جوانب من العلاقات الثقافيّة بين العرب والرُّوُس

عمران أبو عين


حجم الخط-+=

صدر في بغداد في عام 1984، عن منشورات مكتبة آفاق عربية، كتاب بعنوان “العرب في الاتحاد السوفيتي ودراسات أخرى”، من تأليف نجدة فتحي صفوة. على الرغم من عدم شهرة الكتاب نسبياً فالكتاب يحتوي على دراسات حول جوانب وشخصيات ثقافية تربط بين العرب وروسيا، لذا، ونظراً لأهمية كثير من جوانب الكتاب، وتسليطه الضوء على كثير من العلاقات الثقافية بين العرب وروسيا من التاريخ القديم، ارتأينا كتابة قراءة وتلخيص لمثل هذه الجوانب القيمة من الدراسة، والجديدة لدى الكثيرين.  

ابن فضلان أول دبلوماسي عربي في روسيا

تحتل رسالة “ابن فضلان”، عن رحلته إلى بلاد الصقالبة في مطلع القرن الرابع الهجري، مكانةً فريدة في الأدب الجغرافي العربي، وتاريخ علاقات العرب الدبلوماسية وأدب الرحلات. فقد أصبحت تلك الرسالة من أهم المصادر عن تاريخ بلاد الصقالبة، ومن أول ما يُعتمد عليه في وصف كثير من النواحي المجهولة من تاريخ روسيا وبلاد البلغار في عهودها القديمة. فقد نبه المستشرقون إلى أهمية هذه الرسالة، فبحثوا عنها في المراجع العربية، وجمع المستشرق “فران” ما نقله ياقوت وغيره من هذه الرسالة، ونشره في سانت بطرسبرغ في سنة 1823 في طبعة عربية بذل في تحقيقها جهوداً كبيرة. بعد نشر مجموعة “فران” بقرن كامل، وفي سنة 1923، اكتشف العالم التركي “زكي وليدى طوغان” في مدينة مشهد (طوس) بإيران نسخة مخطوطة من “رسالة ابن فضلان”، فكان ذلك حدثاً علمياً عظيماً غيّر سير الدراسات عن هذه الرحلة الشائقة. توالت بعد ذلك الأبحاث والدراسات عن رحلة ابن فضلان، وكان أكثر من عني بها المستشرق الخاركوفيّ -نسبة إلى مدينة  خاركوف- كوفالفسكي، فكتب عدة أبحاث عنها منذ سنة 1939، حين أصدر ترجمة روسيا للرسالة مع تعليقات وشروح ثمينة. كان هذا الاهتمام الكبير الذي نالته “رسالة ابن فضلان” وما تضمنته من معلومات، حافزاً على ترجمتها إلى لغات عديدة. وإضافة إلى الترجمتين الألمانية والروسية، تُرجمت الرسالة إلى اللغة الهنغارية والتركية، والفارسية، والإنجليزية، والفرنسية، واليابانية. أما الطبعة العربية فقد كانت الطبعة الوحيدة للرسالة بالحروف العربية تلك نشرها ” زكي وليدي طوغان”، لأن الدراسة التي نشرها كوفالفسكي اكتفت بنشر الصور الفوتوغرافية لمخطوطة مشهد، ولم تُعنَ بطبع النص بحروف الطباعة العربية، ولذلك فإنها لم تكن نافعة للقارئ العربي العادي لصعوبة قراءة المخطوطة، وكثرة ما فيها من نواقص ومواضع مبتورة ومخرومة. ولذلك عُني بأمر هذه الرسالة البحاثة السوري الدكتور سامي الدهان منذ سنة 1951، بإشارة من المرحوم محمد كرد علي. 

تحكي قصة “رسالة ابن فضلان” باختصار أنَّ ملك الصقالبة أو السلاف بعث برسالة إلى الخليفة العباسي يطلب منه بأن يبعث إليه “من يفقهه بالدين، ويعرفه شرائع الإسلام، ويبني له مسجداً، ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له”. فقد كان هذا الملك يحكم الشعب البلغاري الذي استوطن روسيا، وأقام لنفسه دولة في أعالي نهر الفولغا واعتنق الاسلام. فقد ذهب ابن فضلان مع وفد اُختيرَ إلى تلك البلاد، وكان في الرابعة والأربعين من عمره، في عهد الخليفة المقتدر بالله. رحل الوفد من بغداد يوم الخميس 11 صفر سنة 309 هــ، مرَّ الوفد بالري ونيسابور ومنها إلى بخارى، ثم إلى خوارزم حيث قابلوا أميرها “محمد بن عراق بن خوارزم شاه”، فحاول منعهم من مواصلة السفر بحجة الحرص على سلامتهم، وما زالوا يلحون عليه ويرفقون به حتى سمح لهم بالسفر، فتوجهوا إلى “الجرجانية”. يقول ابن فضلان: “فرأينا بلداً ما ظننا إلا أن باباً من الزمهرير قد فتح علينا منه، ولا يسقط فيه الثلج إلا ومعه ريح عاصف شديدة”. وبعد تلك المسيرة الشاقة وصلت البعثة إلى بلاد الغُزيين، وهم قبيلة من الأتراك يقيمون قرب كازاخستان اليوم: “وإذا هم بادية لهم بيوت شعر، يحلّون ويرتحلون…”. وبعد سبعين يوماً من مغادرة القافلة الجرجانية، وصلوا إلى بلاد البلغار، ولما كانت مسيرتهم إلى مقر الملك تحتاج إلى يوم وليلة، توجه لاستقبالهم الملوك الأربعة الذين كانوا تحت يده. 

والحق إنَّ ابن فضلان ترك لنا في وصف رحلته صورة واضحة للبلغار والروس وحضارتهم وعاداتهم وتجارتهم، يشهد على أن البلغار كانوا ما يزالون دون ما وصل إليه العرب في مدنيتهم. تقع مملكة البلغار القديمة في قلب ما يدعى اليوم روسيا، وفي مدينة “قازان” (أقرب المدن الحالية إلى موقع مدينة بلغار القديمة)، لم تكن موسكو قد بنيت بعد، ولكن دولة روسيا في تلك الأيام كانت تدعى “إمارة كييف” التي أسُّست سنة 882 م لتكون أول دولة موحدة لروسيا، وكانت عاصمتها كييف، وملكها -وقت زيارة ابن فضلان- اسمه إيغور. 

لم تنجح البعثة من الناحية الدبلوماسية، لكن ترك ابن فضلان رسالة ثمينة، أصبحت مصدراً من أهم المصادر عن تاريخ الأصقاع التي زارها، وعن الحياة الاجتماعية فيها، كما أن رسالته كانت أول كتاب مذكرات يكتبها دبلوماسي عربي قبل ألف عام بالأسلوب الذي أصبح شائعاً في كتابة المذكرات في العصور الحديثة، وهو من هذه الناحية من المظاهر المهمة لأصالة التراث الثقافي العربي. 

الحرب الروسيّة – اليابانيّة وصَداها في الأدب العربي

شغلت الحرب الروسية اليابانية 1904- 1905 الرأي العام في البلاد العربية، واهتمت بها الصحافة العربية اهتماماً كبيراً، فكانت تنقل أخبارها وتصف معاركها، وتعلّق على أحداثها، وتتكهن بنتائجها. كما اهتمَّ بها الكتاب والشعراء، فتردد صداها في الأدب العربي سنوات طويلة بعدها. كان لانتصار اليابان، وهي الدولة الشرقية النامية، على دولة أوروبية كبرى وقعًا عظيمًا على الرأي العام العالمي، ورنة خاصة في بلاد الشرق، بما فيها البلاد العربية التي اتجهت أنظار شعوبها إلى اليابان بشعور مزدوج من العجب والإعجاب. ووجدت هذه الشعوب أنها تستطيع -بل يجب- أن تتخذ اليابان قدوة لها في نهضتها، وفي كفاحها ضد التغلغل الأوروبي والسيطرة الأجنبية. نالت هذه الحرب عناية خاصة من أدباء العراق ومصر والشام الذين عاصروها، وأوحت إليهم بقصائد ومقالات كثيرة لم تنل ما تستحقه من عناية الباحثين، فقد كانت عواطف أولئك الكتاب والشعراء نحو الأمتين المتحاربتين، وتأييدهم إحداهما على الأخرى، تخضع لاعتبارات سياسية وعاطفية ودينية، وكانت أقوى هذه الاعتبارات هي ” النعرة الشرقية”، فقد ظهر ذلك في قصائد عدد من الشعراء المصريين، أبرزهم حافظ إبراهيم. إن الشعور بالرابطة الشرقية كان قوياً في نفس حافظ إبراهيم، فظهر أثر ذلك واضحاً في شعره، وكان حافظ إبراهيم يظهر في كل مناسبة اعتزازه بالرابطة بين البلاد الشرقية من أقصاها إلى أقصاها، ولذلك كان من الطبيعي أن تستجيب نفس حافظ استجابة صادقة لأحداث اليابان، وأن يخصّ حربها ضد روسيا -الدولة الأوروبية والإمبراطورية- بأكثر من قصيدة حين كان في أوج شهرته ومكانته الأدبية. ومما قاله حافظ في ذلك قصيدة، عنوانها “الحرب” يصف فيها الحرب الروسية اليابانية وأهوالها، ومطلعها: 

أساحةٌ للحّربِ أم محشرُ ** وموردُ الموتِ أم الكوثرُ؟ 

وقد نشرت هذه القصيدة في “المقتطف” في 1904، حين كانت الحرب لا تزال على أشدّها، ونتيجتها مجهولة، وإن اسُتِّدل من بعض أبياتها أن حافظاً كان أميل إلى الظن بأن روسيا هي التي ستخرج منتصرة في النهاية، ففيها يقول: 

أمسى ” كروباتكين” في غمرة ** وبات “أوياما” له ينظر

وظلت الروس على جمرة ** والمجد يدعوهم: ألا فاصبروا 

على أن أشهر قصائد حافظ ابراهيم عن الحرب الروسية اليابانية هي قصيدته “فتاة اليابان”، ومطلعها: 

لا تَلُم كفي إذا السيف نبا ** صحَّ مني العزم والدهر أبى 

أما في العراق والشام، فإن النضال الوطني كان يتمثل في استقلال هذه البلاد عن السلطة العثمانية، ومع ذلك فإن الشعراء -حتى الناقمين منهم على تلك السلطة- لم يؤيّدوا روسيا -عدوة تركيا- وإنما غلب عليهم شعورهم الشرقيّ، فانحازوا إلى اليابان أيضاً، كما فعل الرصافي في قصيدته “معركة تسوشيما” التي أغرق فيها الأسطول الياباني، بقيادة طوغو، الأسطول الروسي القادم من بحر البلطيق إذ قال: 

سعّروها في البحر حربا ضروسا ** تأكل المالَ نارها والنفوسا 

يوم طوغو دهى بأسطوله الــ ** روسّ قتالا، وكان يوما عبوسا 

ونلمس مثل هذا الاتجاه في شاعر آخر من خصوم الدولة العثمانية، وهو فؤاد الخطيب، اللبناني الأصل، ففي قصيدة بعنوان ” العجوز اليابانية” يشيد بوطنية الأم اليابانية، يقول في مطلعها: 

لا تقولوا بلغ السيل الزُّبى ** نحن مزقنا العدى أيدي سبا

بعثتنا غيرة شرقية ** كاد منها الغرب أن يلتهبا 

وللشاعر اللبناني أمين ناصر الدين في الحرب الروسية اليابانية قصيدة عنوانها “الياباني ومعشوقته”، تشيد بشجاعة اليابانيين ووطنيتهم، وانتصارهم الباهر، كما أنه وصف معركة “تسوشيما”، وانتصار “طوغو”، وما أصاب الغرب من خيبة وأسى:

ورجّعت الأقطارُ صوتَ انتصارها ** ففي الشرق هُزّاج وفي الغرب ندب

كما أن من أبرز السوريين الذين اهتموا بموضوع هذه الحرب، هو السياسي السوري المعروف فارس الخوري، فقد كان إلى جانب نشاطه السياسي ونضاله الوطني، يُعنى بالأدب وينظم الشعر، وقد أوحت إليه أحداث الحرب الروسية اليابانية بأربع قصائد طويلة نشرت في صحف دمشق، ثم جُمعت في كتاب في مصر في 1906 بعنوان “وقائع الحرب”. 

هنالك اتجاه آخر في موقف بعض الأدباء العرب من الحرب الروسية اليابانية، ظهر على نحوٍ خاصٍ بين أدباء لبنان والمهجر، واتّسمَ بالعطف على روسيا، والخيبة والأسف لاندحارها. فربما كانت لبنان وفلسطين في ذلك العهد أوثق البلاد العربية صلة بروسيا بسبب انتماء نسبة كبيرة من المسيحيين فيهما إلى الكنيسة الارثوذكسية، وكانت روسيا القيصرية تعدّ نفسها حامية للأرثوذوكس بصفتها أكبر دولة ارثوذكسية. فلما نشبت الحرب، كان الكاتب المعروف ميخائيل نعيمة قد انتقل إلى مدرسة المعلمين الروسية في الناصرة، وهو يتحدث عن موقف طلابها من روسيا خلال تلك الحرب، ومدى اهتمامهم بأخبارها قائلاً: “نشبت الحرب إبان دراستي في الناصرة، وإني لأذكر بأي لهفة كنا نتسقط أخبارها على قلة الوسائل في ذلك الزمان…”. وقد تكونت في أمريكا الشمالية والجنوبية في ذلك الوقت جالية عربية كبيرة، يكوِّن السوريون واللبنانيون أغلبيتها الساحقة، وكان بينهم عدد من الشعراء والكتاب والصحفيين الذين وجدوا في تلك البلاد مجالا للتعبير عن مشاعرهم ومشاعر ابناء وطنهم. ونجد في إنتاج أدب المهجر تياراً سيطر على اتجاه عدد من الشعراء، فلم يكن الموضوع عرضياً كما في شعر الرصافي وحافظ إبراهيم. وظهر أبرزهم في هذا الاتجاه الشاعر “أسعد رستم”، ففي ديوان رستم ثماني قصائد عن الحرب الروسية اليابانية، تدل جميعها على اهتمام خاص بروسيا وأحداثها، وفي قصائده أيضاً عطف خاص على القيصر نيقولاي الثاني، ففي قصيدة لرستم يقول فيها:

واليوم جيش الروس في منشوريا ** والخصم أمسى واقفا بإزائه

والعسكر الروسيّ عَدّ محبة الأوطا ** ن دينا فانبرى لوفائه 

والكل فارق أهله وصحابه ** ليكون يوم الحرب من شهدائه

والقيصر المحبوب تدمع عينه ** فالحرب لم تكُ قط من آرائه

لم يقتصر صدى الحرب الروسية في الأدب العربي على الشعر، بل تجاوز إلى أنواع الأدب المختلفة، كالقصة والرواية والمسرح والنثر، ومما كتب بوحي من تلك الحرب، مسرحية بعنوان “بطرس والكسي” نشرت في القاهرة، وكذلك رواية بعنوان “بورث آرثر” من تأليف أسعد منصور، صدرت في عام 1906. وكانت الصحف اليومية والمجلات الدورية الصادرة في ذلك الزمن طافحة بالأخبار، في صحف كـ”الهلال” و”المقتطف” مقالات كثيرة عن روسيا واليابان. ونظرت تلك الصحف إلى هذه الحرب على أنها صراع بين الشرق والغرب، وترى في اليابان لرمزاً للشرق، وفي انتصارها انتصارٌ للشرق على الغرب. 

إنَّ الأدب الذي كتب بوحي من هذه الحرب، وخاصة في مجال الشعر، أغنى الأدب العربي، وأضاف إلى الشعر العربي المعاصر لوناً انقطع عنه الشعراء العرب منذ مدة طويلة، وهو وصف المعارك والحروب، ولم تظهر العناية بهذا اللون مرة اخرى الاّ بعد نشوب الحرب العالمية الأولى.

الأدب العربي الحديث في الاستشراق الروسي

يمتاز المستشرقون في الاتحاد السوفيتي عن غيرهم من المستشرقين في أوروبا وأمريكا بالعناية التي يوجهونها إلى دراسة الأدب العربي الحديث وأعلامه. فإننا نرى بين أبحاث المستشرقين الروس دراسات كثيرة العدد بالغة الأهمية، تعنى بشؤون العصر الحديث، وأدباء العرب المعاصرين وإنتاجهم. ولا شك أن من العوامل الرئيسة في اهتمام المستشرقين الروس بالدراسات الأدبية المعاصرة هو الاهتمام الذي أبدته الحكومة السوفيتية بالشؤون الشرقية في أعقاب ثورة أكتوبر سنة 1917، فوجه مجلس قوميساري الشعب (مجلس الوزراء)، في الحكومة البلشفية، نداءه المشهور إلى ” مسلمي روسيا والشرق” بعد نجاح الثورة بشهر واحد. كانت الدراسات الأكاديمية التي تعنى بالأدب والتاريخ مستمرة، وكان المستشرقون المتفرغون للبحث العلمي، والذين يعملون لوجه الأدب وحده، يواصلون أبحاثهم ودراساتهم في أكاديمية العلوم والجامعات، دون أن تتدخل السلطات في عملهم، ما دامه لا يمس سياستها ولا يخرج عن خطوطها العامة واتجاهاتها. كان من بينهم رجال من الجيل القديم أمثال بارتولد وأولدنبرك، ومستشرقون ناشئون مثل كراتشكوفسكي وغورديليفسكي. وكراتشكوفسكي من بين هؤلاء المستشرقون الذي أعير الأدب الحديث أهمية كبيرة، وقضى خمسة وأربعين عاماً في دراسة اللغة العربية وآدابها، وكان “أول من أثبت من العلماء الأوروبيين أنّ هنالك أدباً عربياً حديثاً ضخماً يستحق الاهتمام، أدباً يعكس حياة العصر”. وصدرت له مجموعة مختارة من مؤلفاته في ستة أجزاء ضخمة، وعُدت حدثاً هاماً في الحياة الثقافية والعلمية للاتحاد السوفيتي، وخُصِّصَ الجزء الثالث من هذه المجموعة بالدراسات المتعلقة بالأدب العربي الحديث. أشار كراتشكوفسكي إلى قلة الاهتمام بالأدب العربي الحديث في مقالة مهمة، كتبها باللغة العربية، لمجلة المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1930 بعنوان “درس الآداب العربية الحديثة -مناهجه ومقاصده في الحاضر- نظر واقتراح”. يعلل الأستاذ كراتشكوفسكي ظاهرة إهمال الباحثين للآداب الحديثة بأن الإنسان في كل زمان ومكان مولع بقديمه أكثر من حديثه، فلا يرى الحديث جديراً بالدرس كالشيء العادي الذي لا قيمة له. ويرجع تاريخ أول دراسات كراتشكوفسكي المهمة عن الحركة الأدبية في هذا العصر إلى ما قبل ثورة أكتوبر، فكتب سنة 1911 بحثاً مستفيضاً عن “الرواية التاريخية في الأدب العربي المعاصر”، وهو بحث نقدي تحليلي عن روايات جرجي زيدان ويعقوب صروف وفرح انطون وجميل نخلة وغيرهم، حتى إن هذا البحّاثة أخذ في سنة 1918 يحاضر في الأدب العربي الحديث في جامعة لينيغراد، ولربما كانت في ذلك الوقت الجامعة الوحيدة في العالم الذي يدرس فيها الأدب العربي المعاصر بطريقة علمية حديثة. 

ومن قدامى المستشرقين الروس الذين يجيدون اللغة العربية، ولهم اطلاع على آدابها هو “عبد الرحمن سلطانوف”، الذي عمل في السلك الدبلوماسي السوفيتي في العراق ولبنان ومصر واليمن، وله دراسات قيمة في اللغة والآداب العربية. ومن أكثر المستشرقين الروس، من الجيل الجديد، اهتماما بموضوعات الأدب العربي الحديث “فالنتين بوريسوف” و”دانييل سيمنيوف” و”دانييل يوسوبوف”. كتب “بوريسوف” دراسة موجزة عن ” التيارات الجديدة في الأدب العربي” نشرت في مجلة “نوفي مير (العالم الجديد)” وغيرها من الدراسات، كما كتب “بوريسوف” مقدمة الترجمة الروسية لكتاب “الشيخ جمعة وقصص أخرى” لمحمود تيمور، ونشر في سنة 1958 دراسات عن بعض مؤلفات إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ. 

وفضلاً عن هذه الدراسات المتفرقة، هنالك الرسائل العلمية والأطاريح التي يقدمها المستشرقون الناشئون إلى الجامعات السوفيتية في موضوعات تتعلق بالأدب العربي الحديث، منها على سبيل المثال رسالة أ. ب. خالدوف المعنونة بـ”النثر الفني عند طه حسين” وهي دراسة ضخمة. وإلى جانب محمود تيمور وطه حسين، كان توفيق الحكيم من أدباء العرب المعاصرين الذين نال أدبهم أكبر الاهتمام من المستشرقين السوفييت، وقد ترجم في الأقل ثلاثة من مؤلفاته إلى اللغة الروسية. والحق، فإن المستشرقين الروس قد أولّوا الأدب العربي الحديث ودراسة آثاره وأعلامه عناية لا نجدها عند غيرهم من المستشرقين.

خاتمة 

في قراءتنا للكتاب، قدمنا ما قدمناه من جوانب وجدنا أنها ربما تكون جديدة على الكثير من القراء اليوم، وبعضها ربما أصبح منسياً، وإلا فإن الكتاب احتوى على موضوعات عديدة وفريدة، لم يسعنا أن نتحدث عنها جميعها، وضمَّ الكتاب موضوعات ثقافية مختلفة، وتحدَّثَ عن شخصيات معروفة وأخرى لم تنل حظها من الشهرة والذكر لدى عموم القراء.  

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى