحاول إقناعه بحقيقته لكنه نص سِيريّ تجعل القارئ عارفًا وفي تماس مباشر مع نصها وحياتها، ولعل ما كتبته شارلوت على مخطوطة العمل الذي أرسلته إلى دار النشر حين خطَّت “سيرة ذاتية” يُعلل هذا الأسلوب، ويجعل من رواية جين إير في ذات الوقت نافذة مُطلَّة على حياتها.

– السرد التصاعدي الذي تشوبه عشوائية حيث انقطاع سرد القصة في بعض الفقرات والأحداث والبدء بالتعليق عليها أو العودة إلى أخرى أسبق مستدركة وموضِّحة نقاطًا ناقصة، أو حتى التحليل للأفعال التي تقوم بها في نوع من ميتا سردية، كما في: 

وكان ثمة سبب لهذه الحرية وتلك المتعة النادرتين، سبب أمسى من واجبي الآن أن أطلع القارئ عليه.  ألم أصور “لو وود” موطنًا بهيجًا يفيء إليه المرء عندما قلت إنها مكتنفة بالكثبان والغابات،… 

– تعتمد جين في سردها على الذاكرة، ويمكنني أن أعدَّ هذا الأسلوب المستخدم في بعض سماته النواة الأولى التي سينمو منها أسلوب بروست في سباعيته “البحث عن الزمن المفقود” إذ القفز بين الأحداث وتداخلها والاعتماد على الذاكرة سرديًا وزمنيًا بعشوائيتها وعدم انتظامها، وجين واعيةٌ بهذه سمة الذاكرة هذه فتقول:

ولكني لا أقصد أن أجعل من هذا الكتاب سيرة حياة نظامية، ولن أفزع إلى ذاكرتي إلا عندما أعلم أن استجابتها سوف تنطوي على قدر ما من الإمتاع. 

إلا إنها لا تجسِّد خاصيّة الذاكرة السردية في عدم انتظامها كما فعل بروست ولم تركّز عليها بل ركَّزت على القصة وأحداثها، فغايتها القصة والموضوع قبل الفنيات الرواية والتقنيات السردية.

– لما كان السرد عن الزمن الماضي وتصاعديًا حتى وقت الكتابة، فقد استثمرت جين معرفتها بأحداث قصتها في سردها من خلال التقدم الزمني للسرد واستباق الأحداث اعتمادًا على الذاكرة والتذكر، كما حصل أولا في الاستباق الزمني حين سردت نهاية جورجيانا التي تزوجت رجلًا ثريًا، ورهبنة أليزا، والأخرى في مور هاوس وتقدمها لتعلم القارئ أن اللغة التي كانت تنطق بها ديانا وماري هي الألمانية. 

– لم تكن جين الساردة الوحيدة في قصتها فقد اعتمدت على ساردين داخليين وقصص داخلية لزمن سابق لبداية قصتها ومتجاوز لزمن الحدث الأول كما في كما في حالة روتشيستر وعلاقته مع الممثلة، وفي قصِّ سانت جون لقصة الوريثة. 

– إن القارئ للأخوات برونتي يلتمس بوضوح تفوق شارلوت السردي بل وأستاذيتها مما لا يبقي مجالًا للشك حول أسبقيتها الأدبية على أختيها وفي أحقية كونها واحدة من أعلام الرواية الإنجليزية الكلاسيكية، فهي مثل أختيها ذات ملكة لغوية ثرية وقوية ومقدرة فاتنة في تطويع اللغة، ووصفها الجسماني والصفاتي والسلوكي للشخصيات هو الآخر يفوق أختيها وقد يدانيه وصف آن في رواية “أغنيس غري” لكن شارلوت لها اليد الطولى والأفضلية في هذا الجانب على أختيها. 

* 

 لم تنل رواية جين إير ما نالته من فراغ، فهي رواية تكوين وأفكار، سلّطت الضوء على ثنائية الرجل والمرأة، ومعاناة الأخيرة في مجتمعها وقتئذ، واختلاف أدوار النوعين (الذكر والأنثى) والاستقلال المادي، والعمل، والاعتماد على الذات، وقدَّمت شارولت في جين إير قضايا محورية ورسمت شخصياتها بدقة وبراعة وضخَّتها بالرؤى والتطلعات والفلسفات الإنسانيّة والاجتماعيّة، إضافة إلى سبر العلاقات الإنسانية ودراستها، وموضوع الحب والمشاعر وتصوير العاطفة ورسمها بدقة متناهية بملهاتها ومأساتها، ولا يقتصر الأمر على جين شارلوت بل يشمل كذلك أختيها، الأمر الذي يدفعني للتساؤل مندهشًا ومتعجبًا من مقدرة شارلوت وأختيها على تقديم كل هذا الإبداع الأدبي والإنساني، وهي (وهنَّ) لم تعش إلا في هاورث المنقطعة والنائية على ضوضاء الحضارة والكثافة السكانية والعلاقات الاجتماعية المتشعبة وما لقيت من حظ العمل والسفر بعيدًا إلا القليل فكيف تأتَّى لها كل هذا! يكمن هنا سر الأدباء العِظام وقيمة الأدب الحقيقي في تقديم زبدة الخبرة الإنسانية (حقيقةً وخيالًا) بشقيها الحياتي والفكري إلى القارئ، هذا الأدب الخالد الذي، وعلى رغم مرور أكثر من قرن ونصف قرن، ما زال يُقرأ وبنَفَس جديد، كاشفًا ومانحًا أسراره وجواهره.    

 

* يبدو أن السبب يكمن في صغر حجم رواية الأستاذ فلا يُمكن نشرها في ثلاث مجلدات، ويتضح من نشر روايتي إيميلي وآن “مرتفعات وذرينغ وأغنيس غري” في ثلاث مجلدات بطبعة واحدة (اثنان لمرتفعات وذرينغ وواحد لأغنيس غري) وكذلك نشر رواية آن الأخرى “نزيلة ويلدفيل هال” في ثلاث مجلدات، يكمن في الجمهور الإنجليزي القارئ وقتها عادةً بقيمة الرواية ذات المجلدات الثلاثة، ولعل مصداق هذا الأمر واستمراره حتى وقت متأخر من القرن التاسع عشر في الشارع القرائي الإنجليزي قول أوسكار وايلد في كتابه “الناقد فنان”: أيُّ شخصٍ قادرٍ على كتابة رواية من ثلاثة مجلدات. يتطلَّب منه الأمر جهلٌ تامٌ بالأدب والحياة فحسب.  

** تذكر شارلوت في رسالتها إلى الناشر أنها نقَّحتها وعدلت فيها مرتين قبل إرسالها، وأنها غير راغبة بإجراء أي تعديل آخر للمحافظة على العمل خشية أن يُدمَّر. 

*** قرأ وليام مخطوطة العمل وبعد قراءتها مررها إلى إيلدر الذي قرأها في يوم الأحد من بعد وقت الإفطار وحتى وقت العشاء، لاغيا كل مواعيد يومه وقتها لغرقه في العمل وإعجابه به. 

**** فشل برانويل في أربع مهن عمل بها: رسام، ومؤلف، ومعلم، وكاتب. والمهنة الوحيدة التي كانت مناسبة له هي رسام بورتريه إلا أنه أهملها كما البقية، وبدا أنَّ لا عمل مناسب له، مع أن غروره انحدر به إلى مهنة كاتب رسائل. وبعد التخلي عنه في عمل داخل محطة قطار عاد إلى المنزل في عام 1842 كله خزي ورجلا بائسا من أعماقه. لذا فقد كانت الوظيفة الجديدة التي استطاعت آن لدى أسرة روبنسون أن تؤمنها له بادرة أمل جديد إلا أنها كانت على العكس تمامًا نذيرَ شؤم للأخ التعيس الذي وقع في غرام السيدة روبنسون التي وُصفت بأنها في منتهى الجمال، وكان برانويل يُمني نفسه بعد أن وقع في عشقها بالزواج منها بعد وفاة زوجها، وكانت له لقاءات معها، الأمر الذي لم يكن يُرضي آن وينافي أخلاقياتها ولربما شعرت أنها قد تكون المسؤولة عن برانويل في أي فضيحة أو مصيبة يرتكبها أخوها الذي قاده هذا العشق المحموم إلى التدهور الصحي والإدمان على الأفيون واستدانة الكثير من المال، وتفاقم وضع صحته سوءا بعد تبدد أوهامه، وتوصية السيد روبنسون قبيل وفاته بعد أن عرف بولع برانويل بزوجته بمنع زواجهما، وهو الذي كان ذا مكانة في حياته، وبدت زوجته هي الأخرى أنها في نزوة مع برانويل لا علاقة نابعة من مشاعر صادقة، وانتهى المطاف ببرانويل ميتًا بسبب هذا الحب الفاشل وما ترتبت عليه من مصائب أثقلت كاهله وصحته المتعبة. Anne Bronte – Winifred Gerin 

وكما تذكر ريبيكا في سيرة شارلوت فإن شارلوت قد أسقطت شخص برانويل في شخصية بيرتا مايسون، زوجة روتشستير المجنونة، كما أخذت إيميلي من قصة عشقه الفاشل في علاقة هيثكليف وكاثرن إرينشو. Charlotte Bronte – Rebecca Fraser

أما آن فالقارئ لسيرتها وروايتها “نزيلة ويلدفيل هال” يرى أنها قد شطرت شخصية برانويل بجانبيها الخيّر والشرير في شخصيتي جيلبرت وهنتنغتن. 

***** Writers their lives and works. 

المراجع: 

– رواية جين إير. 

– Charlotte Bronte – Claire Harman. 

– Charlotte Bronte – Rebecca Fraser.

– Anne Bronte – Winifred Gerin.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى