جيمس جويس

جيمس ستيفن أثرتون


حجم الخط-+=

ترجمة: بلقيس الكثيري

جيمس جويس كاتب أيرلندي عُرف باستخدامه لأساليب أدبية ولغوية مستحدثة كما ظهر ذلك جليًا في أعماله الروائية الكبيرة يوليسيس (1922) ويقظة فينيغان (1939). ولد جيمس في 2 فبراير 1882  في مدينة  دبلن، أيرلندا – وتوفي في الثالث عشر من يناير 1941، في مدينة زيورخ ، سويسرا. وهو الأبن الأكبر من بين 10 أطفال في أسرته. في سن السادسة أُرسل إلى كلونجوفز وود وهي مدرسة داخلية مسيحية. وبسبب تصرفات والده غير المسؤولة، غرقت الأسرة في الفقر مما أثّر سلبًا على الأطفال، وبذلك لم يعد جويس إلى كلونجوفز وود في 1891 وبدلًا من ذلك أضطر للجلوس في المنزل لسنتين متتاليتين وحاول تثقيف نفسه بمساعدة والدته. وفي أبريل 1893 قُبِلَ هو وشقيقه ستانيسلاوس للدخول في بلفادير المدرسة الابتدائية اليسوعية في دبلن بدون رسوم. ثم التحق بكلية دبلن الجامعية التي كان يعمل بها القساوسة آنذاك.  وهناك درس اللغات وادخر طاقاته للأنشطة اللامنهجية، فكان يقرأ بنهم -لا سيما الكتب التي لا ينصح بها الرهبان– وكان يشارك بفعالية في النوادي الأدبية والتاريخية للكلية. كان جيمس من معجبي الكاتب النرويجي هنريك إبسن لذا تعلّم لغة الدانو-نرويجية لقراءة النسخ الأصلية لأعماله وكتب مقالًا بعنوان “مسرحية إبسن الجديدة” وهو عبارة عن مراجعة لمسرحية “عندما نستيقظ نحن الموتى” الذي نُشر في مراجعات لندن النصف شهرية London Fortnightly Review في عام 1900 بعد عيد ميلاده الثامن عشر.

أكد هذا النجاح المبكر لجويس قراره في أن يصبح كاتبًا وأقنع عائلته وأصدقاءه ومعلميه بأنه كان لهذا القرار ما يبرره. في أكتوبر 1901 نشر مقالا بعنوان “ The Day of the Rabblement” هاجم فيه مسرح الأدب الايرلندي لتلبية احتياجات الذوق العام (الذي عُرف لاحقًا بمسرح آبي  في دبلن). لم يتوانَ جويس إطلاقًا في شحذ موهبته ككاتب، فكتب قصائد ومقاطع نثرية قصيرة أطلق عليها تجليات  “epiphanies”.  كان قد بدأ كتابة روايته الطويلة البطل ستيفن “Stephen Hero” بناء على أحداث حياته الخاصة، عندما عرض عليه جورج راسل في عام 1904 جنيهًا إسترلينيًا مقابل كتابة قصص قصيرة ذات خلفية أيرلندية لعرضها في مجلة الكوخ الايرلندي “The Irish Homestead”. استجابة لذلك بدأ جويس في كتابة مجموعة قصص قصيرة نُشرت بعنوان “أهالي دبلن” (1914). وقد ظهرت ثلاث منها وهي: “الأخوات” و “إيفلاين” و “بعد السباق”- تحت الاسم المستعار ستيفن ديدالوس قبل أن يقرر المحرر أن عمل جويس ليس مناسبًا لقرائه. في تلك الأثناء التقى جويس نورا بارناكل في 16 يونيو 1904، اليوم الذي اختار تسميته يوم بلوم “Bloomsday” (والتاريخ الزمني لروايته يوليسيس) وغادر دبلن معها في أكتوبر 1904.

حصل جويس على منصب تدريس في مدرسة بيرلتز في بولا (المعروفة الآن بـ بولا  وكرواتيا) وكان يعمل في وقت فراغه في كتابة روايته وبعض القصص القصيرة. وفي عام 1905 انتقل مع زوجته إلى تريستي في إيطاليا، حيث رُزق بطفليه جورج ولوسيا. أثارت دراساته في الأدب الأوروبي اهتمامه بالرمزية والواقعية على حد سواء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وبدأت أعماله تُظهر توليفًا بين هاتين الحركتين المتنافستين. عندها رأى جويس أن روايته “البطل ستيفن” تفتقر إلى الشكل والقالب الفني، وأعاد كتابتها ” في خمسة فصول” تحت عنوان “صورة الفنان في شبابه”، بهدف توجيه الانتباه والتركيز على الشخصية المحورية.

في عام 1909 زار إيرلندا مرتين محاولًا نشر مجموعته القصصية “أهالي دبلن” وإنشاء سلسلة لدور السينما الايرلندية. لكن جهوده ذهبت سدى، وأصيب بالضيق والحزن خصوصًا بعد أن أخبره صديق سابق أنه كان على علاقة عاطفية بزوجته نورا في صيف عام 1904. إلا أن أحد أصدقائه القدامى أثبت له أنها مجرد كذبة. ومع ذلك شعر جويس بأنه تعرض للخيانة فكان موضوع الخيانة محور الكثير من أعماله اللاحقة. وفي الوقت الذي كان يكتب الفصول الأولى من روايته “يوليسيس”  كانت تواجهه صعوبات مالية كبيرة.  حينها قدم له أصدقاؤه العون، فساعدته إيديث روكفيلر ماككورميك بمنحة مالية كبيرة، وكذلك تلقى سلسلة من المنح المالية من هارييت شاو ويفر، رئيسة تحرير مجلة ذا إيجويست “The Egoist”، التي بلغت قيمتها بحلول عام 1930 أكثر من 23,000 جنيه إسترليني. كان سخاء هارييت ناتجًا عن إعجابها بأعماله من جهة، وتعاطفها مع الصعوبات التي يواجهها من جهة أخرى، فإلى جانب الفقر كان جويس يعاني من أمراض عيون مزمنة حتى أنه كان يصاب بالعمى لفترات قصيرة، وخضع لما يقارب 25 عملية جراحية في المدة بين  فبراير 1917 حتى 1930. وعلى الرغم من كل هذا حافظ على علو معنوياته واستمر في عمله، وكانت أكثر نصوصه بهجة تلك التي كتبها عندما كانت صحته في أسوأ حالاتها.

في مارس 1918، بدأت مجلة ذي ليتل ريفيو الأمريكية نشر حلقات من روايته “يوليسيس” واستمرت في ذلك حتى حُظر العمل في ديسمبر 1920. تتناول رواية السيرة الذاتية “صورة الفنان في شبابه” التطور الفكري والعاطفي لشاب يدعى ستيفن ديدالوس والتي تنتهي بقراره مغادرة دبلن إلى باريس لتكريس حياته للفن. ويُعتقد أن كلمات ستيفن الأخيرة قبل رحيله ما هي إلا  مشاعر المؤلف الخاصة. بعد سقوط فرنسا في الحرب العالمية الثانية (1940) عاد جويس مع عائلته إلى زيوريخ  حيث توفي وهو يشعر بخيبة الأمل من الطريقة التي قوبل بها كتابه الأخير.

يوليسيس أو عوليس

في يوليو 1920 ذهب جويس إلى باريس، وهناك نشرت سيلفيا بيتش- صاحبة مكتبة شكسبير وشركاه- روايته يوليسيس في 2 فبراير 1922. وتعد هذه الرواية نموذجًا لفن الحداثة تناظر في بنائها الروائي ملحمة هوميروس الشهيرة. وتجري أحداث “يوليسيس” في دبلن في نطاق زمني ليوم واحد (16 يونيو 1904) وتدور أحداثها حول ثلاث شخصيات رئيسة هي: ستيفن ديدالوس (بطل رواية صورة الفنان في شبابه) وليوبولد بلوم وزوجته مولي بلوم  تناظرها على الترتيب شخصيات هوميروس: تليماك، ويوليسيس وبينيولوبي.  وباستخدام جويس لأسلوب المونولوج الداخلي في الحوار، استطاع أن يعرض أكثر أفكار ومشاعر هذه الشخصيات عمقًا ساعة بساعة انتقالًا من مكان إلى آخر (من الجنازة إلى المكتبة إلى مستشفى الولادة وانتهاءً بالماخور). وتكمن القوة الرئيسة لـ “يوليسيس” في عمق تصوير الشخصية وحس الكوميديا. وتشتهر الرواية -كما أسلفنا- باستخدام أسلوب المونولوج الداخلي في تصوير الأفكار والذي يعرف بمصطلح تيار الوعي الذي أثبت تأثيره على نحوٍ واسع في روايات القرن العشرين. كما ظهر ذلك في الفصل الأخير المشهور من الرواية، حيث نتتبع فيه أفكار مولي بلوم وهي راقدة في السرير. اكتسب هذا الفصل تأثيره من كونه كُتب في ثمان فقرات طويلة بدون علامة ترقيم. الجدير بالذكر أن يوليسيس اكتسبت شهرتها فور نشرها بسبب فرض الرقابة عليها .

يقظة فينيغان

كتبها جويس أثناء إقامته في باريس حيث بقي عنوانها سرًا، وكان يشار إليها بـ “الرواية قيد العمل” حتى نشرت بالكامل في مايو 1939. إلى جانب مشاكل جويس المزمنة في العين عانى من القلق المستمر على صحة ابنته  لوسيا التي كانت تعاني اضطرابًا عقليًا، وقد حاول علاجها بشتى الوسائل، ولكن كان من الضروري في نهاية المطاف وضعها في مستشفى للأمراض العقلية بالقرب من باريس.  في تلك الأثناء كان يكتب ويعيد كتابة أجزاء من يقظة فينيغان؛ وكان يعمل على مراجعة وتعديل النص أكثر من اثنتي عشرة مرة حتى يشعر بالرضا. يتناول الكتاب قصة همفري صاحب حانة في شابليزود بالقرب من دبلن والذي يشار إليه غالبًا بالأحرف الأولى من اسمه HCE ، وزوجته آنا ليفيا بلورابل وأطفالهما الثلاثة، كيفن، جيري، وإيزابيل العائلة النموذجية التي يحلم بها كل البشر. ولإثبات نظرية تكرار التاريخ الذي يعيد نفسه والتي أدلى بها فيلسوف القرن الثامن عشر (الإيطالي جيامباتيستا فيكو) بدأ هذا الكتاب بنهاية الجملة التي لم تكتمل في الصفحة الأخيرة. هذا الكتاب يجمع آلاف الأحلام في حلم واحد، ويدمج اللغات كلفظ vlossyhair الذي يجمع بين الإنجليزية والبولندية و “a bad of wind” بين التركية والإنجليزية. كذلك تظهر شخصيات من الأدب والتاريخ وتختفي كحلم تتداخل فيه عقول المتعارضين. وفي كل أجزاء الكتاب يظهر جويس مازحًا، وساخرًا من منتقديه؛ يدافع عن نظرياته، ويتذكر والده ، ويمتع نفسه.

إرث جويس الأدبي

إن تصوير جيمس جويس الصريح والدقيق للطبيعة البشرية، وإتقانه للّغة وتطويره للأشكال الأدبية الجديدة، جعل منه أحد الشخصيات البارزة في حركة الحداثة الأدبية ومن بين الشخصيات الأكثر تأثيراً على الروائيين في القرن العشرين. تعد رواية يوليسيس بمثابة تحفة فريدة؛ صوِّرت شخصيتي ليوبولد بلوم وزوجته مولي بشفافية ودفء إنساني بطريقة لا يمكن وصفها في الخيال. وتعد روايته “صورة الفنان في شبابه” أحد روائعه التي تمد خيط الوصل بين القارئ والشخصية المحورية وتحتوي مقاطع مذهلة . كذلك مجموعته القصصية (أهالي دبلن) المكونة من خمس عشرة قصة والتي تركز على نحوٍ رئيس على الحياة في دبلن، غير أن قصة “الموتى” تعد واحدة من أروع القصص القصيرة في العالم. ولا يزال النقد منقسمًا حول آخر أعمال جويس (يقظة فينيغان)  الذي يحوي قالبًا متعدد اللغات على مستويات متعددة، بهدف تنوع المعاني. قد لا يتضح الأمر عند القراءة الأولى إلا أن الكتاب مليء بالأشعار واللفتات الذكية، ويحتوي مقاطع في غاية الجمال. أما أعمال جويس الأخرى فتتضمن الشعر (موسيقى الحجرة، 1907؛ وقصائد الواحدة ببنس 1927؛ ومجموعة القصائد 1936)، ومسرحية المنفيون 1918- التي على الرغم من أنها كتبت بكفاءة  عالية، فإنها لم تضف سوى القليل إلى المكانة التي أحرزها جويس عالميًا. 

 

*  جيمس ستيفن أثرتون : محاضر في الأدب الإنجليزي، كلية التقنية، إنجلترا. مؤلف كتاب (في الصحوة) At the Wake.

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى