ثلاثية نجيب محفوظ

مؤمن الوزان


حجم الخط-+=

لم أكُ قد قرأت سابقا لنجيب محفوظ، قررت القراءة له، فابتدأت بثلاثيته الشهيرة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية). وكان مستهل رواية بين القصرين يسرد فيه حال السيدة أمينة في بيت الزوجية، وكيف كانت تخاف الوحدة والعفاريت، وما يصيبها من جزع ورعب إذا غادر زوجها السيد أحمد عبد الجواد البيت. لو طُلب من أي أحد أن يصف حالها ربما لأوجزه في جمل معدودة، هنا اكتشفت أمر نجيب حين استمررت بالقراءة، ولأقف على قدرة سردية كبيرة، ونفس طويل، يُمكّنه من سرد الحالة ويصفها بكل تفاصيلها المهمة دون أن يجعل القارئ يُصاب بالملل، أو يناله شيء من التراخي في القراءة أو عدم الانتباه بل يشده بسرده المتمكن والرصين واللغة الجزلة قبل أن يشرع بحبك قصته وسردها، منذ البداية فقط عرفت أني قد فوتُّ على نفسي روائيا عظيما في مدة ليست بالقصيرة. أكثر ما يشدني في أي عمل أدبي أقرأه: القدرة السردية للكاتب ولغته فوجدت مبتغاي في نجيب. 

نجيب محفوظ لا يحتاج لتعريف وما كتب عنه من دراسات وبحوث ومقالات تعد ولا تحصى وما تُرجم له إلى اللغات الأجنبية جعلت من اسمه في مصاف القامات الأدبية العالمية الكبيرة التي يشهد لهم الجميع بالابداع والتميّز وما قدموه وأثروا به المكتبة الإنسانية من أدب غزير؛ جاعلا إياهم في مستوى لا ينافسه عليه منافس ومن فعلها فإنه حاجز لنفسه مقعدا بجانبهم لا محالة. ما الذي يميز هذه الثلاثية، أشهر ثلاثية عربية ومن أشهر الثلاثيات الأدبية على الإطلاق، ولست هنا في مقام القراءة لهذه الرواية أو الاستعراض لأحداثها، بل ذاكرا ما نالني من شذرات عبقريتها، ونفحني من شذى عطرها الأدبي. الثلاثية تدور أحداثها على نحو رئيس في عائلة السيد أحمد عبد الجواد وزوجته أمينة، وأبنائه: ياسين وفهمي وكمال، وابنتيه: خديجة وعائشة. تكثر الشخصيات شيئا فشيئا، في داخل الأسرة من خلال الزيجات، أو من خلال من يتعرف عليهم القارئ من أصدقاء السيد والجيران وأصدقاء أبنائه من بعده. فما بين الطابع الاجتماعي للبيئة إلى السياسة وتاريخ مصر في مرحلة مهمة ومصيرية في تاريخها الحديث في الربع الأول من القرن العشرين، إلى مواكبة تطور الحياة في مصر وتحديدا القاهرة، المدينة التي ضمت بين أكنافها حياة أبطال الثلاثية، تبرز قيمة نجيب محفوظ الأدبية في تخليد هذه المرحلة في رواياته، فأن تنقل تاريخ شعب كامل بكل تفاصيله الاجتماعية والدينية والسياسية والعمرانية بشوارعها ومقاهيها، وخالقا ذاك الجو الذي تبرز فيه كل شخصية بالدور المقرر له، فتؤديه بكل احترافية، وهذا ما شعرت به حين قرأت الثلاثية، فأنا لست أمام شخصيات روائية يكتب حياتهم ويحدد مصيرهم كاتب لا ينتمي إلى عالمهم، بل أمام شخصيات حية، نفخ فيهم الروح من خلال قدرته الأدبية والسردية وعبقريته الفذة في الكتابة. وما أعطاه لكل شخصية من صفات  وأخلاقيات وتوجهات وتطلعات ورغبات وأحلام، حتى تكاملت الشخصية بنفسها في فضاء بعيد عن الكاتب وقامت بنفسها في التفاعل مع محيطها وبيئتها وواقعها التي وجدت نفسها حبيسة فيه، والزمن الذي ولدت فيه، كل هذه المزيّات التي يشعر بها القارئ وهذه الأحاسيس والمشاعر التي تصل للقارئ لا يُمكن أن يُبدعها أي كاتب، فهي من آي كبار الأدباء وعظمائهم. عشت مع عائلة السيد أحمد عبد الجواد وتفاعلت مع كل ما حصل لهم، إلى الدرجة التي أشجت مدامعي نهاية الرواية الأولى وقرأت وفاة السيد بعينين مغرورقتين بالدمع، ليخالجني وقتها أحساس عرفت من خلاله لمَ قال باولو كويلو: “من لم يقرأ لنجيب محفوظ فهو لم يعرف معنى القراءة بعد”. ما الذي قصده كويلو أن الكاتب يكتب شخصياته ثم يجعلها تتحرر من دنيا الورق لتشارك القارئ حياته، وقتها سيعرف القارئ أن القراءة ليست مجرد آلية تفكيك الرموز وفهم المكتوب ومعرفة معاني الجمل، بل هي مشاركة فعلية لشخصيات رغم البعد الذي يعيشون فيه؛ فإن نجيب كان قادرا على جعل الأبعاد تتداخل مع بعضها البعض فيلغي الفروق بين عالم الرواية وعالم الواقع ويجعلهما عالما واحدا من خلال شخصياته. 

*

شخصية السيد أحمد عبد الجواد، شخصية الرواية الرئيسة، والتي لا ينافسها على الصدارة منافس، بما حملته من تناقضات أو تعددت ما بين البيت مع الأسرة حيث تكون صارمة ومتزمتة وما تقوله هو الذي يُنفذ دون نقاش، وتكون في أحيان كثيرة قاسية، وأنانية لا تهتم إلا بنفسها وصورتها ومظهرها أمام الأسرة، الأب الذي يسيطر على أفراد عائلته ذكورا وإناثا، قامعا كل الآراء وعادما كل الشخصيات، حتى شخصية الزوجة فهي تبقى في ظل زوجها، لتبدو كأنها مجرد خيال امرئ في حضرته، معدومة لكل صفات البشر، وفي الوقت الذي يزرع الأب الرعب في أسرته خالقا من نفسه ذاك الغول الذي يهابه ويخافه الجميع، يكون الخوف هو المعيار الذي يقيس به هيبته أمامهم، باستمرار خوفهم منه، وعدم مناقشتهم إياه، بل حتى تكون محاولة إبداء الرأي أو النقاش أو التفكير بالتعارض كفيلة بأن تُنزل بالفرد غضب السماء، وعذاب السعير، فلا يرون إلا ما يرى ولا هدي إلا هديه ولا حياة إلا من خلال ما يشاؤه ويرتضيه لهم، حتى لتبدو هذه الشخصية أنها مستأثرة بكل الشر الذي وزِّع على شخصيات الرواية، فما يفعله السيد أحمد عبد الجواد وخاصة في مرحلة المبكرة من حياة أسرته، تضعه في هيئة شريرة أقرب ما تكون لهيئة جلاد يقتص من ضحاياه بكل عنف ولا يظهر لهم أي شفقة أو رحمة. هذا حاله داخل الأسرة، لكنه ينقلب على النقيض تماما خارج الأسرة فهو ضحوك بشوش مع أصدقائه وندمائه وعشيقاته، ذو نكتة، وأنامل رشيقة تُداعب الدف كما تداعب خد الحبيبة، صاحب كيف، ومزاج يحب الأُنس والشراب والسُكر والسهر، فهو يعيش في شخصيتين واحدة هي التي سبق ذكرها مع عائلته والأخرى هي التي تكون محط الجدل والتساؤل والاستفهام، وتبرز قدرته وإمكانياته في التوازن ما بين الشخصيتين وعدم الخلط بينهما، فلكل مقام مقال، ولكل بيئة شخصية، ولكل فرد نبرة صوت وطريقة تعامل مختلفة، لا يتداخلان مهما تغيرت الحال أو تعددت الظروف، فهو يعيش داخل البيت جبّارا متكبرا وخارجه وديعا عشيّقا، زير نساء لا يخلو ليله من أنثى يداعبها ويرشف من رحيقها. ويحافظ السيد كذلك على الجانب الديني والروحاني في حياته، متمثلا بالتزامه بأداء صلاة الجمعة آخذا معه أبناءه. ويتصدق كثيرا، فهو جواد لا يبخل بالخير، لذلك تبدو شخصيته معقدة جدا، ومتعبة في حياكتها بكل تناقضاتها وتفرعاتها، لا يُمكن أن يُسيطر عليها بسهولة، فهي تُشارك خالقها رسم صفاتها الجيدة والسيئة ولا تترك المجال مفتوحا أمامه ليتلاعب بها كما يشاء، بل تفرض نفسها فرضا، محددة الخطوط التي يجب أن يتبعها الكاتب. لا يترك السيد أحمد دربا إلا سلكه فهو وطني يدعم المقاومين للاحتلال الإنجليزي، مهتما بتتبع أخبار السياسة والسياسيين، وصورة سعد زغلول تُزين محل عمله وتجارته. تتغير شخصية السيد رغم محاولاته من أجل الحفاظ عليها، كلما كبر أفراد أسرته في السن وتقدم به السن هو الآخر؛ تغير كل شيء حوله، يضعفه المرض وتخور قواه، وحين يصل للحلقة السابعة من عمره، يجد نفسه في آخر الدرب، ملك في منفاه، وأسرته التي عمل على حكمها بالحديد والنار قد عرفت درب التحرر من قيوده، يجلس فوق كرسيه مطالعا الآتي من حياته ومراقبا حاضره وعينه تُذاكر الأيام الخوالي، بتلك الهيئة القوية والوقورة التي لن تعود والصحة التي تآكلت بآفات السن وغوائل الدهر، فأين أيام الشباب والسهر والأنس، أين الأصحاب والخلان، وحتى الأسرة أين هي الآن، كل شيء تغير فما أعجبها من حياة وما أقساه من مصير، وما أعدله من قدر، ها هو ينتظر الموت بهدوء محارب أتعبته كثرة الحروب، وهدَّه القتال، ليستقبل الموت مستعدا للانطلاق إلى الحياة الأخرى دون جزع أو رفض، فقد نال من الحياة الكثير وسعد بها السعادة التي تغنيه عن الندم والتأسف على حياة لم ينل منها كفايته. إن وفاة السيد من أشد الحوادث إيلاما وحزنا في الرواية، فرغم كل صفاته وتناقضاته والصورة الشريرة التي يظهر عليها أحيانا بقسوتها ووحشيتها ففي الختام لا يسع القارئ إلا أن يكفكف دموعه حزنا على وفاته ونهاية أسطورته التي تعايش معها وغاص في كنه أعماقها ليقف على شخصية السيد بكل تجلياتها وحقائقها، حتى تتوارى بعد حياة حافلة في التراب تاركةً القارئ في حيرة من أمره عن مدى  الشجاعة التي امتلكها نجيب ليرسم هكذا حياة لهكذا الشخصية ويقودها نحو الموت بهدوء ورزانة وثبات. 

*

عمود الأسرة الآخر، الأم، السيدة أمينة هي الأخرى لا يمكن أن تقل أهميتها وجوهر دورها في الرواية أهمية عن أي شخصية أخرى تلي السيد، المرأة المغلوبة على أمرها، المأسورة بقيود زوجها، معلنة الطاعة العمياء، والانقياد الذي لا يثنيه ثانٍ ولا  يصده عن أداء واجباتها صادٍ، في استمرار دائم لتنفيذ حاجيات زوجها، للدرجة التي يختفي فيها كيانها وينعدم شخصها، فلا يوجد من هيئتها إلا ظل لا يُشير لمخلوق أكثر من إشارته إلى الانصياع للأمر، كأنها جندي في خدمة أبدية، أو كشمس محكوم عليها بالشروق والغروب كل يوم حتى يشاء لها الله، وتكوّر إلى لا عودة. هكذا تقضي أمينة حياتها وتطوي السنين، واحدة فأخرى، تركض فوق بساط الحياة أسيرة ما بين زوجها وجدران بيتها التي شُغل حيز غرفها بابنيها وياسين وابنتيها. أمينة لم تخلُ من الصفات الحميدة فهي طيبة ورؤوم وعطوف وكما يصفها كمال أن قلبها أبيض وسرعان ما تنسى، وتبدو لي بشخصها وإيثارها وتفانيها ودأبها وسعيها لرخاء عائلتها وسعادتها بالأم بيلاجيا بطلة رواية الأم لمكسيم غوركي، وإن كانت أمينة أقل من بيلاجيا تأثيرا في الرواية والحياة المحيطة بها، لكن في الهيئة العامة، تبدو كالشجرة التي تؤتي ثمرها للقاطفين، وبعد أن تعمّر يصبح ظلها ملاذا للعابرين. التزامها وعبادتها وطيب نفس وأخلاقها، يقرّبها من هيئة الملاك في حياتها حتى مماتها، الذي اختار نهايتها نجيب لتكون هادئة كموت سليمان. 

*

أفراد الرواية الآخرين بتنوع شخصياتهم وأهدافهم وطموحاتهم ورغباتهم وشهواتهم، وتطورهم المستمر بتقدمهم في السن وتشتيت الحياة لمصائرهم ومعتقداتهم وعاداتهم وساقهم القدر نحو طرق متعددة سواء على مستوى الفكر أو العقيدة أو المشاعر، يُعطي كل منهم بعدا للرواية يأخذ معه القارئ للتعرف على درب من دروب مصر التي أراد نجيب أن يخلدها ويُوصلها للقارئ، ذاك القارئ الذي لم يولد بعد، فما بين المقاومة والسياسة لفهمي إلى التحلل وسوء الخلق لياسين إلى التقلبات الفكرية والعاطفية والدينية والأخلاقية لكمال الذي كان من أكثر الشخصيات إثارة، فما عاناه في طفولته، وصدمة الحب مع عايدة والانقلاب الديني نحو الإلحاد بعد أن كان ملتزما مؤمنا، فقد عاش بعد أن دفع ضربية الحب الباهضة التشتت ودخل عالم الشك من أوسع أبوابه الفلسفية التي تأثر بفلاسفتها وكانت ظلالها ثقيلة على حياته؛ رسمت طريقا شاقا له. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى