جين أوستن (1775-1817)

Great Thinkers 


حجم الخط-+=

ترجمة: مؤمن الوزان

اع ذكرُ جين أوستن وأحبَّها الناسُ لأنها كانت مُرشدًا بهالةٍ جذَّابة إلى الحياة العصريّة في عصر الوصاية البريطاني (كان رسميًا ما بين 1811-1820). نالتْ أوستن الإشادة والإعجاب لتصويرها حياة البيوتات الأنيقة، وحفلات الرقص، والخدم والحَشَم، والشُبَّان المهندمين ذوي الباروكات. بيد أنَّ مَهمتها الأولى ورؤيتها كانتْ في موضعٍ آخر تماما، فقد كانت امرأة طموحا، وحازمة، وأخلاقيّة. تمتَّعت أوستن بوعي حادٍ للمشاعرِ البشريّة، واعتلجَت في صدرها رغبةٌ جارفة لجعلِ الناسِ ألطفَ، وأعقلَ، وأنبل، وأقلَ أثرةٍ، وأكثرَ إحساسًا بحاجات الآخرين.   

وُلدتْ أوستن في سنة 1775، وترعرتْ في قرية صغيرة في هامبشاير حيث عملَ والدها خوريًا أنجلياكيًّا. امتازتِ العائلة بمقامٍ اجتماعي مرموق لكنها عانتْ ضيقَ ذاتِ اليد. شرعتْ أوستن بالكتابة في حداثةِ سنِّها، وفي الحادية والعشرين من العمرِ حظيتْ بناشرٍ كبيرٍ لروايتها. كان بلدها بريطانيا في معظمِ سني بلوغها في حربٍ ضدَّ نابليون، وانخرطَ اثنان من إخوتها في الجيش، وأصبحا أميرالين في البحرية. كتبت أوستن على طاولة ثمانية الأضلاع، كما كانت راقصةً ماهرة، ومولعةً بالتأنق على أكملِ وجهٍ وأفضله. وامتازتِ بالحيوية والأناقة والبراعة، ولم تتزوجْ قطُّ، مع أنَّها كانت محطَّ أنظارٍ وأُغويتْ في أكثر من مناسبة. عاشتْ أوستن أغلبَ حياتها بسعادةٍ في بيوتاتٍ صغيرةٍ في الريف مع أختها كاسندرا. 

اختارتْ أوستن أن تتسلَّحَ بالرواية في صراعها لإصلاح البشرية، وأتمَّتْ ستَّ روايات هي دير نورثانغير، كبرياء وتحامل، العقل والعاطفة، مانسفيلد بارك، إيما، إقناع. وفي السطور التالية ما رامتْ أوستن أن تُعلمنا إيَّاه. 

1- دعْ حبيبَكَ يُرشدُكَ 

أبغضَ في رواية كبرياء وتحامل كلٌّ من السيد دارسي وإليزابيث بينِت صاحبَه أولَ الشوطِ، ثم أدراكا تدريجيًا أنها يهويانِ بعضًا، وشكَّلا واحدًا من أروعِ الأزواج العشَّاقِ. كان دارسي وسيمًا، وغنيًا، وذا عَلاقاتٍ رفيعة، أما إليزابيث فهي جميلة، وحاذقة، ومرحة. والسؤال لمَ لاءم هذان الزوجان أحدهما الآخر؟ تركتنا جين أوستن على محجةٍ بيضاء، ولم يكن سببها الذي نميلُ للتفكيرِ به في وقتنا المعاصر على سهولته ويسره: كان أحدهما قادرًا على تعليمِ صاحبه وتحسين حاله. حين وصلَ السيد دارسي إلى الحيّ شعرَ بأفضليته وعلوِّ قدره على الآخرين لأنه أغنى منهم وأعلى منزلةٍ. وأدانتْ إليزابيث في اللحظة المؤاتية بوجهه عجرفتَه وغرورَه. تبدو الإدانة وقحةٍ وشنيعة، لكنه أقرَّ لاحقًا بأنَّ ما حدث هو ما احتاج إليه:   

“أما كنتُ أستحقُ ما وجَّهتِه إليَّ ساعتئذ؟ حين أستذكرُ ما قلتُه، وسلوكي، وأسلوبي، وقولي، يتنابي ألمٌ يفوقُ الإفصاح. كان توبيخكِ إيَّاي في وقته، ولن أنساه ما حييت. لقد أسديتِ إليَّ معروفًا في درسٍ، صَعُبَ عليَّ احتماله أوَّلَ الأمر، لكنه نافع جدًا. وبفضلكِ صرتُ أكثرَ تواضعًا”. 

شاركته إليزابيث قولَه في أنَّ الحبَّ تعليمٌ. ووافقَ دارسي إليزابيث لأنه: “كان في ذلك الاتحاد نفعٌ للاثنين، فبفضلِ سهولتها ولينها لطُفَ عقله وصَفَتْ نفسه، وتحسَّنتْ سلوكه وأساليبه، وبفضلِ حُسنِ تقديره، وعلمه، ومعرفته بأحوال العالم أبصرتْ في نفسها منزلةً أكبر”. ولهو درسٌ غريبٌ علينا أن نتعلمه اليوم إذ ما زلنا ننزعُ نحو حبِّ أناسٍ قد اكتملوا في أنفسهم ولا سانحة عندهم للتغيير، وعلينا تقبُّلهم تماما. إنَّ نصفنا الآخر، كما تقول جين، ليس الشخصُ الذي يجعلنا نشعر بالراحة والألفة، بل الذي يسعه أن يجعلنا نتغلَّبُ على فشلنا ونُمسي أنضجَ وأصدقَ وألطفَ، وأن نبادله المِثْلَ بالمِثْل.    

في كبرياء وتحامل، ارتقى دارسي بإليزابيث وارتقت هي به، وتركتهما الراوية يعقدان خِطبتهما. كافئتهما القصَّةُ لأنهما نضجا جيدًا، ولهذا السبب تظهرُ الرواية أنَّها ذات بُنيوية رائقة. لا تكمن أهميّة الرواية في ابتكارها، لكنها توضِّحُ حقيقة راسخة: يعتمدُ الزواجُ على النضوج والتعليم. 

2- لا ينبغي لنا أن نتوقف عن الحكم على الناس لكن أن نحكم عليهم بصوابٍ أكبر 

تبدأ رواية مانسفيلد بارك حين تذهبُ الهادئة الحَيَّية فاني برايس للعيش مع أبناء عمومتها الأغنياء، آل بيرترام، في قصر مانسفيلد بارك في الريف. كان آل بيرترام أذكاء، وأنيقين، ومُعتدِّين بأنفسهم، وذوي علاقات مع عليَّة المجتمع. وبعباراتٍ اجتماعية فقد كانوا نجومًا وما فاني إلا شخص ثانوي في الهامش (وفي الواقع نظرتْ إليها قريبتها جولي بفوقيّة لأنها لم تعرفِ أين تقع البلدان الأوروبيّة المختلفة). بيد أنَّ جين أوستن حكمت على الناسِ بمعايير مختلفة كليًّا. استبدلت أوستن عدساتٍ أخلاقيّة، التي تُكبر من شأن خصائص المرء ومزاياه، بالعدساتِ المتعارف عليها التي ينظرُ الناسُ منها في المجتمع، العدساتُ التي تُعظِّم من شأن الثروة والسلطة. وبدلا من التشديد بالنظرِ على مَن يتزيَّا بأجمل لباس، ويملكُ أفضلَ عربة، أو أكثرَ حشمًا، شددتِ النظر على المتكبِّر، والمغرور، والقاسي، وعلى رشيدِ النفس، والخلوق، والشريفِ حقًا. 

بفضلِ هذه العدسات قد يصيرُ ذو الرفعة والقوة حقيرًا، وقد يكبرُ الأناسُ المنسيّون والمقصيّون. تتسيَّدُ الفضيلةُ في عالم الرواية بغض النظرِ عن الثروة الماديّة، فالغني المتعلِّم ليس بالخيِّر سلفا ولا الفقير الأميّ بالسيئ (كما هو الحال في النظم الاجتماعية السائدة). فيُمكن للفضيلة أن تكون في صبي قبيحٍ أعرج، والبوَّابِ المُعدم، والأحدبُ في العليّة، والفتاة الجاهلية بأسس الحقائق الجغرافيّة. بلا شكٍ لم تكن فاني بالأنيقة في لباسها، ولا صاحبة مال، ولا تتحدثُ الفرنسيّة، لكنَّها بانتْ في آخر المطاف في قصر بارك مانسفيلد بمظهرِ المرأة النبيلة، وأُسقطَ البقية من أقاربها، على الرغم من ألقابهم الاجتماعية ومكتسباتهم، في أيديهم في حيرةٍ أخلاقيّة.     

لم تُعادِ جين أوستن المكانة الاجتماعية، وكل ما أرادته أن تراها موزَّعةً بإنصاف، وهذا ما كان في نهايات كلِّ رواياتها دائما. ارتقتْ فاني، وأصبحت سيدة القصر، وانحطَّت قريبتها جوليا المُحبَّة لنفسها، الجوفاء في رأسها. 

3- تعاملْ مع المال بجدِّية 

إنَّ جين أوستن صريحةٌ تمامَ الصراحة مع المال، وأخبرتنا مُفصِّلة عن أحوال الناس الماليّة. ففي رواية كبرياء وتحامل بيّنتْ أنَّ للسيد بينغلي دخلًا سنويا يبلغُ أربعة آلاف جنيه (وهو في الحقيقة أكثر قليلا)، ويبلغُ دخلُ السيد دارسي ضعفي هذا المبلغ. وبدلا من أن تسلكَ سبيلا ترى فيه أنَّ ليس من اللائق أن تبحث في شؤون الآخرين المالية من عدمه، فقد قالت بأنَّ المال موضوعٌ ملائم على نحوٍ بارزٍ في الأدب المرموق. فالسبيل الذي ننهجه في التعامل مع المال يبرزُ تأثيرُه المهول في حيواتنا. ورامتْ أمرين يُخطئ فيهما الناس عندما يتعلَّقُ الأمر بالمال. الأول الانطباع المبالغُ به فيما يُمكن للمال أن يصنعه. ففي رواية مانسفيلد بارك تتزوج جوليا بيرترام السيدَ راشوورث (الشخصية الأغنى في كل روايات جين أوستن)، لكنهما عاشا معًا حياة تعيسة وسرعان ما تقوَّضَ زواجهما مُنهارًا.   

والآخر، كما اقتنعت على قدرٍ مُتعادل، إنَّ من الخطأ الجسيم أن تتزوَّج بدون قدرٍ كافٍ من المال. وهذا ما كان في رواية العقل والعاطفة، فقد كان إدوارد فيرارز وإلينور داشوود زوجين لائقين ببعضٍ، لكنهما لم يتمكَّنا من الزواج: “ما كان أحدهما مولَّهًا بحبيبه ليحسبَ أنَّ خمسين وثلاثمئة باوندٍ سنويا [أقل من دخلِ الطبقة الوسطى] كافٍ لتكاليفِ حياةٍ مريحة”. 

اعتنقتْ إلينور القولَ بأنَّ “للثروة دورٌ لا غنى عنه في السعادة”، مع أنَّها لم تعنِ بالثروة الرفاهيَة الكبيرة، لكن ما يكفي لعيش حياة مريحةٍ باعتدال. فما الزواج من دون أساسٍ ماليّ معقول إلا حماقة

توجِّه جين أوستن نفسها نحو سلوكٍ مُتملِّصة قاسية. فالمال في بعضِ الأحيان مُهم جدًا وفي أحايين أخرى ضئيل الأهمية. ولا يمكننا أن نكون معه أو ضدَّه اعتباطًا. يتجلَّى لنا هذا بوضوح، ولمن السهلِ تأكيدِ ذلك، لكننا مع ذلك نستمرُ في ارتكاب الأخطاء عند المزاولة.  

4- لا تكُ متكبِّرًا 

ضمَّت البطلة إيما، في رواية إيما، الفتاةَ الحسناء هاريت سميث من القرية إلى جناحها. كانت هاريت ودودةً جدًا، ومتواضعةً، وشابةً عفيفة، لكن أرادت منها إيما أن تكون أكثر مما هي عليه، وأن تجعلَ من هاريت زوجًا كفؤًا للقسِ الحاذق. هويت هاريت في الحبِّ بإطراءِ إيما المُفرط، ورفضتْ خطبة ملائمة من فلاحٍ لأنها رأته غيرَ كفؤٍ لها، مع أنَّه كان طيَّبَ القلبِ حقًا، وذا سعةٍ من المال. لكن لم تجرِ الأمورُ كما تشتهي إيما إذ أنكرَ عليها القس فكرتها، وانكسرَ قلبُ هاريت. 

لهي سخريةٌ ما حدثَ في الرواية، لكن غايتُها المُضمَّنةُ في منتهى الجِّديَّة، كانت إيما متكبرة بغير قصدٍ منها وعلى نحوٍ عنيف. وكرَّست نفسها إلى النوعِ الخطأ من الهرميّة الاجتماعيّة. لم تعتقدْ أوستن أنَّ علاج التكبُّر الظنُّ بأنَّ جميع البشر متساوون. ففي رأيها إنَّ في هذا ظلمًا فادحًا. وعلى العكس، أبصرتِ العلاجِ في جذب الألباب إلى السماتِ الحقَّة. فقد كان الفلاحِ في حقيقته أفضلَ شخصًا من القس، لكن من وفقًا للأعراف الاجتماعيّة والتقاليد فمن السهل إنكارُ أفضليته. قلةٌ من الناسُ متكبرون عن قصدٍ منهم، وألبست أوستن عن سابقِ نيّة إيما هذا الخطأ، التي امتازتْ من نواحٍ عدَّة بجاذبيتها ورونقها اللافت. استطاعتْ إيما في آخر المطافِ أن تُصحح من سلوكها، ونبصرُ إدراكها لخطأها، حتى إننا نشعرُ بأسفها وتعلمها درسًا لن تنساه أبدًا. بلفظٍ آخر، لم تسخرْ أوستن من التكبُّرِ على أنه سلوكِ أناسٍ حقراء أخسَّاء، بل شفقتْ على المتكبِّر بكونه يعيش حياة معيوبة (بغض الطرفِ عن رفاهيتها الماديّة)، فالمتكبِّر بحاجة إلى الإرشاد، والنصح، والإصلاح، لكنه في الغالب لا يسمحِ لأحدٍ بمدِّ يد العون. 

لم تؤكد أوستن بوضوحٍ مبدأها في الهرميّة الصحيحة بفظاظةِ واعظٍ، لكنها جعلتنا نتعاطفْ مع الهرمية الحقَّة وتنظِّم بُغضنا لما يعارضها بمهارة روائية كبيرة ودعابة. لم تقلْ لنا عن علَّةِ أولولية العقل لكنها بيَّنت ذلك لنا في سياق قصةٍ أضحكتنا أيضًا وأخذَت بتلابيبنا حتى جعلتنا نُنهي عشاءنا مبكرًا لنعود لقراءتها. (كما قال أحدُ نقَّادها الأوائل، السيد ريتشارد واتلي، مطرانُ دبلن لاحقا، في مقالة لدورية Quarterly Review سنة 1822: ’إنَّ للآنسة أوستن مزيّة كاتبة مسيحية أصيلة بجلاء: مزيّة تعزَّزُ بشدَّة كلًّا من ذوقها المائز والمنفعة العمليّة بفضلِ كينوتها الدينية غير اللحوحة مطلقا. ولهي تتحدى أصعبُ النقَّادِ إرضًاء أن يصفَ أيًّا من رواياتها بأنها “موعظة مسرحيّة”‘). 

ما أنْ ننهي إحدى روايات أوستن حتى نجد أنفسنا مدعويين للعودة إلى البيئة التي جذبتنا أوستن منها، وأن نجيبَ الآخرين، كما علَّمتنا، أن يتخلصوا ويتعافوا من الجشع، والعجرفة، الكبرياء، وأن نكون طيّبين مع أنفسنا والآخرين. 

***

في أواخر الثلاثينات من عمرها، مرَّت أوستن بسنوات مثمرة، وعاشتْ في منزلٍ مرتبٍ جيدًا ومتناغمٍ في قرية تشاوتون الصغيرة في هامبشاير. حظيت رواياتها بقبولٍ جيدٍ على نحوٍ متصاعدٍ، وبدأت بجني مالٍ منها (لكنها لم تصبحْ مشهورةً قطُّ لأنَّ روايتها نُشرت في حياتها باسمٍ مجهول). وحين بلغت الأربعين من العمر في سنة 1816 تدهورت صَّحتها سريعًا، ووافتها المنيَّة في السنة اللاحقة، وقُبرِتْ في كاتدرائية وينتشستر. 

وصفتْ أوستن أدبها بتواضعٍ وعلى نحوٍ ذائعٍ بأنه “قطعةُ عاجٍ صغيرةٍ (بعُرضِ إنْشين) أعملُ عليها بفرشاةٍ فائقة الجودة، فيُثمرُ الجهدُ الكبيرُ أثرا ضئيلا”، لكن رواياتها في الحقيقة مُترعةٌ بآمال كبرى. إنَّ أدبها محاولة، سعت من خلالها وراء ما أسمته “ثلاث أو أربعُ عوائل في الريف” أن تنتقدَ الحياةَ وتُغيِّرها. وتمكَّنَ منها الافتراض المعتاد بأنَّ الأشياء المثيرة والمهمة تسلكُ دربًا مختلفا عن دربنا، لذا تفوتنا لعاثرِ حظِّنا. من المحتمل أنَّ أوستن أرادت كتابة مواعظ، لكنها كتبت بدلا من ذلك رواياتٍ. ولمن المؤسف أن نرفضَ قراءة رواياتها كما رامتْ أوستن أن نقرأها. لقد استخفى الطموح الأخلاقيّ في رواياتها على نحوٍ ملحوظٍ وكبيرٍ من عالمنا المعاصر، لكنه ما زالَ أفضلُ شيء يسعُ الرواية أن تُقدِّمه. وما الرضا الذي ينتابنا عند القراءة لأوستن إلا لأنها أرادت العالمَ أن يكون بحالٍ مُعينة ننجذبُ جميعًا بشدَّةٍ إليها، هذا هو السرُّ الكامن، وغيرُ المُدركِ كثيرًا، والعلّةُ في كونها كاتبةً محبوبةً جدًا. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى