تجليَّاتُ الطَّيْفِ في قَصيدةِ (مُرتَقى الأنفَاس) للشاعر أمجد ناصر

موزة عبد الله العبدولي


حجم الخط-+=

غالبًا ما شكَّلَ الطَّيْفُ ظاهرةً إنسانيَّةً حميميَّة، يَتداخلُ فيها الوهمُ باليقظة، والتكذيبُ بالحقيقة، ورغبةُ اللقاءِ التي تتحقَّق أو تَكاد، فالطَّيْف لغةً: “الخيالُ نَفسه“1 وطافَ به الخيال طوفاً ألَمَّ به في النوموأطافَ استدارَ وجاء من نواحيه“2. أي أنَّها الصورة المتخيَّلة للجسدِ الغائب. وقد كان للطيفِ حُضوره في واحةِ الشِّعرِ العربي القَديم، إذ كانت الأطلال بؤرةً تتوالدُ فيها أطياف المَحبوبة، والليلُ لا يكتمل إلَّا بحضور الطَّيْف المؤنس، الذي يستدعيه الشَّوق، وتجسِّده الوِحدة، وقد قال في ذلك ابن حزم: “ومن القنوع الرضا بمزار الطَّيْف، وتسليمالخيال. وهذا إنَّما يُحدث عن ذكرٍ لا يُفارق، وعهدٍ لا يحول، وفكرٍ لا يَنقضي، فإذا نامت العيون، وهدأت الحركات سرى الطَّيْف.”3 فالطَّيْفُ ظاهرةٌ إنسانيَّة أو فنيَّة تتجلَّى في هيئتها المطلوبة، مُشكِّلةً نسقاً لصورٍ متلاحقةٍ ومُتحرِّكة، تُستعرض فيها الصور والأصوات والمؤثرات والأبعاد، إضافةً إلى الانفعالات والاستجابات التي تُرافق اللحظة الطَّيْفية4. والشعرُ حين يَستحضرُ هذه اللحظة المُرهفة يوثِّقها بجميعِ ظواهرها المُحيطة والمؤثِّرة على المَشهد.

ستُحاول هذه المقالة استقراء قصيدة (مُرتَقى الأنفاس) لأمجد ناصر5* وتتتبَّع تَجليَّات الطَّيْف فيها، وتجدر بِنا الإشارة إلى طبيعةِ أجواء الديوان الذي يحمل العنوان ذاته للقصيدة: مُرتَقى الأنفاس (1997)، وهو ديوان يعيد كتابة حدث سقوط غرناطة،إذ يُقدِّم سيرة جوَّانيَّة وداخليَّة للأمير عبد الله الصغير“6، أي أن الشاعر قد اتخذَ من الأمير ومأساته قِناعاً،حتى بدا أن العمل برمَّته هو استعارة لثيمة الخسران“7، وقد لامسَ هذا الديوانمأساة مَلكٍ خانه زمنه، ليتحقق سقوطه الرَّمزي. فهو ذو حدثٍ تستدعيه القصيدة إلى أرضها لتُعيد بناءه شعريَّاً، وتستثمر أفقه بما بهِ تخطُّ الذاتُ الكاتبةُ سيرتها“8، ولعلها قصائد تحاكي الندم والحسرة المريرة، مصوِّرةً تَبِعات الجُرح العَظيمالذي لا يَندمل.

وعودةً لموضوع القصيدة المختارة، فهي تجيء في آخر الديوان، مُختتمةً رحلة السقوطِ والتشرُّدِ، مع الإشارةِ إلى أنَّها ليست تجسيداً متوقَّعاً لصورة الأمير الخائب والنادم، بل قد وصلت مرحلة عالية من التكثيف الشعوري، والذاتية الطاغية، حتى إن القارئ يستغرق فيها ناسياً أنها بلسان الأمير من عذوبتها المُسترسلة.

تُفتتح القصيدة بخطاب الطَّيْف:

ليست رماحُ الجبابرةِ ولا مُدى الأقزامِ

بل

يدُكِ

بل

أصابعُ يدِكِ

لا

بل

أنفاسُكِ

تشقُّ الهواءَ الخالد أثلاماً وتتركُها لبذار الألم

المنقولةِ بالثَّنية واللِّسان أسمعُها تحت دُخنة

الخشخاش تستدرجُ أوثان حياتي باسطةً أكفَّها في الوصيد،

ارتقيتُ مدارِجها رافعاً حيرتي رايةَ من سلَّم أمرَهُ للهبوب“9

هذا الاستسلامُ الطوعيُّ والخضوع للطيفِ الجوَّال، الذي تقارنُ فيه أنفاسه برماحِ الجبابِرة، طيفٌ أشبه بالحُلم الأخير والأمل الوضَّاء بعددمار الحال وانقطاع النعيم، وكان لهذه الأنفاس وهجها المهيّج للألم، ألم التشوُّق والعذاب، فهو يؤكِّد سُلطة الأنفاس الطيفية على يقظته:

ليس السيفُ

ولا حجرُ الماسِ

بل

الأنفاسُ

بل ما هو أوهى

استرقني من علوِّ يقظتي

واسترقني أنا المسنودُ ببأسِ سُلالتي والتعاويذِ

لي الليلُ متروكاً كلُّهُ

السُّهادُ على رسلهِ

الهواءُ مطعوناً بالأنين10

تتقدَّم أنفاس الطَّيْف على سيفِ المُحارب أو ماسةِ المُلك، إضافةً إلى الفكرةِ الوَاهية التي تكون مادةً دسمةً للأرق، إذ يجيء الطَّيْفُ بخطوهِ المُخاتِل ونَفَسهِ الغاوِي في اليقظةِ المصحوبةِ بالسهر الطويل، وهذا ما يفصِّلهُ المشهد التالي:

في يقظةِ الأسيرِ لمصائرِ الليل الحارسِ

سمعتُ وقعَ خطىً

تردُّدَ أنفاسٍ

حفيفَ ثيابٍ

مَسَّني طائفٌ من رياشٍ فلمحتُ طيفَكِ

يهرقُ نوراً على الطرف المُظلم ويعدُ بسهرٍ

يبسطُ آلاءه على من تصطفيه التباريحُ من بين لاهين، تخفَّفْتُ من متاع المكين على الأرض وقلتُ

إنِّي أنا الأخفُّ من العُرجونِ أقتفي دون مِنَّةٍ ما تركه مُرورُكِ حافيةً على الأعشاب،

لا بخائنة العين، ولكن بكدحِ الفؤادِ أضربُ في مناكِبها مُعرضاً عمَّا يرفعهُ القائفون

إلى منزلة الأثر11

يتسللُ الطَّيْفُ في هذا الظلام، ويُشغل المكان بحيوية وجودهِ، فها هي أنفاسه، وحفيف ثيابه تُثير الحواس وتُقلق الحال، ليتجلَّى بنورهِ أخيراً لكنه يعود ويختفي بمكر، فتُصبح رحلة البحثِ عن الطَّيْف هي شغل الأمير وحافزه، حتَّى إنَّه يَقتفي أثر الطَّيْف بأسلوبه الخاص في التقصِّي دون الاستعانةِ بأساليب القِيَافة12، لنلحظَّ هنا الولع الواضح بالطَّيْف والاستسلام لسحرهِ.

يقول:

(ما كذبَ الفؤادُ ما رأى)

ولا العينُ التي ضَرَبتُ عنها صفحاً

وتركتُها ترعى صورَ الفانينَ

ولا اليدُ التي عادت إليَّ بنبأ الرُّكبةِ

ولا رائحةُ الهالِ التي لازمتني

وحيثما مررتُ فضحتْ سرَّاً

أنا

أجهلُ

جاهليه

ولا أنفاسي التي جسَّمتكِ

وتدرَّجتْ، صُعُداً، من أخمص القدمِ إلى التُّرقُوةِ

وكادتْ بعدما شارفتْ جنَّتَّكِ أن تهجرني“13

الحواسُ هنا تتبادل أدوارها في إثبات حضور الطَّيْف، بالرؤيةِ والملمسِ والرائحة، في حين تُصبح الأنفاس هي أداة التَجسيد الفاعِلة، لكنكاد هذا النَفَس أن ينقطع من هولِ الموقفِ وبهائهِ.

فيجيء المقطعُ التالي مُكمِّلاً لدهشةِ المَرأى:

“.. ولكن

ما بالُ هذه الكاسُ

وتلكَ الدُّخنةُ

لا تأخذان بيدِ السُّهادِ

ما بالُني

لا أغيبُ

ولا أصحو.

وكأنَّني ما رأيتُ

وما لمستُ

وما تنفستُ ما تَرَكتْهُ أنفاسُكِ

على يديَّ14

هنا موقف التسآل الذي يراوده الشك بعد صدمة اللقاءِ ووَهَجِهِ، ليتولَّد سؤالٌ: هل حقاً كان للطَّيْفِ وجود؟

يقول مُكملاً:

ليست نجمةُ المجوسِ

ولا نارُ بني أهلي هذي التي تُضيءُ

وتختطفُ

إنَّما

طيفُكِ

عابرٌ

بين قمَّتين

أو لعلَّها أنفاسُكِ

تستدرجُ وعوداً لا تموتُ ولا تحيا

أو ربما حَسرتي

ترمي شُواظاً في صميم الليل

وتجسُّ قرارَ الهاوية.”15

يتمثَّلُ الطَّيْفُ هُنا في صورةِ النورِ المركزيِّ الوهَّاج، الهادي والدال، لا سيما في الحالة الليلية التي يكون النور فيها هو الهدى، هذا الطَّيْفُالمُنوَّر في حالةٍ من العُبور المخاتِل، إذ يظهر ويَختفي مُستدرِجاً القلب المتأمِّل بوعدٍ غير مؤكَّد. ونرى في هذا المقطع خصيصاً استعادةً لجرح الروح الأول وهي الحسرة والندم، فالطَّيْف جاء ليُنسي ويغيّب، لكن نجد أن فكرة الأرقِ المُقلقة تعود، وتكاد أن تكون مماثلةً لوهجِ الطَّيْف، إذ تتفاقم أحاسيس الحسرةِ لتصير كاللهبِ الذي يهيّج صفو الليل ويعكِّرَ الحلم والوَهم.

تتجلَّى في المقطع الذي يلي نتائجُ شدَّة الاحتراق من عذابات الهواجسِ والقلق، إذ نستطيع عدَّها نُقطة تَحرُّرٍ وعلوٍّ، إذ يتحرَّرُ هذا الجسدُ منقلةِ حِيلته، معتقاً الروح من آلامها، ليصير خفيفاً تسيِّره الريحُ، مستسلماً كامل الاستسلام لما يؤول إليه المصير:

أخفُّ من أملٍ على جبل القنوط

الرِّيشةُ التي تحرَّرت من ورطةِ

الجناح

أثقلُ مني في كفَّة الرِّيح.

فيا لنفسي

أمَّارةٌ بالألم

ويا لفمي عطشانُ على حافَّة النبع

ويا ليديَّ

ادعتا وصلاً

وعادتا خاليتين16

إذ تتأكَّد دوافع التخفُّف المنوطة بالنفس (الأمَّارة بالألم) فلا وصلَ ولا ارتواء، وإنَّما خيبة ونكوص وتردٍّ. ويُكمل واصفاً عملية التحرُّر القُصوى مُستعيراً هيبة الملوكِ التي لا تستعادُ إلا في خيال الحالم:

مُتوَّجٌ بخفَّتي

عرشي على الهواء

مسنودٌ بحُرقة الأنفاس.

خِفَّتي ما أبقت لي أثراً على الأرض

ولا رَفَعتْني إليكِ

آه خفَّتي

ارفعيني

أو ذريني بكتفٍ مائلةٍ

أصدُّ غباراً يهبُّ على خُطى طفولتي

بين الرُّمان.

آه خِفَّتي

وصلَ الغريبُ

بلا بارحةٍ أو غدٍ

وصلَ

الغريبُ

على

آخر

نَفَس17

يختتم القصيدة بهذا المقطع، مُستغرِقاً بصورةِ الخفَّة التي أوصلته إلى سلامه الأخير، بعد أن كان بين الصحو المؤنِّب والحلم الذي لا يُطال،إذ شكَّل حالة الغريب الذي انفصل عن ماضيه ومستقبله، واصلاً انعتاقه الأسمى بأنفاسهِ الأخيرة، مُتحرِّراً بذلك من كلِّ وجعٍ وثقلٍ وندم.

ولعلنا نستخلصُ من تجليَّات الطَّيْفِ في هذه القصيدة، أنَّ الطَّيْفَ جاء بشكلٍ لعوبٍ ومكَّار، إذ يظهر ببهائه ويختفي، يترك آثاره بغوايةٍ؛ أنفاسه ورائحته وملمسه المتخيَّل، وقد تطرحُ القصيدةُ سؤالاً: ما المعنى الذي يستدعيه استذكارُ الطَّيْفِ في نظر أميرٍ قد وصلَ إلى نهايةٍ فادحة؟ هل الطَّيْفُ هو ذِكرى الماضي؟ أو تراه حلم الهروبِ من الحاضر البائس؟ أو مُنًى لمستقبلٍ غير أكيد؟ حتى إنَّنا إذا ما تتبعنا تطورحدث المُلاحقة والتقصِّي لوجدنا أنَّ الطَّيْف كان في بداية الأمرِ أملاً مُبتغى وحُلماً ساحراً، لكن لشدَّة ما كان وصاله صعباً تحوَّل إلى نُقطة تَحفيزٍ أساسية لعملية الانعتاق الروحيِّ. فقد يكون الطَّيْف ثُلاثية اللا ماضي واللا حاضر واللا مُستقبل، فما جاءت الخفَّة إلَّا للانفصال عن الواقع ومأساته.

____

1: لسان العرب، ابن منظور، ج9، مادة (طوف).

2: تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، ج24، مادة (طوف).

3 : طوق الحمامة في الألفة والألاف، ابن حزم، تحقيق: حسن كامل الصيرفي، مطبعة حجازي، 1950م، ص97.

4 : أحلام مؤرِّقة: الطَّيْف في شِعر البُحتريّ: دراسة في الظاهرة أُصولها وأبعادُها، هاني نصر الله، عالم الكتب الحديث، إربد،الأردن، ط1، 2014م، ص91. (بتصرف)

5 *: أمجد ناصر شاعرٌ أردنيّ (1955 – 2019)، له تجربة شعرية غنيَّة في قصيدة النثر الحديثة. واسمه الحقيقي هو (يحيى النميريالنعيمات)، عمل في الصحافة، وكتب في أدب الرحلة والرواية إضافةً إلى نتاجه الشعري المتنوع.

6 : يُنظَر: شعر أمجد ناصر: سمات أساسيَّة ومسيرة التَّحوُّلات الشعرية، آثار حاج يحيى، بحث منشور إلكترونياً بصيغة PDF،ص12.
https://www.beitberl.ac.il/arabic/asdarat2/mjletAl7sad/hasad6/Documents/mola5as5.pdf

7 : المرجع السابق، نفسه.

8 : الكتابة والجسد في شعر أمجد ناصر، يوسف البهالي، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2020م، ص164.
9:
أمجد ناصر: الأعمال الشعرية، أمجد ناصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2002م، ص494.

10 : المصدر السابق، ص495.

11 : المصدر السابق، ص496 و497.

12 : حِرفة القيافة أو علم القيافة، هي من علوم العرب سابقاً، والبدو خصيصاً، وهو علم تتبع آثار الإنسان أو الماشية على الرمل.

13 : المصدر السابق، ص500 و501.

14: المصدر السابق، ص503.

15 : المصدر السابق، ص504.

16:  المصدر السابق، ص505.

17: المصدر السابق، ص506 و507.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى