جورج هيغل (1770-1831)

Great Thinkers


حجم الخط-+=

ترجمة: موسى جعفر

ولد جورج فيلهلم فريدريش هيغل في مدينة شتوتغارت الألمانية عام 1770. وعاش حياة الطبقة المتوسطة إذ كان مهووسًا بدخله ومساره الوظيفي، وعمل في البداية محررًا صحفيًا ثم رئيس قسم قبل أن يصبح أستاذًا جامعيًا. وكان مولعًا بالشامبانيا ويحب حضور الأوبرا ولم يستطع ترتيب شعره كما يريد مطلقًا. كان مغامرًا فكريًا لكن تقليديًا ومحترمًا ظاهريًا، ويفخر بذلك. وارتقى السلم الوظيفي حتى أعلى درجاته حين أضحى عميدًا لجامعة برلين في العام 1830، وتوفي في العام التالي عن عمر واحد وستين سنة. لكن أسلوبه في الكتابة كان مريعًا، وتأثيره في الفلسفة فظيعًا؛ كان معقدًا ومحيرًا والأجدر به أن يكون واضحًا ومباشرًا. لقد استغل نقطة ضعف في الطبيعة البشرية ألا وهي الثقة في الكتابة التي تبدو مبهمة ومعقدة. وكأنه سنَّ أن سمة قراءة الأفكار العميقة هي عدم فهمها تمامًا! وهذا أضعف الفلسفة عمومًا. صعبت طريقة هيغل في الكتابة فهمنا للأشياء المهمة التي أراد قولها؛ ثم دفع العالم ثمنًا باهضًا آخر بسبب مشاكله في التواصل. لكن يمكن أن نشتق من فلسفته الدروس التالية:  

1- يمكن إيجاد أجزاء مهمة من أنفسنا في التاريخ

هيغل هو من الفلاسفة القلة الذين اهتموا بالتاريخ جديًا. إذ كانت النظرة الأوروبية العامة آنذاك تعدُّ الماضي «بدائيًا»، وتفخر بالتقدم الحاصل الذي أوصلنا إلى العصر الحديث. لكن هيغل آثر الإيمان بإمكانية النظر إلى كل حقبة على أنها مستودع لنوع من الحكمة. ويتجلى أحسن التجلي وجود أفكار وسلوكيات مفيدة جدًا لكنها تعكرت أو غُمرت أو فقدت في أزمان لاحقة. نحن نحتاج إلى العودة بالزمن لإنقاذ الأشياء المفقودة حتى مما يسمى العصر المتطور. قد نحتاج على سبيل المثال إلى التنجيم في تاريخ الإغريق لفهم كيف يمكن أن يكون المجتمع أفضل فهم؛ وفي العصور الوسطى لفهم دور الشرف الذي يتجلى فيها أفضل من أي عصر آخر؛ وفي فلورنسا القرن الرابع عشر لتحصيل رؤية ملهمة عن كيف يدفع المال للفن، حتى وإن احتوت هذه الأزمان توجهات مريعة بحق الأطفال وحقوق المرأة. اعتقد هيغل أن التقدم ليس خطيًا أبدًا، فقد يكون الحاضر أفضل من الماضي في بعض النواحي لكن من المرجح أنه أيضًا أسوأ في نواحٍ أخرى؛ الحكمة موجودة في كل المراحل، وهنا يأتي دور المؤرخين الذين يجب عليهم إنقاذ الأفكار التي نحتاج إليها لموازنة نقاط حاضرنا العمياء. ما يعني أن ما نميل لتسميته الحنين إلى الماضي (نوستالجيا) قد يحتوي نفحة حكمة! ربما تميل لإخبار الذين يقولون بأفضلية خمسينيات القرن الماضي أو بإعجابهم بقيم الاقتصاد والاعتماد على النفس والاجتهاد في العصر الفيكتوري بأن ما فات مات وأن تلك الأيام كانت مليئة بالعيوب وستكون العودة إليها مريعة. لكن هناك توجه أكثر تعاطفًا يستكشفه هيغل في كتابه الذي أكمله في عام 1807 بعنوان ظواهرية الروح، هو أن كل عصر يضم رؤى مهمة لكنها تغوص في بحر من العيوب للأسف. لذا حينما يكون الرجوع الكلي إلى الماضي مريعًا لكن الحنين إليه يتعلق بما كان جيدًا، وما زلنا نحتاج إلى الاهتمام بذلك الجزء الجيد في الحاضر. تخيل هيغل تاريخًا مثاليًا تنفصل فيه النواحي الصالحة تدريجيًا عن الطالحة التي ترافقها؛ وأن أفضل مستقبل هو الذي يمزج جميع المحاسن بالتدريج. فما زلنا نحتاج إلى تعلم شيء من أسقف القرون الوسطى وفلاحي فرنسا القرن الثامن عشر وصناعيي القرن التاسع عشر وهيبية ستينيات القرن العشرين… قال هيجل: «تاريخ العالم هو سجل مساعي العقول لفهم نفسها». وتفصيل ذلك سيادة وجوه مختلفة من العقل في المُدد المختلفة من التاريخ؛ يحدث ذات الأمر على مستوى أصغر في حياتنا، ففي الطفولة يسود التعجب أو الثقة، وفي مدة لاحقة منها قد يسود الإذعان أو رغبة تحقيق أفكار السيادة، أما في سن الإدراك فإن سمة الشك هي السائدة. وقد تطغى لاحقًا مراحل البراغماتية أو تجربة السلطة أو الخوف من الموت. وهكذا فإننا نتعلم شيئًا جديدًا عن أنفسنا في كل مرحلة من هذه المراحل، ويجب علينا عيشها كلها لفهم من نحن حقًا. ثم فإن الصورة الكاملة للرشاد هي الحكمة المتراكمة مما يُكتسب من المراحل جميعًا. 

2- تعلم من الأفكار التي لا تحبها

كان هيغل مؤمنًا عظيمًا بالتعلم من أعداء المرء فكريًا، سواء كنا نكره وجهات نظرهم أو نعتقد بغرابتها. هذا لأنه اعتقد بتشظي قطع الحقيقة حتى في أبشع الأماكن وأغربها وأن علينا نبشها دائمًا بالتساؤل «ما شظية المنطق والمعنى التي ربما تكون موجودة في الظواهر المخيفة والغريبة المختلفة؟». على سبيل المثال فقد تسببت القومية بأحداث فظيعة (حتى في عصر هيغل)، لذا فإن ميل المفكرين هو للتخلي عن هذا الموضوع تمامًا. لكن هيغل تساءل عن الخير الكامن أو الحاجة الملحة التي قد تكون مختبئة في تاريخ القومية الدموي، لقد تساءل عن حاجة تنتظر التعرف عليها وتفسيرها. ثم اقترح إنها حاجة الناس إلى الفخر بمسقط رأسهم، لتعريف أنفسهم بشيء غير إنجازاتهم الذاتية، ولإرساء هوياتهم بشيء يتجاوز الـ«أنا». اعتقد هيغل أن هذا مطلب حتمي ومثمر، وأنه شيء قيم حتى وإن استغله بعض السياسيين والحركات البشعة وقادوه باتجاهات كارثية. هيغل هو بطل فكرة أن الأفكار شديدة الأهمية ربما تكون عند الذين نحسبهم أدنى منك بكثير.

3- التقدم فوضوي

آمن هيغل أن العالم يتطور، لكن بتأرجح بين تطرف وتطرف آخر في سعيه الحثيث للتعويض عن خطأ سابق! لذا افترض أن التوازن المناسب في أي مسألة لا يُبلغ عادة إلا بعد ثلاث نقلات، في عملية أطلق عليها الديالكتيك (الجدلية). وأشار بحكم تجربته الحياتية إلى أن الحكومات تحسنت لكن بطريقة غير مباشرة، مثلًا فإن نظام القرن الثامن عشر الملكي الظالم والمعيوب والقمعي أسقطته الثورة الفرنسية التي أراد آباؤها المؤسسون وهب صوت مناسب للغالبية من الناس. لكن انتهى الأمر بما كان يجب أن يكون ولادة سلمية لحكومة نيابية بفوضى سياسية وإرهابية؛ وهذا بدوره أدى إلى ظهور نابليون الذي استعاد النظام وأمَّن فرصة للمواهب والقدرات، على الرغم من أنه تجاوز حدوده وأصبح دكتاتورًا عسكريًا يرهب بقية أوروبا ويدوس على الحرية التي زعم أنه يحبها. في النهاية، انبثق الدستور المعاصر «المتوازن»، وهو ترتيب وازن على نحوٍ أكثر مقبولية بين التمثيل الجماهيري وحقوق الأقليات وسلطة مركزية محترمة، مع أن الوصول لهذا الحل كلفنا قرابة أربعين سنة وبحر دماء لا شواطئ له.  في وقتنا الحاضر، فكَّر في التطور البطيء للسلوك الرشيد تجاه الجنس: حينما فرض العصر الفيكتوري كبتًا مبالغًا فيه، فإن ستينيات القرن الماضي أتاحت فسحة لعلها أكثر تحررًا من اللازم! ربما لن نجد التوازن المناسب بين النقيضين إلا في السنوات القادمة. يزيح هيغل بعض الهم عن كاهلنا بإصراره على أن التطور سيكون بطيئًا ومضطربًا دائمًا. ويضيف بأن ما حدث في التاريخ سيتكرر في حياة الأفراد كذلك؛ فنحن أيضًا نتعلم ببطء وبكثير من التصحيحات المبالغ فيها. خذ تطور حياتنا العاطفية على سبيل المثال: ربما كنا مع شريك عاطفي جدًا في عشرينياتنا فشعرنا بالاختناق، لذا حررنا نفسنا وارتبطنا بامرئ آخر أكثر احتشامًا وبرودًا، لكن قد ينتهي به الأمر ليكون ثقيلًا بمرور الوقت. ربما نبلغ الثانية والخمسين من العمر قبل أن نفهم هذا الجانب إلى حد ما. قد يبدو هذا أسوأ مضيعة للوقت، لكن هيغل يصر على أن الخَطو المؤلم من خطأ إلى خطأ آخر هو شيء حتمي يجب علينا توقعه وتقبله عندما نخطط مسار حياتنا أو نتفكر في الفوضى في كتب التاريخ أو الأخبار المسائية. 

4- للفن غاية

رفض هيغل فكرة «الفن لأجل الفن»، فقال في «مدخل إلى علم الجمال» -وهو أكثر كتبه إثارة للإعجاب- إن لكل من الرسم والموسيقى والعِمارة والأدب والتصميم وظيفة مهمة؛ إذ نحتاج إليها لجعل الرؤى المهمة قويةً ومساعدةً في حياتنا. لأن الفن هو «التمثيل الحسي للأفكار». إن معرفة حقيقة فحسب يتركنا باردين في الغالب. فنحن مثلًا نؤمن أن الصراع في سوريا قضية مهمة نظريًا، لكننا لا نوليها ذلك الاهتمام فعليًا. كذلك نعتقد من مبدأيًا أننا يجب أن نكون أكثر تسامحًا مع شركائنا. لكن المشكلة في أن هذه القناعة المجردة تنسى عند أقل استفزاز! أدرك هيغل أن غاية الفن ليست إنتاج أفكار غريبة أو جديدة أو مذهلة، بقدر ما هي ترسيخ الأفكار الجيدة والمهمة والمفيدة -التي غالبًا ما نعرفها سلفًا- في أذهاننا. 

5- نحتاج إلى مؤسسات جديدة

كان لهيغل نظرة إيجابية للمؤسسات وسلطتها. فقد تكون رؤى الفرد عميقة، لكنها ستظل عابرة وغير مؤثرة ما لم تدمج في مؤسسة تتبناها. على سبيل المثال فإن أفكار المسيح عن المعاناة والعطف احتاجت إلى الكنيسة الكاثوليكية لتنتشر في العالم، وكذلك لم تصبح أفكار فرويد عن تعقيد الطفولة قوة بناءة إلى أن تبنتها ونظمتها ووسعتها عيادة تافيستوك في لندن. 

الفكرة أن الرؤى تحتاج إلى أكثر من كونها صحيحة لتصبح فعالة في العالم ومؤثرة. وهذه هي النقطة التي أوضحها هيغل مرارًا وتكرارًا بشتى الطرق. يلزم الفكرة بغية أن تكون مؤثرة في المجتمع موظفين وبنايات وبرامج تدريبية ومستشارين قانونيين، ومؤسسات تهب لها مقياس الوقت الذي تحتاج إليه المشاريع الكبيرة والذي يفوق عمر الفرد بكثير. الوظيفة الأساسية للمؤسسة هي تقوية الحقائق الكبرى في المجتمع. وتفقد المؤسسة طريقها عندما تتوقف عن كونها ذات مهمة عميقة. لذا -من منظور مثالي- يجب أن تؤدي معرفة احتياجات المجتمع الجديدة إلى تشكيل مؤسسات جديدة باستمرار.  قد نقول في هذه الأيام إننا بحاجة إلى مؤسسات جديدة تركز على العلاقات، وتثقيف المستهلك، والاختيار الوظيفي، والتحكم في المزاج، وكيف ننشئ أطفالًا أقل تضررًا!

الخلاصة

وضع هيغل يده على جرح الحياة المعاصرة، فنحن نتوق إلى التقدم والتحسن لكننا نقابل بالصراع والنكسات باستمرار. وتعليله أن النمو يستوجب صراع الأفكار المتضادة لذا فإنه مؤلم وبطيء. لكن حالما نعلم هذا فلن نحتاج إلى مضاعفة متاعبنا معتقدين بشذوذها. يهب لنا هيغل رؤية أدق لأنفسنا ومصاعبنا وموضعنا في التاريخ. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى