توماس هاردي

Great Writers


حجم الخط-+=

ترجمة: مؤمن الوزان

واحد من أبرز الروائيين والشعراء البريطانيين المحبوبين في القرن التاسع عشر. خلّد هاردي ذو الأصول الريفية المتواضعة مسقطَ رأسه بسلسلة من الحكايات الرومانسية الأخَّاذة. 

لعبت خلفية عائلة توماس هاردي دورًا هامًّا للغاية في تحديد المواضيع التي سيستعرضها لاحقا في رواياته. ولد توماس في الكوخ الذي بناه جده الأكبر في قرية صغيرة في هاير بوكهامبتون، خارج دورتشيستر؛ بلدة مقاطعة دورست في جنوب إنجلترا. كان والده معماريّ حجارةٍ ماهر، لكن كان للعائلة أسرارها، فقد أُجبر والدا توماس على الزواج بسرعة بعد أن حملت والدته، وحُرمت جدّته -وهي ابنة مزارع ثري- من الميراث بعد زواجها من خادم. تحمّلت العيش في زواج فظيع، وماتت في فقر، إذ تبيّن أنّ زوجها كان سِكِّيرًا عنيفا. لم يكشف هاردي عن هذه الأحداث مباشرة في كتاباته، لكن مسائل مثل الزواج بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وعار الأبناء غير الشرعيين، وتقلب الأوضاع المفاجئ في الثروات المالية، كانت تحتلّ مكانةً بارزة في أعماله. كان هاردي صبيا مريضا -كاد يموت عند ولادته- لكن موهبته تجلّت منذ نعومة أظفاره؛ تعلّم القراءة “قبل أن يتمكن من المشي تقريبًا”، وكان تلميذا نجيبًا في المدرسة. كان يحلم بأن يدرس في إحدى الجامعات الكبيرة، تماما كما كان يحلم البطل الرئيس في روايته “جود الغامض”، لكن حالته الاجتماعية عرقلت حلمه هذا، وأصبح بدلا من ذلك مُتدربا لدى معماريّ محلّي يدعى جون هيكس. وهناك، التقى هاردي بهوراس مولي، وهو طالب ألمعي لكنه غريب الأطوار، كان له تأثير عميق في الشاب الفتيّ هاردي. عمل هوراس معلما له، فأرشده في دراساته وشجع جهوده الأولى في الكتابة الشعرية. تلازم الرجلان وجمعتهما صداقة قوية لم تنتهِ إلا بانتحار مولي المأساوي في عام 1873.

تراكم الخبرات 

امتاز هاردي بكونه شخصًا حساسًا ومرهفَ المشاعر، الأمر الذي جعله سريع التأثر بالنقد، لكنه زاد كذلك من وعيه بمعاناة الآخرين، وكان يراكم ذكرياته الصادمة في بعض الأحيان ليستخدمها في وقتٍ لاحق. ومن الأمثلة على ذلك ما شهده هاردي وهو بسن السادسة عشرة، إذ حضر شنق امرأة أُدينت بقتل زوجها زير النساء. كان ذلك آخر إعدام علني لامرأة تشهده دورتشيستر، وظلّ ذلك المشهد المُريع عالقًا في ذاكرته إلى آخر حياته. وممّا لا شك فيه أن أثر تلك التجربة قد برز في كل من حبكة وشخصية البطلة المأساوية لرواية Tess of the d’Urbervilles. وفي عام 1862، انتقل هاردي إلى لندن ليوسّع من آفاق مهنته، حيث انضمّ إلى التدريب المعماري لآرثر بلومفيلد. سُحر هاري بالعاصمة الإنجليزية، وتذوق الملذات الثقافية التي ضمّتها مسارحها ومعارضها. لم ينجُ من أعماله المعماريّة في ذلك الوقت سوى تُحفةٍ واحدة لافتة للأنظار، ألا وهي “شجرة هاردي” التي تتكوّن من ترتيب دائري لشواهد القبور بالقرب من سانت بانكراس، وقد صمّمها عندما كان يعمل على إخلاء المقبرة لإفساح المجال لقسم جديد من سكة حديد ميدلاند. التقى هاردي بزوجته الأولى من خلال عمله المعماري. كان متواجدا في كورنوال من أجل تقدير قيمة التصليحات لكنيسة القديسة جوليت حين تعرّف على إيما جيفورد. كان والدها كاتب عدل -رجلا من طبقة اجتماعية تفوق أسرة هاردي بكثير- لكنه كان سِكِّيرا ومفلسا. وعلى الرغم من ذلك، فقد بذل هاردي جهدا كبيرا في إخفاء خلفيته، وكان حريصًا كلّ حرص، ولسنواتٍ عديدة، على عدم التقاء العائلتين الموقرتين. لم يحضر زواجَهما عام 1874 سوى شقيق إيما وابنة صاحبة دار هاردي. كانت تلك نوعيّة التوترات الاجتماعية التي أجاد هاردي وصفها في رواياته. 

بواكير الكتابة 

بحلول ذلك الوقت، كان هاردي عازما كل العزم على أن يجعل لنفسه مسيرة مهنية في عالم الكتابة. كانت روايته “علاجات يائسة” قد ظهرت في عام 1871، على الرغم من أنّه كان ملزما بدفع 75 جنيهًا إسترلينيًا من ماله الخاص لدعم نشرها. أتبعها برواية “تحت الشجرة الخضراء (1872)”، وهي رواية موجزة ولكنها جذّابة اعتمدت بكثرة على ذكريات طفولته حول الموسيقيين (من بينهم والده) الذين كان يعزفون في كنيسته المحلية في ستينفورد. أما كتابه التالي، “عينان زرقاوان (1873)”، فكان يضم بطلة بُنيت إلى حد كبير على شخصية إيما جيفورد. بيد أن رواية هاردي الرابعة، “بعيدا عن الحشد الصاخب”، هي التي جلبت له الشُّهرة والتقدير. نُشِرت هذه الرواية متسلسلة في مجلة “كورنهيل” المرموقة من شهر كانون الثاني/ يناير من عام 1874 إلى كانون الأول/ ديسمبر من العام ذاته، ثم نُشِرت لاحقًا في طبعةٍ من جُزأين. كان النشر المتسلسل في العصر الفيكتوري علامةً على أن المؤلف قد نال المكانة؛ الأمر الذي مكنهم من جني عائدات محترمة من خلال وصولهم إلى شريحة عريضة من القراء (كانت المجلات أرخص بكثير من الكتب). بيد أن هذا النوع من النشر فرض قيودًا على أسلوب الرواية وبُنيتها: كان على أجزاء العمل أن تنشر بالتساوي في كل دفعة، وكان طول كل جزء محددًا سلفا، وكان ينبغي للمحتوى أن يكون مناسبا للقراءة العائلية. عانى هاردي كثيرا من هذا الشرط الأخير (مع أنه كان من الممكن إجراء تعديلاتٍ بين النسخة المُتسلسلة والنسخة النهائية للكتاب المنشور). 

حقائق ريفيّة 

كانت رواية “بعيدا عن الحشد الصاخب” من الأعمال الرائدة في رسمها للحياة الريفية. ففي الوقت الذي كانت تصف فيه جمال بلدة هاردي المحلّية “دورست”، بطبيعتها وتقاليدها، كانت تعكس كذلك الواقع القاسي للحياة في الريف، فأظهرت مثلا السهولة التي واجه بها الراعي جابرييل أُوك الفقر والإذلال، وموت فاني روبن في بؤس في ورشة العمل. قدّم هذا الكتاب المسودة الأولى لمجموعة هاردي القصصية “حكايات ويسكس (1888)”، حيث استمر في تصوير الريف بأسلوب واقعي وغير عاطفي. وثَّق هاردي كذلك التغيرات الرئيسة التي تحدث في الريف، إذ منح تنامي السكك الحديديّة عمّال الحقول الفرصة للتحرك بعيدا في بحثهم عن العمل، لكنّ إلغاء قوانين الذرة تسبّب في تدهور الزراعة البريطانيّة. أدى هذا الأمر إلى ارتفاع معدلات البطالة، حيث تقلّصت سبل عيش المزارعين بسبب الواردات الرخيصة، وكان هناك اعتماد متزايد على الآلات. في رواية Tess مثلا، نجد انحدار البطلة منعكسا في انتقالها من مصنع ألبانٍ لطيف إلى مزرعة قاتمة من “فدادين الجياع”، تسمى Flintcomb-Ash، حيث كان العمال مجبرين على القيام بأعمالٍ بدنيّة شاقة، وكانت تيس تكافح للتغلب على ماكينة الدرس “الوحشية”. لقد زوّده موطنه الرّيفي بخلفية غنية لمزيجه المثير من الأعمال الدرامية، والتي تضمنت الإغراءات والهجر والزواجات الفاشلة والأطفال غير المرغوب فيهم. أصبحت هذه الأحداث تشاؤمية على نحو متزايد، وغالبا ما تكون مصحوبة بشعورٍ طاغٍ بالسلطة القاهرة للقضاء والقدر. بدت الشخصيات الرئيسة في آخر روايتين له (جود الغامض وTess of the d’Urbervilles) كما لو أنها تُعاقب على محاولتها الارتقاء والتحسين من حياتها. انقطع هاردي بعد رواية جود الغامض عن كتابة الرواية، والتي هوجمت بشدة لنقدها الواضح للدين المُنظّم ولمؤسسة الزواج، وأسماها أحد النقاد “جود الفاحش”. كرّس هاردي ما تبقى من مسيرته الأدبية في نظم الشعر، وتناولت العديد من قصائده العُمر، وتقدم الزمن، لكنه أنتج كذلك قصائد حربية، وشعرًا عن إيما (مع أنه تزوج مجددا بعد وفاتها بعامين). وشُرِّفَ بعد وفاته بمكانٍ في ركن الشعراء في كنيسة ويستمنستر، وبقي قلبه مدفونا في تربة دورست.  

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى