تطور الرواية الحديثة

جيسي ماتز


حجم الخط-+=

مؤمن الوزان

هذا الكتاب هو أحد الكتب ضمن سلسلة تخص الرواية الحديثة وتطورها تعمل الأستاذة لُطفية الدليمي على ترجمتها، مشكورة، وقد ترجمت ونشرت أيضا كتاب الرواية المعاصرة لروبرت إيغلستون، لتُثري المكتبة العربية ذات الفقر الواضح -كما تشير- للكتب التي تتناول الرواية الحديثة، والتي لا تستغني أي مكتبة في العالم أن تحتوي أكبر عدد ممكن الكتب والدراسات لأجل فهم الرواية والعمل على تطويرها فهي كما توضح الأستاذة لُطفية في تقديمها لهذا الكتاب مجيبة عن سؤال لماذا الرواية؟ فتقول الرواية نوع من الذاكرة الجمعيّة المميزة لكل جغرافية بشرية، الرواية اليوم تؤدي عمل الأسطورة في الأمس، الرواية تقوم على التخييل وتقوم داخل فضائها، تستحث على التفكير والخيال، خاصة مع تطور التقنية وتحول العالم إلى أشبه بسلة خوارزميات، ركد فيها الخيال البشري، إذن فالرواية هي الإناء الذي يحوي ويحفظ الخيال والفكر البشري وإبقائه في إطاره الإنساني التحليلي بعيدًا عن تحوله إلى جزء من العالم التقني المحيط به، والذي يقوم بكل شيء نيابة عنه تقريبا. وكذلك لكون الرواية وخاصة مع تطور علم النفس، يُمكن أن تؤدي دورًا علاجيا لبعض الذي يعانون الاضطرابات الذهانية، نظرا لما تقدمه من مساحة لإبراز وإعلاء الأصوات المكتومة في داخل النفس البشرية. ومن أهم ما تذكره عن دور الرواية هو فتح آفاق جديدة أمام الوعي البشري والخيال الإنساني. 

وتقول: “واستحال الروائي -على هذا النحو- مثل آلة (إينيغما) معاصرة تفك شفرات الحاضر الملتبسة وتعمل على تلمس آفاق المستقبل وبخاصة على صعيدي الوعي البشري، والسايكولوجيا الإنسانية،  وما يترتب على تطورهما من تشكلات جديدة في العلاقات بين الكائنات البشرية، وبين البشر والبيئة، وحتى في العلاقات بين الكائنات غير البشرية، مع بعضها ومع الكائنات البشرية معا”. وتضيف ناصحة عن كون الرواية أداة ناعمة من أدوات العولمة الثقافية، وعلى ضرورة تعلم اللغات الأجنبية وإتقانها، حتى يبقى الإنسان في تماس مباشر مع العالم المختلف المتطور المتسارع خاصة لأولئك الذين يرون في أنفسهم مواهب سيكون لها دورها في عالم الأدب مستقبلا، مؤكدةً كلامها بأهمية الترجمة التي عمل بها عديد الروائيين والأدباء الذين يُشار لهم بالبنان. وتستكمل مقدمتها حول الرواية مستعرضة الثورات الخمس التي كان لهنَّ التأثير الواضح والجلي في الرواية وتطورها، بداية مع الثورة الفيزيائية التي بدأت بنيوتن حتى النظرية النسبية وتجاوزها مع فيزياء الكم التي دخلت اليوم في مجالات الحياة كافة، مغيرة نظرتنا للواقع والزمان والمكان وعلاقتنا مع هذا العالم، وكذلك الثورة الصناعية في أوروبا ودورها الكبير في تغيير وجه العالم وعلاقته مع الآخر من خلال الآلة، والثورة الثالثة هي التطور الذي شهده علم النفس، والذي ألقى بظلاله على الرواية. الثورة الرابعة هي التي كانت في مجال الفلسفة والتي كان على رأسها برانتد راسل مع جمع من الفلاسفة والأساتذة خاصة في نطاق التحليل اللغوي والنزعة التحليلة، ودورها في تخليص اللغة من الرطانة إلى الاقتصاد في الأسلوب من أجل الوصول إلى الهدف من دون إعياء اللغة وإثقالها بالتزويقات اللغوية الفارغة والاستعارات. والثورة الأخيرة هي الثورة الليبرالية، والتي لها الدور الكبير في التطور الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه العالم المتحضر والذي يعمل بدوره على تعزيز قدرات الإنسان ودفعه إلى الأمام من أجل التطور والتقدم. مُنهية تقديمها باستعراضها لأهم مجالات رواية ما بعد الرواية الحديثة، وهذه المجالات هي: الرواية ما بعد الحداثة، والرواية ما بعد الكولونيالية، والرواية الرقمية،  ورواية التعددية الثقافية، والتي أرى أنها من أهم وأبرز مجالات التي يمكن أن يكون لها الدور والتأثير في هذا العالم بفروعها الثلاثة: الرواية التي تعتمد على الموروثات الشفاهية، وروايات الهجرة والمهاجرة، ورواية الأقليات. 

مقدمة الكتاب الذي يفتتحها جيسي ماتز بسؤال، أية حداثة؟  

وهو تقديم عن معنى الحداثة وما الرواية الحديثة، وكيف نعرف الرواية الحديثة، والتي يعرفها بأنها “تلك الرواية التي أنشأت قطيعة مع الماضي، وجعلت من نفسها شكلا جديدا، ومهدت الطريق أمام الحداثة المستقبلية. ويأخذ أربعة أمثلة عن الرواية الحديثة في بدايات القرن العشرين والتي تمثلت في أربعة شخصيات روائية هي: جيمس جويس وجين تومر وفرجينيا وولف وغريتورد شتاين. وبعد عرض الصفات الحداثية في روايتاهم، يلخصها في هذه الصفات: “وضع الواقع موضع المساءلة الروائية، وتشظي العمل الروائي، واحتشاده بالجمل التلقائية، والأصوات الشخصية من داخل الرواية”. ويكمل تعريفه للرواية الحديثة بأنها ليست تلك التي كُتبت بالزمن الحديث بل تلك التي سعت إلى التجديد في رؤية الواقع بدل الصور النمطية القديمة التي أوصلت الرواية إلى مرحلة أصبح فيها الراوي كيانا منفصلا غير متفاعل مع واقع الرواية، كأنه كاميرا تسجيل فقط، لذلك فالرواية الحديثة هي التي تسعى لاستخدام تقنيات روائية جديدة، وونظريات روائية جديدة ولغات جديدة، وعلى ضوء هذه الجدة نختبر مدى حداثة الرواية وجديتها الفعلية. إذًا، فالحداثة كما يُبين مستشهدا بعديد الأمثلة، مرتبطة بالحركة المستمرة، اللا توقف، في عالم متجدد باستمرار، فالرواية الحديثة هي التي تقرأ الواقع المتغير وتحاكي تغيره وتتجدد باستمرار، فهي في حالة انزياح عن الماضي والتصاق بالمستقبل الآتي، هي اللا تموضع واللا تخندق، هي الحاضر الذي يسعى إلى الأمام دائما بطرق مختلفة لا تُشابه سابقاتها. “وهي تجربة جديدة في مواجهة الطغيان السائد للحداثة بحيث تسعى إلى عكس فعاليات الحياة الحديثة، وسبر غورها، بل وحتى تحقيق الخلاص الموعود منها”. ويضع تعريفا للرواية الحديثة بناءً على ضوء الملاحظات التي ذكرها في تفسير ماهية الحداثة وعلاقتها بنمط الأمل (وهي الفكرة القائلة بدور الفن الحديث في إحداث تحول في الحياة المعاصرة، وجعل الأفراد أكثر هدوءا ونبلا وجنوحا للسلام): “الرواية الحديثة هي العمل الروائي الذي يسعى في طلب موضوع جديد رغبة لعدم الإنكفاء في مواجهة متطلبات الحداثة، ويستخدم في العادة “نمط الأمل” كمسعى خلاصيّ مرتجى”. ويختم تقديمه للرواية الحديثة باستعراض تاريخ بداياتها بإيجاز واقتضاب.

فصول الكتاب

يدور الفصل الأول من الكتاب حول بداية الرواية الحديثة، والتي تمثلت بالأمريكي هنري جيمس، إذ وصلت معه لشكل حديث مغاير عما سبق، ولم وصولها مع هنري جيمس صدفةً، فقد كانت هناك محاولات سابقة لتحديث الرواية ومواضيعها ونظرتها للواقع وتعاملها مع تطورات الحياة الجديدة والنفس البشرية، كما في مدام بوفاري لفلوبير وآبناء وبنون لتورغينيف والروائية الإنجليزية جورج إليوت، ولكن ما قام به هنري جيمس وكما يقول جيسي ماتز هو إغناء الوعي الروائي: إذ لم يسبق قبل جيمس من سبر غور عقول الشخصيات الروائية، وتأثير هذا التعامل الجديد مع الوعي الروائي في علم النفس والتي استحالت لنظرية جديدة للعقل. وكان هذا التعامل الجديد مع الوعي الروائي عند هنري جيمس هو فاتحة وانطلاقة لما عرف فيما بعد بتيار الوعي في الرواية الحديثة، الذي وصل ذروته مع جيمس جويس وروايته عوليس. ويستمر جيسي ماتز في تبيان الحداثة التي لحقت بالرواية من خلال فرجينيا وولف وجوزيف كونراد وأورتون، وكانت ضرورة لا بد منها بعد التغيير والتطور التي شهدته الحياة، والنزعة المادية، والحقيقة الاستعمارية التي تنافي التعامل المثالي الحضاري الذي تدعو له الحضارة الحديثة. دفعت كل هذه الأسباب هؤلاء الروائيين إلى إعادة النظر في فن الرواية. وتجريب أساليب روائية جديدة ومواضيع تنظر إلى الواقع وتتعامل معه بصورة أكثر تفاعلية ودقة مما سبق، دون الابتعاد والغوص في الشكل الخارجي أو تجنُّب الغوص لعمق الواقع والإنسان.

يتناول القسم الثاني من الفصل سبعة روائيين حداثيين مثلت أعمالهم الرواية الحديثة -أبرزهم وولف،  وفوكنر، وهمنغوي، ود.هـ. لورانس، ومادوكس فور، وجويس- سواء بموضوعاتهم الروائية أو الأساليب الروائية، أو النظرة التجديدة للواقع في خضم تطوره، وتشظي الرواية إلى جهات مختلفة، واستخدام الانطباعات وصيد الوقائع والحوادث  الطارئة من أجل جعل الرواية أكثر اتصالا والتصاقا بالحياة، وإعطائها طابعا حيويا جديًا متمثلا بواقع الشخصية أو نظرتها لهذه الواقع، وتفاعلها معه. فالرواية عند لورانس على سبيل المثال، أكثر تركيزا على فهم الجسد وغرائزه وتأثيراته على  التعامل مع الذات والآخر، وهمنغوي في كونه أكثر بساطة ومباشرة. وتعني الحداثة وضوحا بسيطا مباشرا وحادا، بعد أن سادت قناعة وقتا طويلا أن الرواية الحديثة تعني التعقيد. إذ يجب أن تكون الرواية أكثر خفة وأن تكون عارية بعد أن دُثِّرت. وقمة ما وصلت له الرواية الحديثة في رواية عوليس سواء بحبكتها إذ تبدو أشبه بلا حبكة أو أساليبها ولغتها، والتركيز البؤري السردي على ستيفن وبلوم، الشخصيتين الرئيستين في الرواية. 

ما نستطيع الخروج به في فهم الحداثة الروائية، هو التحرر من التعقيدات والقيود الماضية، والنظرة التقليدية والبحث عن الجدّة والحداثة، وتحديث الرؤى للحياة وماهية وهيئة مضيها وتقدمها ونقل هذه الرؤية الجديدة إلى الرواية من خلال الشخصيات، وجعلها أكثر واقعية في طرح أو التعامل مع الذات والآخر والواقع، ببساطة ووضوح ومباشرة، دون إثقالها بعناصر غير حية أو سرد لما هو غير ذي تأثير على الشخصية أو ذي صلة بالواقع. ولا يعني الانحياز نحو البساطة البدائية السذاجة، بل البساطة التفكيكية لهذا الواقع وللنفس البشرية. 

**

ما يلاحظ في الروائيين الذين مثلوا الرواية الحديثة وطوروها والذين يذكرهم جيسي هم الذين يكتبون بالإنجليزية فقط، سواء أكانوا أمريكيين أو بريطانيين أو إيرلنديين، وهذا ما يدفعني للتساؤل عن دور الرواية الفرنسية والألمانية، لا أستطيع أن أعطي حكما أو رأيا نهائيا، كون ما أملكه من معلومات يبقى في حيّز النقص وبحاجة إلى بحث وقراءة أكثر، للوقوف على الأسباب الحقيقية لإقصاء كل ما هو غير ناطق بالإنجليزية. 

**

يتناول الفصل الثاني من الكتاب موضوع الواقع وماهيته في الرواية الحديثة، وهو فصل غني بالكثير من الشرح والأمثلة التي تُغني القارئ في تكوين صورة عامة للواقع وخاصة في النظرة الجديدة لهذا الواقع الذي يبدو أكثر دقة في تناول العادي والارتقاء به إلى اللا عادية، وما اتسمت به الرواية الحديثة من خلال تفكيك النهايات وتهشيم الحبكة، والتعبير عن الحياة اليومية العادية على نحو أكثر عمقا وإضفاء بعدٍ حيوي يجعل القارئ يشعر بالواقعيات على نحو أكثر دقة. إذ أصبح الواقع في الرواية الحديثة كما يُبيّن جيسي ماتز:

إنه لم يعد شيئًا خارجا عنا وينبغي للروائي وصفه، بل بات عملية اشتباك مع الوعي (مجموعة أفعال شخصية، أداء سيكولوجي، شيء في حالة جريان من الصيرورة والتغيير).  

إذًا، الواقع في الرواية الحديثة، هو أكثر دقة وانغماسٍ مع الواقع الملموس الذي يعيش فيه الإنسان، حيث يعمد الروائي الحداثوي على تفكيكه ومساءلة المُسلَمات، واختبار الحقائق، وعدم الالتزام بالطريقة التقليدية في التعامل ونقل الواقع إلى الرواية، بل نقل الرواية إلى الواقع، وخوض غمار التجربة الحياتية في الرواية، واكتشاف الواقع بأدوات جديدة، سواء على مستوى التعامل معه أو مع الحبكة أو تشعب الموضوع وتشتته، وعدم الالتزام بهيكلية ثابتة عامة، لا يعني الفوضى، بل هو عدم التجانس والمفارقة والتهكمية التي امتازت بها الرواية الحديثة على مستوى الحبكة أو الشخصيات أو النهايات لتبدو أكثر شبها واتصالا بالواقع. 

**

أما الفصل الثالث من الكتاب فهو عن الأشكال الجديدة للرواية الحديثة. كما أن للحداثة تأثيرٌ على الواقع الروائي مما أدى إلى ظهور تحديث للواقعية في الرواية، فكان لازما أن يتغير الشكل الروائي من الداخل في ثورة تحديثية على الشكل القديم، وما يناقشه هذا الفصل من تحديثات التي طرأت واتسمت بها الرواية الحديثة ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول هو اختفاء لشخصية البطل وظهور وما يسمى اللا بطل أو ضديد البطل Anti-hero في الرواية، لتنفي الصفة القديمة التي تمتاز بها الشخصية الرئيسية بما تقوم به من إنجازات أو يطرأ عليها من تغييرات إيجابية أو تحمله من صفات سامية، لتظهر شخصية الحديثة الرئيسة، لتكون أكثر واقعية وانسجاما مع الحداثة التي شهدها العالم، وليس شرطا أن تكون أفضل أو أسوأ من البقية، لكن تحافظ على نفسها، وتمردها ضد هذا العالم، باغترابها أو ابتعادها عن محيطها، الشخصية الفردانية التي لا تهتم بما يحيطها أكثر من أهميتها بذاتها. القسم الثاني يختص بالحبكة، ومفهوم جديد للحبكة، فلم تعد الحبكة تعني تغييرا في المواقف والشخصيات، بل أصبحت في مدى الحفاظ على الأفكار والتوجهات، والرغبات، وعدم التخلي عما تروم إليه أو تؤمن به الشخصية. يقول جيسي: “فقد باتت الشخصيات في الغالب تنتقل من طور التناغم إلى طور التمرد الذي ينتهي في العادة لا بالتكامل السعيد مع المجتمع، بل بالرفض الواسع -والمدمر أحيانا- للمجتمع”. القسم الثالث ما يخص السارد العليم الكلي المعرفة، هو الآخر انتابه التغيير، فقد كان السارد شخصا عليما بكل ما سيدور في الرواية، وللشخصيات، ونهايات الأحداث، وقادر على الخروج من أي مأزق وله حلول لجميع المشاكل، لكن في هذا العصر، وفي خضم الحداثة والتطور المستمر من الذي له بإمكانه الإجابة عن كل هذه التساؤلات المتشككة والمظاهر المزيفة؟ يتساءل جيسي ماتز. هذا ما دفع الروائيين الحداثيين تجاه النظرة المتموضعة بؤريا Focalization، من خلال التركيز على جانب محدد من الحياة تستطيع الشخصية إدراكه. ومن فوائد السرد المنظوري Prespectival (وهو سرد شخصية وجهة النظر -وهي الشخصية التي من خلالها نتابع القصة أثناء القراءة-)  التعددية إلى عدة وجهات نظر لشخصيات مختلفة في الرواية، مكونة تعدد رؤى شبيهة بالسارد كلي المعرفة. كما في رواية الصخب والعنف لفوكنر. القسم الأخير وهو الذي شمل السرد الخاص بوعي الشخصيات، فلا يمكن الاستمرار بسرد وعي الشخصيات، بذات الطريقة التي تُسرد بها الشخصية من الخارج، وكان للتطور السردي دوره التأثير في سرد الوعيمن خلال لغة خاصة والمنطق وتراكيب الجمل والهيكل العام للسرد، يكون فيها تدفق الأفكار والجمل، دون تدخل مباشر من السارد “وذلك بغية جعل السرد أكثر صدقية وخليقا حقا بكشف انفعالات العقل المختلفة”. تدفق تلقائي يُعطي بعدَ الذاتية في السرد الداخلي للمعلومات أو التداعي أو استرجاع الذاكرة للأحداث، بدون قوانين أو انتظام، وهي عملية نقل سردي لعشوائية الوعي وعدم تسلسل ما يجول في الذهن، دون وجود ترابط بين ما يُفكَّر فيه -ما يسرد- من أمور مختلفة التي تبدو كأنها موضوع واحد، كما في بعض مقاطع رواية عوليس.

يقول جيسي: “باتت الحياة الداخلية للأفراد في العالم الحديث فيضا وتمازجات سلسلة من الذكريات والإدراكات والرغبات التي تتدفّق في جريان لا ينقطع”. 

**

يأخذنا جيسي ماتز في الفصل الرابع من الكتاب لمعرفة المعضلات الجديدة التي تواجه الرواية الحديثة التي تتمثل بعنصرين رئيسين هما التعامل مع الزمن ليس باعتباره خطا زمنيا واحد كما اعتادت الروايات أن تستخدمه في ترتيب زمني تتابعي (كرونولوجي)، بل من خلال التعامل معه بطريقة مغايرة تشمل عدم الترتيب والقفز وإعطاء بعدٍ حيوي يضفي للزمن خصائصه سواء عند التعامل مع الماضي أو الحاضر، والتركيز على الصعوبات في سرد الأحداث الماضية بطريقة زمنية منتظمة ومتسلسلة وأفضل مثال على هذا التحديث الزمني في الرواية هي رواية البحث عن الزمن المفقود للروائي الفرنسي بروست الذي يُبيّن: “كيف أن الاستذكارات الواقعية أو الاسترجاع الحسي للماضي- يعتمد على جهد شخصي مكثف أكثر مما تواضع الناس عليه من قبل”. وهذا ما يُتعامل معه بخصوص الذاكرة أيضا، إذ أصبح من الزيف أن تتعامل الذاكرة مع الأحداث بانضباط زمني خطي صارم، دون مشكلات في التذكر أو التسلسل، ما قامت به الرواية الحديثة هو التعامل مع الزمن بأسلوب أكثر واقعية مما كان عليه في الرواية وقت نشوئها. والتأكيد على تنافر الزمن الشخصي الداخلي مع الزمن الجمعي العام السائد. يمثل العنصر الثاني في معضلة تعاملت معها الرواية الحديثة وإن أقل من تعامل الروائيين الحداثيين من الزمن الروائي هو المكان ليس كأنه خلفية ثابتة في الرواية تدور فيه الأحداث، بل جعلوه أكثر تماهيا في الرواية وأكثر تخصصا وتحديدا في تناول المكان في الوقت التي أصبحت فيه المدينة أكثر مساحة وتوسعا: “حيث يقف الروائيون الحداثيون بالضد من النزعة المادية الطاغية في الرواية لاعتقادهم أن التركيز المادي على الأشياء والبيئات يعمل على إبعاد الرواية عن المشهد الروائي”. 

ومما قامت به الرواية الحديثة هو دفع “تفكيك الحس البدهي للأشياء” إلى مراتب أكثر تكاملا، من خلال التكثيف في السرد الروائي وإصابة القارئ بالصدمة بعد أن سادت النظرة عن أن الرواية نافذة مطلة على العالم، فعمد الروائيون الحداثيون إلى إنهاء هذه النظرة العادية والمعتادة إلى العالم. 

ومما يُثار عن إيغال الرواية الحديثة في الصعوبة فيحدد ماتز الأسباب ويقسمها إلى ثلاث فئات هي: الصدمة و(التفكيك الحسي البدهي للأشياء) التي تختص بالتعامل مع الطريقة التي تقود فيها الصعوبة إلى اجتراح تغيير قسري صادم للقراء. والثانية تختص بالمحاكاة، بما أن الحياة أضحت أكثر صعوبة فعلى الرواية أن تماثل الحياة في الصعوبة والتعقيد. والثالثة تختص بالدوافع التي تنتمي إلى أجندة مختلفة، ورأى الروائيون ضرورة وجود تباعد أساسي مع المرجعيات اليسيرة، إذ شعروا أن الرواية لا يمكن أن تكتب باللغة العادية اليومية لأنها ستكون بشكل عادي من أشكال التواصل بين الناس. 

**

الفصل الخامس ودور الرواية الحديثة في تناولها قضايا الواقع، كالسياسة والإمبريالية والطبقية الاجتماعية والتعامل مع موضوع الجنسانية، واستكشاف الحياة في مناطق كان يظن على الدوام أنها بعيدة وهامشية كما في روايات الغرب الأمريكي، والوعي النسوي. خدمت الرواية الحديثة المصالح النسوية في مساعدة النساء في مقارعة الحبكات التقليدية للحياة الاجتماعية أو ابتكار أشكال تعبيرية جديدة عن الوعي النسوي. والتساؤل حول جدوى البقاء في السعي نحو التجريب الجمالي فقط أم المحاولة أيضا لإحداث تغييرات سياسية لصالح العرق الذي ينتمي له الكاتب. في هذا الفصل تناول متشعب للمواضيع التي عالجتها الرواية الحديثة، ودخولها إلى محاكاة الواقع ومشاكله وكيفية الدفاع عن قضايا معينة أو كشف اللثام عن أخرى، ولا بد أن يكون للرواية دورها الجدي والحقيقي مع ما يشهده  هذا العصر من تطورات ومستجدّات وما جلبه من تغييرات سواء على  المستوى السياسي والعسكري المتمثل في الإمبريالية الأوروبية في إفريقيا أو الهند، والحقائق  التي حاول بعض الروائيين مثل كونراد وإي. أم. فوستر الكشف عنها، حول مساوئ الاستعمار التي تتنافى مع روح العصر والحضارة التي يُتحدث عنها والعمل بمقتضاها. وكذلك المواضيع التي تخص الطبقية الاجتماعية التي منحها ديفيد هربرت لورانس عبر الرواية الحديثة مفهوم (الوعي الطبقي)، والمقاربة بين الطبقات محاولين عرض الفانتازيات العارية المجردة الخاصة بالثروات والامتيازات الطبقية، كما في رواية غاتبسي العظيم لسكوت فيتزجرالد. ويعرض جيسي ماتز الكثير من المواضيع التي تطرقت لها الرواية الحديثة وحتى أوقات الركود خاصة في العقد الثلاثيني من القرن العشرين والذي لم يشهد له شبيه من اضمحلال النثر التخيلي واستحالته أرض قاحلة، مردفا دراسته لتطور النزعة الواقعية للرواية الحديثة بروايات مستعرضا القضية التي تناولتها كل رواية، سواء على مستوى المدة الزمنية أو فكرة العمل أو منابع تأثّرها وتأثيرها الاجتماعي. 

**

تحدث الفصل السادس من الكتاب عن مساءلة الحداثة ومراجعات لنصف قرن من الرواية الحديثة، حيث جرَّ الروائيون الرواية من عليائها وجعلها تلامس الأرض الصلبة كما فعل روائيون كثيرون أمثال لورانس وجويس وهمنغوي وكاثر. وكما يقول لوكاش على الرواية الحديثة أن تنسق بين متطلباتها الجمالية الداخلية الجديدة مع الأشكال الجديدة مع المسؤولية المجتمعية. وكذلك الانفتاح أكثر على الأنماط الثقافية الدُنيا. إضافة لدور التقنية الحديثة وتداعياتها ومساهمتها في بعث أنماط إلهامية جديدة، كما يجب على الرواية عرض الأشياء في الرواية الحديثة بدل الحكي عنها فقط أو ما يسمى بالنزعة الروائية المباشرة، وهذا ما سعى إليه الروائيون بجعل الرواية محاكاة كاملة للواقع.

وشهدت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية ما استطاب تسميتة بحرب الطبقات (النزاع بين عالمين: العالم الطبقي للماضي مع العالم اللا طبقي للمستقبل). والذي شهد ظهور حركات جديدة كجماعة الشباب الغاضب في بريطانيا وحركة جيل البِيْتز في أمريكا. ونشأت هذه الحركتين كما يُشير ماتز “حيث نشأت هذه الحركات في سياق ثقافي بدت فيه القيم الثقافية ممزقة أو منحّاةٍ بفعل تداعيات الحرب التي استلزمت جهدا حيويا لإعادة صياغة تغييرات جديدة تلائم حالة الاستياء السائدة، وظهر هذا الموضوع الجدلي في أعمال روائيين أمثال ليزلي بول وكينغزلي أميس وجاك كيرواك في أمريكا وبريطانيا”. ويقول ماتز “ومثلت حركة  البيتز وجماعة الشباب الغاضب ثقافة جديدة مضادة لحقبة ما بعد الحرب، وقد انبثقت البديلة لملء الفراغ الناتج عندما برهنت قيم الثقافة (الرفيعة) خواءها وافتقادها لأية أصالة بعد أن أضاعت البورجوازية التقليدية موضع أقدامها على الأرض، ولما كانت الرواية -في الأساس- شكلا بورجوازي النشأة فإن انبثاق الثقافة المضادة تطلب إعادة تأثيث المشغل الروائي بطريقة تستلزم الجدية الكاملة وهذا هو السبب الكامت وراء ظهور روايات كُتّاب (البيتز) و(الجيل الغاضب) بذلك المظهر المختلف عن الرواية المألوفة من قبل.

وكان للنساء دورا في الجيل الغاضب والذي تمثل في رواية الناقوس الزجاجي لسيلفيا بلاث وروايات دوروسي ليسنغ، “حيث تتشاركان الاستياء من الأدوار المفتوحة أمام النساء والمتاحة لهن، وكذلك من التأثيرات الأيديولوجية الجنسية الشائعة على الحالات العقلية للنساء”. 

وكان من تطورات الرواية الحديثة دخول الفلسفة الوجودية وكذلك النزعة الجنسانية في ميدان التجريب الروائي، “استطاعت الرواية الفلسفية، وبقدر يعتد به، جعل (رواية الأفكار) وسيلة للتجريب مع الشكل الروائي (كما في الانعطافات الوجودية لدى بيكيت، والحرية اللا مرئية لدى إليسون، والنزعات الأخلاقية لدى مردوخ). وهكذا تمكنت بهذا الفعل من دعم الرواية الحديثة وتوفير حل لمعضلاتها الإشكالية مع الواقع لأنها وفرت وسائل لبلوع حس المسؤولية الذي تطلع إليه الكتاب الروائيون الحداثيون آنذاك”. 

أما النزعة الجنسانية فقد سمح كُتّاب منتصف القرن العشرين للجنسانية بالتعبير عن نفسها في الرواية بعد أن أصبحوا أكثر تلامسا مع الحقائق اليومية، ويستعرض ماتز بدايات النزعة الجنسانية في روايات عوليس وبطله بلوم وميوله المازوخية، وظهورها بوضوح في روايات ديفيد هربرت لورانس كما في رواية عشيق الليدي تشاترلي، والتي مثلت فضيحة مدوية في العالم بعد تناولها المباشر والواضح لموضوع الرغبات الجنسية. وكذلك رواية (بئر الوحدة) لرادكليف هول وتناولها موضوع السحاقية، ورواية لوليتا لنابوكوف والتي تدور حول الشذوذ الجنسي لبروفيسور ينخرط في علاقة جنسية مع طفلة. 

يذكر ماتز: “في الروايتين الإيروتيكية (الجنسانية) والوجودية نحصل على مقاربتين اثنتين من المقاربات الجديدة نحو الواقع يمكن من خلالها للتجريب الروائي أن يتجذر في أساسيات الحياة الحقيقية”. 

أما آخر تطورات الرواية الحديثة في منتصف القرن العشرين كان روايات الكومنويلثية (سُميت فيما بعد بروايات ما بعد الكولونيالية postcolonial)، والتي مثلت الطور الفاصل بين روايات المضادة للإمبريالية مثلها كتُاب مثل كونراد وفوستر وحقبة كتاب ما بعد كولونياليين الذين طورا مفاهيم ولغات سياسية جديدة تماما. 

ومن أمثال هؤلاء الروائيين نيبول الحائز على جائزة نوبل للآداب، وتشينوا إيتشيبي. 

“الفضيلة الكبرى التي جاءت بها الرواية الكومنويلثية إلى ميدان الرواية الحديثة كانت التسويغ غير السابق للطموح الروائي في مواجهة الحداثة بأشكال جديدة، وقد وفرت الرواية الكومنويلثية هذا التسويغ لأن الحداثة ربما ما كان ممكن الإحساس بها في أي مكان من العالم أكثر من الكولونياليات السابقة حيث كان التغيير الغامض ماهية كل وجع من أوجه الحياة هناك”.

**

الفصل السابع ورواية ما بعد الحداثة. أصاب الروائيون في النصف الثاني من القرن العشرين، شعور بنضوب واستنفاد للرواية الحديثة، مما أدى إلى شيوع نزعة جديدة ما بعد حداثية، يعمل جيسي ماتز في هذا الفصل على تتبعها، ومميزات التي اختلفت عن الرواية الحديثة بل جاءت تفكيكية ومضادة لكل صفات الرواية الحديثة، سواء من خلال النظرة للواقع والسرد والحبكات والشخصيات واللغة الروائية وسيطا بين الواقع والرواية. عملت الرواية الحديثة وفق منطلقين رئيسين هما القدرة على تمثيل الواقع وعرضه وبذل الجهد من أجل هذا الهدف، والآخر هو نتائج هذا الجهد وتأثيراته الطيبة سواء على مستوى الجمالية أو الحقيقة أو المنظورات الروائية، وما قامت به رواية ما بعد الحداثة هو نسف هذين العاملين في الرواية الحديثة مع المحافظة على رغبة تجريب شيء جديد. 

 سعت رواية ما بعد الحداثة إلى إعادة النظر في تفكيك نزعة التعود البدهي للأشياء وتوظيف الوعي والتشظي، وكذلك محاولة إيجاد حلول للمشاكل التي واجهتها الرواية الحديثة. 

وما ميّز رواية ما بعد الحداثة هو العمل على جعل القارئ يعلم أن ما يقرأه هو عمل تخييلي بحت، وليس هناك أي محاولة لإقناعه بواقعية العمل، العمل الذي بين يديك هو تخيّل فقط، حيث أصبح للسارد صوته الواضح الذي يسمعه القارئ، دون أي محاولة لاخفائه أو تماهيه في السرد. كما في رواية الميتافكشن ما وراء القص Metafiction (هو شكل كتابة أدبية تؤكد بُنيته الخاصة بطريقة تجعل القارئ على علم تام بأنه يقرأ أو يشاهد عملا خياليا. والميتافكشن هو وعي الذاتي للغة والأدب من خلال الحكي القصصي والجذب المباشر أو غير المباشر لانتباه القارئ تجاه قضية أو فكرة معينة، والتي تستخدم في مواضيع ساخرة أو تهكمية أو أداة لتقويض الأسس المتفق عليها في الرواية، واستعراض العلاقة بين الأدب والحياة والجمال والفن) التي منحتنا ساردين يفكرون في كيفية إخبارنا بحكاياتهم وقد يكون هؤلاء الساردون هم الكُتّاب أنفسهم. 

هذه الصفة الفنية السردية الجديدة في إعطاء الكاتب أو السارد حيزا ودورًا ملموسا في الرواية، من مميزات روايات ما بعد الحداثة التي جاءت بها الحقبة الجديدة من الرواية.

ويُبرز ماتز الفرق المفصلي بين الرواية الحديثة ورواية ما بعد الحداثة “هو أن الرواية الحديثة عملت كنافذة شفافة نطل منها على الوعي، أما الروائي ما بعد الحداثي اهتم بتوجيه بؤرته صوب المداخلات السردية نفسها”.  كما وأن الرواية الحديثة عملت على تعزيز فكرة اللا بطل في الرواية، فإن رواية ما بعد الحداثة عملت على ما هو أبعد من اللا بطل بل على لا إنسانية البطل (شخصية روائية تخيليية فقط) وكذلك عادت المواضعات التي تعارف الناس عليها في الرواية لكن بنظرة جديدة من خلال التسخيف لا الإقصاء والرفض، وعودة هذه المواضعات بثوب جديد. ووفقا لعودة المواضعات صار ممكنا عودة الحبكة لا عاملا خاضعا لتلك المواضعات بل عامل تهشيم المواضعات في نهاية المطاف.

وسادت سمة المحاكاة الساخرة Parody في تناول قضايا العصر والمجتمع  ولا يعني هذا عدم الجدية في تناول المواضيع لكن إضفاء روح الملاعبة والتسلية التي سعى الروائيون الحداثيون لجعل الرواية في مأمن عن التسليات الرخيصة والحبكات الساذجة التي كانت تطغى أحيانا على المشهد الروائي، وسعت رواية ما بعد الحداثة إلى إنكار التفريق بين ثقافتين مرموقة وواطئة، من خلال رفض أي تفريق جمالي بين الثقافتين كما يُشير ماتز. كما تخلت عن الجماليات الثقافية الخالصة من خلال إدراج الفانتازيا واللا واقعية والمفارقة الطبيعية التي شددت الرواية الحديثة على الواقعية المباشرة والأساسية مبتعدة عن هذه المواضيع الجديدة التي سعت لتضمينها رواية ما بعد الحداثة، من أجل أن  تلمس تخوم روائية أبعد واستكشاف قدرات التخيّل الروائي. 

إذًا، رواية ما بعد الحداثة، هي ثورة على الرواية الحديثة، كثورة الرواية الحديثة على الأسس التي نشأت عليها الرواية، وبعثها من جديد بأثواب لغوية وسردية وفكرية وواقعية جديدة، جاءت رواية ما بعد الحداثة بتقويض الرواية الحديثة وإعادة تشكيلها لغويا وسرديا وفنيّا، استجابة لمتطلبات العصر الذي يعيشه كتّابها. فما الذي يمنع من العودة إلى الرواية الحديثة أو الرواية ذات الأسس البدائية التي انطلقت منها، أو القفز إلى روايات ما بعد بعد الحداثة، أو روايات جديدة بأساليب وتعامل لغوي وسردي مختلف، سواء مع الواقع أو القارئ أو قضايا العصر ومشكلاته. يبدو العصر القادم للرواية غريب الملامح ومجهول ومتنافي مع العصور السابقة، حيث التشتت أكبر والتمزق أكثر، عصر الحروب الاقتصادية والتطور العلمي وغزو الفضاء واستغلال الأرض والبلدان على نحو أكثر قمعية وسرية، تنبثق بأسماء وأشكال ومصطلحات لم تكن في الأمس معروفة، هذا ما سيدفع الروائي والرواية إلى بناء جسور جديدة مع اللغة والسرد والواقع والقارئ من أجل تحديث الرواية وجعلها أكثر تناسبا وتوافقا مع الحياة الجديدة وفقا للمفاهيم التي ستِعرّف وتعرَف بها الحياة، في خضم الفوضى والهجرات والحروب الثقافية والصراعات الأيديولوجية التي تجعل مصير البشرية على شفى حفرة من اللا شيء المستمر وانعدام المعنى الحقيقي لكل شيء.

**

الفصل الثامن من الكتاب والحداثة ما بعد الكولونيالية في الرواية في المناطق التي كانت خاضعة للاستعمار الأجنبي، وهذا النوع من الرواية يمثل مرحلة الصراع الثقافي والحياتي مع بقايا الاستعمار وتشكيل ثقافي ذاتي كلي لهذه المناطق. وأنتجت أشكالا أدبية جديدة، استثمرت من مرحلة الاحتلالات مادة خصبة في كتابة الرواية للتعبير عن الحياة المجتمعية والثقافية الجديدة التي تبلورت من جديد واستعادت ذاتيها، وعملت على رتق الصدع الذي نشأ في مرحلة الاستعمار من أجل الالتحاق بركب العالم الجديد. انطلق الكتاب -كما يشير ماتز- من الموقع الطرفي المُهمّش إلى أخذ الريادة في رسم صور تُعبّر عن حال أممهم وثقافاتهم ومجتمعاتهم بعيدا عن سلطوية الاستعمار السياسية والثقافية، لتصف الحالة التي كانت عليها الدول المستعَمرة والتطورات السلبية والإيجابية لحقبة ما بعد الاستعمار. استفادت الرواية ما بعد الكولونيالية من الرواية الحديثة ودورها في تفكيك الهيمنة الإمبريالية كما في أعمال كونراد وفوستر. كما أدت لظهور روايات التعددية الثقافية (multiculturalism)، حيث يعمل الروائيون خاصة ذوي الأصول المتعددة أو من يعيشون في بلدان غير بلدانهم، على تعزيز قيم التعايش السلمي والتبادل الثقافي، والاندماج في المجتمع، والانتفاح على الآخر والتعرف على عاداته وثقافاته والقبول المتبادل بين أصحاب الثقافات المختلفة، وهذا الموضوع الذي يستمر حتى يومنا هذا وهو مُثار جدل ونقاش لا ينتهي. يقول ماتز عن عظمة رواية التعددية الثقافية: 

“التعددية الثقافية: فهي لم تكتف بقص حكايات الشعوب المهمشة فحسب بل منحتنا وسائل محاكاة ثقافية رائعة لتحقيق الرواية الخلاصية الحديثة. إن التشظي في أرواح الأقليات والمجتمعات المهمشة صار يعكس تشظي الحضارة الحديثة ذاتها بعامة،…”. 

***

وأنا أقرأ عن مصطلح رواية ما بعد كولونيالية، والتي اعترض البعض سابقا على تسميتها بالرواية الكومنويلثية لاقترانه بالامبراطورية البريطانية، والتي لم تحتفِ بتوصيفها الوحيد المشروع والمشخّص له إلا بعد تسميتها بـ (ما بعد الكولونيالي Postcolonial) كما يذكر ماتز في نهاية الفصل السادس من كتابه. أجد أن تسمية الرواية في حقبة ما بعد الكولونيالية، نوع من الإمبريالية الثقافية التي تعمل على إبقاء هيمنة دول الاحتلال على الدول التي كانت تحتلها، لكن هذه المرة بدل الوجود العسكري، تعمل على تأطير واحاطت الثقافة والأدب في مصطلح تابع للاحتلال، وكأن الاحتلال بوجوده أو عدمه، له أهمية وفائدة ولا يجب الخروج عنه، وهذا الأمر الذي يتنافى مع روح الحضارة وتقبل الآخر، ويتنافى أيضا مع روايات (ما بعد الكولونيالية) التي تعمل على تشكيل وتكوين وبلورة أسسها الثقافية والأدبية الخاصة والكتابة عن ذاتها بعيدا عن تداعيات الاحتلالات ومساوئها، وعدِّ حقبة الاحتلال مرحلة فاصلة لا من  أهميتها في تغيير مسار أمة من الأمم، بل في إعادة التجمع حول ذاتها واحتضان مبادئها وثقافتها وتراثها وفلكلورها وحضارتها. إضافة إلى ذلك فتسمية ما بعد الكولونيالية، أراها تزويقا مجوفا من المترجمين ونقحرة  فالواجب ترجمتها إلى رواية ما بعد الاستعمار وإبقائها في معناها الأصلي دون نقحرة لكلمة Colonialism وخاصة أن كلمة استعمار تفي بالمعنى المطلوب تماما دون نقصان. لكن يبقى السؤال ما المصطلح الذي يجب استخدامه لهذا النوع من الروايات؟ لا أفضل من استخدام مصطلح يفي الشعوب حقها ويعطي للروايات أبعادها الجوهرية الواضحة والمستحقة والحقيقية، وهذا المصطلح هو Post – Independence Novel روايات ما بعد الاستقلال -وهو ذات الاسم الذي يُستخدمه البعض في وصف رواية ما بعد الاستقلال الهندية الإنجليزية التي تحاكي حقبة ما بعد الاستقلال Post – independence Indian English Fiction-، لما في كلمة استقلال من معاني الحرية والذاتية والتحرر من ظلم وانزياح أثقال جثمت على صدر حياة هذه البلدان.

***

يختتم الكتاب باستنتجات وقراءات لوضع الرواية الحديثة  أو المعاصرة أو رواية ما بعد الحداثة وما بعد “الكولونيالية”، ومواضيعها المتنوعة ما بين الانفتاح على الآخر والتعددية الثقافية، والعولمة وعالم ما بعد الكولونيالية أو ما بعد القومية، عالم اليوم الذي يبدو إلى أنه أكثر قربا واتصالا بين أجزائه المختلفة والمتباينة عرقيا وثقافيا ودينيا وحضاريا أكثر من أي وقت خالٍ، كل هذه المواضيع فرضت نفسها على الرواية وألقت بظلالها على الروائيين من أجل ظهور تحديث جديد للرواية سواء في تعاملها مع الواقع أو قضاياه أو حتى لغة التواصل بين الواقع والقارئ ودور الكاتب الوسيط بين الاثنين.  وما جلبته التكنولوجيا من تطورات وقفزات تقنية وما دخل إلى الرواية من خلال ما بات يُسمى بالرواية الرقمية Digital Novel واستثمارها للتقنية الرقيمة في سرد الرواية، من خلال الروابط المتشعبة Hyperlinks منشئةً نوعا جديدا من النصوص السردية هي النصوص المتشعبة Hypertext والنص الفائق وهو الشكل الروائي الجديد في الفضاء السيرباني، وخلق أنواع جديدة من الحبكات والنهايات المفتوحة أو اللا نهايات لتبقى الرواية في فضاء متجدد، شبيه بالحياة، وإدخال الرقمية كالفديو والصوت والصورة والذكاء الاصطناعي في بُنية الرواية المعاصرة الحديثة، وكذلك جعل النص تفاعليا، يشترك فيه أكثر من كاتب أو حتى دخول القارئ له من أجل رواية أكثر حداثة وتجددية، لكن الأمر يبقى في حدود الهيكل العام للرواية وطريقة التنقل من حدث إلى آخر، يفقد فيه الكاتب الشيء الكثير من مميزات التحكم والسيطرة في خط سير الرواية أو تنقلاتها، ويُخرج الرواية من المنظور الإنساني إلى المنظور الآلي.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى