الحركة التصويريّة الشعرية وأبرز أعلامها 4-4

إعداد وترجمة: مؤمن الوزان


حجم الخط-+=

ت. ي. هيوم (1883-1917)

وُلِدَ توماس إرنست هيوم في السادس عشر من شهر أيلول/ سبتمبر   1883 في إندون، إنجلترا. قصدَ كلية القديس جون – كامبريدج، لكنه غادرها دون أن يتخرَّج. أصدرت مجلة “العصر الجديد” الأدبية خمسًا من قصائده التي أُعيد طبعها في مجموعة عزرا الشعرية “الردود الخاطفة Ripostes (1912”. 

لهيوم شخصية ذات جاذبية خاصة وفي كل الجوانب فعليًا، فقد كان بطول ستة أقدام، وبتقاسيم وجه قرمزية، ورغبة بالجدال مع أي شخص وفي مشاجرته،(خاض عراكًا شهيرًا بالأيدي مع Wyndham Lewis في ساحة سوهو)، انحدر هيوم من ستافوردشاير، الريف الذي أخرج للعالم قبل قرنين كاتبَ رسائلَ جذَّاب آخر وهو الدكتور جونسون. 

قضى في بداية عشرينياته مغامرة قصيرة في كندا، ورحل إلى لندن، حيث أسسَّ “نادي الشعر” وجادل الناس، وأكل الكثير من الحلويات (لم يشرب الكحول قط، وليس بمدخنٍ، مفضلًا عليهما أكلة suet pudding ودبس السكر). وعلى الرغم من نشره العدد القليل من القصائد في حياته إلا إنه يُعدَُّ من مؤسسي الحركة التصويرية وشخصية مهمة في شعر القرن العشرين. كتب إليوت عنه قائلًا: “هيوم كلاسيكي، ورُجْعي، وثَوري؛ إنه مضادات العقل الديمقراطي والانتقائي والمتسامح في آخر القرن التاسع عشر”. قُتل هيوم في معركة في الحرب العالمية الأولى في الثامن والعشرين من شهر أيَّار/ سبتمبر 1917.

بعد هذا العرض الموجز لحياته القصيرة نجيب عن سؤال هل كان ت. ي. هيوم: أول شعراء الحداثة؟ 

من كتب أول قصيدة حداثية إنجليزية؟ متى وأين كُتبت؟ ثمة العديد من الترشيحات، وأسوأ ما يمكن اقتراحه هو تفضيل آخرَ على “ت. ي. هيوم” الذي كتب قصيدة “غروب شمس مدينة” في عام 1908، على ظهر فاتورة فندق.  ويمكن ضّمُّ هيوم مع حفنة من الشعراء ليشكلوا مخططًا لأسماء شعراء الحداثة. لـ”شعر الحداثة” سمات يمكن تميزها بسهولة كـ: الإيجاز، دقة اللغة، البيان غير الصريح والمباشر، انعدام القافية، المواضيع اليومية والعادية، وبهذه السمات نحصل على هيوم وآخرين. كتب هيوم في نشاطه العارم “بيان الشعر الحديث” الذي نال عزرا شرف الإعلان عنه بعد تأسيس الحركة التصويرية رفقة آخرين، وقعَّد في مقالته A Few Don’ts by an Imagiste بعض قواعد شعر الحداثة، التي صاغها هيوم قبل خمس سنوات سلفًا. تشارك هيوم وعزرا في تأسيس التصويرية الشعرية، على الرغم من أن عزرا سيزيل دور هيوم بقسوة الذي لعبَ دورًا في تشكيل التطبيق التصويري الشعري. وبالعودة إلى تاريخ أول قصيدة حداثة كتبها هيوم، فلا مجال للتردد في تحديد تاريخها الكائن في السادس والعشرين من شهر أيار/ مايو عام 1908 على ظهر فاتورة فندق، بدأ بها هيوم بإبداع مفهوم جديد للشعر، مبنيٌ على الوضوح، والدقة اللغوية، والتي سيطلق عليه عبارات مثل “جاف، وقاسٍ، وشعر كلاسيكي”. تُقرأ القصيدة “غروب شمس مدينة” كما لو أنها تفكير شاعرٍ بصوتٍ مسموع، ومألفةٌ كما يمضي شاعرها في البحث عن لغة جديدة، والذي ادَّعى أن العديد من قصائده كانت ارتجالية، ومنظومة من أجل موضوع عابر، تاركًا الصور تتنزل طبيعيًا إليه. 

تتألف “غروب شمس مدينة”: 

فاتنٌ -إغواءُ الأرضِ- بأوهامٍ سامية

غروبُ الشمس الذي يسود في نهاية الشوارع الغربيّة

توهجُ سماءٍ مفاجئ

مربكٌ بغرابةٍ للمارِّ

برؤى سيثارا 

-غريبٌ على الشوارعَ المديدة-

أو باللحم الناعم للسيدة كاسلماين… 

***

جَذَلٌ قرمزيٌ

هو البهاءُ المنتشرُ للسماء

خادمُ العلياءِ المَرِح 

تَبخترُ أذيالِ ثوبٍ أحمرَ 

طوالَ أسطح المدينة الراسخة

وقت عودة الحشدِ إلى المنزل

خادمٌ مغرور، وباقٍ، يأبى الذهاب

ابتدأ هيوم كتابة قصيدة بقافية ثنائية (Conciets/أوهام وStreets/ شوارع، وPasser by/ المار، Sky/ السماء) ثم تبنّى تطبيقًا جديدًا من الشعر الحر -ابتداءً من جذلٌ قرمزي- في قصيدته، بكتابة سطور غير مقفّاة متجنبًا فيها بحور الشعر المعتادة، وبنيوية الشعرية المقطعية، والتي ستوصف لاحقا من قبل روبرت فروست بصياغة لا تُنسى “مثل أن تلعبَ التنس والشبكة على الأرض”. من هذا التساقط الحر للسطور تبرز صورةٌ أو زوجان من الصور هما غروب الشمس، مجاز شعري تقليدي، مربوطًا بثوب امرأة حمراء يرفرف على أسطح المنازل. من جذر هذه الفكرة الواضحة، تطوّرت قصائدُ أخرى مثل “الخريف” التي يرتبط القمر فيها بوجه فلاح أحمرَ، و”فوق رصيف الميناء” التي يظهر القمر مجددًا لكن هذه المرة كبالونة طفل، و”الجسر” حيث سماء مزدانة كليا بالنجوم مرتبطة ببطانية قديمة تآكلتها العثة تائقةً بحزن لشخص ما ينام على مضض فوق شاطئ نهر التايمز. في كل قصيدة من هذه القصائد القصيرة صورتان -واحدة مرتبطة بلا نهائية السماء والعلياء، والأخرى مرتبطة بمظاهر الحياة اليومية الصغيرة- ينضمان لبعض معًا، كما لو أن هيوم في بحث لجلب الفضاء اللا محدود للشعر التقليدي إلى الأرض. وهذا بالضبط، كان أول فعل شعر الحداثة بتطبيقه على شيء ما غير ملحوظ، والحياة اليومية، مثل فاتورة فندق (كتب هيوم قصيدة أخرى على ظهر بطاقة بريدية). تشبه هذه القصائد القصيرة شعر الهايكو الياباني، الذي خَبِره عزرا بعد سنوات قلائل. ومنحت تجارب هيوم النهضة للتصويريّة، التي كانت الشعر الحقيقي الأول الذي يتعامل مع قضايا الحياة اليومية: وغالبًا ما تناولت التفاصيل العادية للعالم المعاصر، مثل الانتقال عبر الميترو، والمشي في شوارع لندن، ومراقبة الحشود وهي تغادر صالات السينما. ويسبق الشعرُ التصويري بعقدين من الزمن قصائدَ لـ Pylon Poets التي ذاع صيتها في ثلاثينات القرن العشرين. وبزَّت واحدة من قصائد هيوم القصيرة قصائد الهايكو الشعرية بإيجازها إذ تتألف من ثماني كلمات: “كانت المنازلُ القديمة سقّالةً ذات مرة/ وصفيرُ عُمّال”. إن شبكة الأصوات فيها معقَّدة ومعتنًى بها، فكلمة “قديمة” تحظى بدعم من “سقّالة” التي تغلِّف الكلمة، في حين تعاودُ “كانت” الظهور في “عمَّال” حيث ترتبط الصورتان معًا عبر قافية داخلية وصدًى. وبالطبع فثمة ساحل شعري حداثي بديل يمتاز بكونه أكثر غموضًا وتلميحًا كما في أسلوب ت. س. إليوت، وجيوفري هِل- لكن الفكرة الأكثر شيوعًا لـ”الشعر الحداثي” بلا شك فكرةُ هيوم التي سادت التخيُّل الشعبي. 

اقترح كارول آن دوفي في عام 2011 بأن القصائدَ القصيرة شكلٌ من أشكال الرسائل النصيّة للُغتها غير الراقية وإيجازها: مقارنةٌ مُوحية للشاعر الذي يمنحنا “نصًا” ربما يكون أول قصيدة جديرة بالملاحظة حول خبرة المراسلة النصيّة. لكن الشعر الإنجليزي كان قد نما سلفًا نحو صغر الشكل قبل مئة عام، قبل الهواتف الجوّالة وعوالم الرسائل النصيّة بكثير. 

فكّر هيوم بأن على الشعر أن يكون قصيرًا حتى يستطيع الشخص العادي قراءته وتقديَّره في الترام وهو في طريقه إلى العمل أو أثناء جلوسه على الكرسي بعد العشاء. ترك هيوم لنا حفنة من القصائد التي سيشيد بها ت. س. إليوت بأن “اثنتان أو ثلاث من أجمل القصائد القصيرة في اللغة الإنجليزية”. أنزلَ هيوم الشعر من عليائه لكن ما حققه بعيد كل البعد عن الضآلة، فقد ساعد في إبداع شعر الحداثة كما نعرفه اليوم.  

****

أفضل قصائد هيوم من اختيار وتعليق د. أوليفر تيرل: 

تعد قصيدة “الخريف” واحدة من القصائد التي عمل عليها هيوم لتصبح قصيدة كاملة (يُجادلُ بأنها أول قصيدة حداثية بالإنجليزية) وقد نلمحُ فيها الذاتيّة في صورة “فلاح ذو وجهٍ أحمر”

لمسة برد في ليلة الخريف 

مشيتُ خارجًا

ورأيت قمرًا ينحني على سياجٍ 

مثل فلاحٍ ذي وجهٍ أحمرَ

لم أقفْ للحديث، أومأتُ فحسب

وحوله كانت النجوم الحزينة

بوجوهها البيضاء مثل أطفال المدينة 

*

كان هيوم مأخوذًا بالقمر لكونه ربما الصورة الشعرية الرومانسية التي تبزُّ كل الصور الشعرية الرومانسية الأخرى، ويعود إليها في قصيدة “فوق رصيف الميناء” (يعود هيوم في هذه القصيدة على نحو طفيف إلى التقليدية الشعرية عبر نظمه بقوافي ثنائية):

فوق رصيف ميناء هادئ في منتصف الليل 

مربوطٌ بحبلٍ الصارية الطويلة- 

يعلِّقُ ارتفاعه القمرَ 

ما يبدو بعيدًا جدًا ليس إلا بالون طفلٍ 

منسي بعد اللعب 

*

يعجب هيوم بحزن المدينة أو البلدة في الليل، مع ذاك اللقاء الرومانسي (للنجوم والسماء) والعصري والحَضَري. كما في هذين السطرين الشعريين مع قافية ثنائية تُظهر هذا بإيجاز:

المشهدُ المُبهَمُ الأسى

لبلدة بعيدة في الليل تُرى

* 

ظهرت قصيدة “مانا أبودا” -وهي إلهة بولينيزية- مع القصيدتين السابقتين ضمن القطع الخمس القصيرة التي ألَّفت في الأصل “الأعمال الشعرية الكاملة لـ ت. ي. هيوم” في حاشية ديوان عزرا “الردود الخاطفة” (لا بد أن هيوم أمسك لسانه جيدًا واحمرَّ خده فعلًا عندما قرأ العنوان):

مانا أبودا، ذاتُ شكلٍ منحنٍ

هي السماء في دائرةٍ مُقنطرةٍ

بحزن يبدو مجهولًا ليُرثى 

رغمَ سماعي لبكائها يومًا

سئِمٌ من الأزهار وغناء الشعراء 

ويوسف فوق هذا ليس طويلًا ليحاول 

*

 أما قصيدة “سوزان آن والخلود” فهي تنوع آخر في الثيمة العامة في شعر هيوم -العلاقة بين المدى الفسيح للسماوات وصغر الأشياء الأرضية الراسخة تحت أقدامنا: 

مدلًّى رأسها إلى الأسفل 

محدقةٌ إلى الأرض، وثابتةُ الحماس 

مثل أرنبٍ  عند ابن أوى 

حتى كانت الأرضُ سماء

والسماء خضراء

ومرّتْ الغيوم البنيّة

 *

وفي القصيدة “الشاعر” وهو شخصية تحلم بشاعرية مؤسسة على الصور المركَّزة أكثر من الصور الشعرية المجرَّدة المبتذلة: 

فوق الطاولة الكبيرة 

انحنى بابتهاج في حلمٍ 

تحوَّل إلى أخشاب 

تحدَّثَ ومشى مع الأشجار مغادرًا العالم 

وعاد إلى الأرض 

مع مجوهرات ملوَّنة 

حجرية، وصلبة، ومحددة 

بها لعبَ في الحلم على الطاولة الملساء

 *

ويعقد في قصيدة “الغروب” مقابلة مدهشة بين الرمز الرومانسي التقليدي (وهنا الغروب أكثر من القمر) مع شيء غير متوقع “راقصة باليه”:

زعيمُ حزب طامعٌ بالإطراء

وممانعٌ عن مغادرة المنصّة 

بسِحرها الختامي، توازنت ساميةً على إصبعها

ومظهرةً لباسها القُرمزي الغيوم الشفقيّة

وسطَ همهمات المنافسين المتذمِّرة 

*

انشغلت بعض قصائد هيوم بالتعامل مع شخصيات متهاوية، أناس فقدوا كل شيء وألفوا أنفسهم يحلمون بشيء لا يستطيعون الحصول عليه الآن. فأما القصيدة الأولى قصيرة وأقل شهرة عن السير والتر رالي: 

محبوسٌ رالي في البرج المظلم 

حالمٌ بالبحر الأزرق 

وما وراءه في فردوسَ ذاتِ مَدارٍ لم يُدرك- نما مِسكٌ…

 والأخرى وهي لربما أشهر قصائد هيوم “الجسر” (قصة خيالية لانهيار رجل وقور في ليلة باردة ومُرَّة):

في غمرةِ عذوبة الكمانات 

ألفيتُ نفسي ذات مرة 

منتشيًا بوميض الكعوب الذهبية على الرصيف 

أرى الآن دفء أشياء الشعر الدقيقة 

يا إلهي.. 

اجعل دثار السماء القديم الآكل للنجوم صغيرًا 

فقد أتلحف به وأستلقي مرتاحًا 

المراجع: 

  • Writers their lives and works.(Book)
  • Poetry Foundation.
  • Academy of American poets.
  • Interesting literature.

(Websites)

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى