الجمعية

بيمي أجودا *


حجم الخط-+=

ترجمة: دعاء خليفة

 

نمارس الإسوسو (1) منذ مدة طويلة. لقد مارستها أمهاتنا، وأمهات أمهاتنا. وعلى الأرجح أمهاتهن أيضا. لم تواجهنا مشكلة من هذا القبيل سابقا. ما من خطب خَطِر حتى ظهرت هذه المرأة. لم يغلبنا إصلاح شيء، وعلى كل حال، هذه طريقة عمل نظامنا: لكل امرأة شهر لتساهم بمبلغ ثابت من النيرة (2). مدرجة أسماؤنا على لائحة، ومع نهاية ذلك الشهر، يحين دور من يكون اسمها أعلى القائمة لتأخذ المبلغ كله. ثم تبدأ الجمعية مجدداً، ومع نهاية الشهر الثاني، تجمع من يلي اسمها على لائحة المبلغ. تكون الأسماء في ترتيب عشوائي دائماً. نتابع الأمر إلى أسفل اللائحة حتى يكون الشخص الأخير قد نال الجمعية. ثم نعيد الكرة. يعمل هذا النظام لصالحنا. لا نحتاج إلى مؤسساتكم المصرفية، ولا إلى قروضكم المصرفية. بمستطاعنا الاعتناء بأنفسنا.

لكن الأمور لا تجري دوماً بسلاسة. فثمة مرة حين أضاعت إيا إيبيجي مالها على رحلة إلى دبي -في ركوب الجمال والتسوق- ولم تستطع أن توفي بمبلغ مساهمتها للشهر التالي. كان علينا مصادرة المولد الكهربائي لمتجرها للأطعمة المجمدة حتى جلبت المال. عليكم أن تفهموا أننا لسنا خبيثات، لكن لينجح هذا النظام، لا بد من وجود النظام. في مرة أخرى، كان على السيدة ب أن تدفع فواتير المستشفى لعملية ابنها الجراحية. إذا أظهرنا التعاطف ولو مرة واحدة، سينقض بناؤنا على نفسه، لذا استعرنا ابنة السيدة ب. طبخت الابنة لنا الوجبات، حملت حقائبنا حين ذهبنا للتسوق، أراحتنا من بعض الأعباء. دلكت أقدامنا وضفرت شعرنا. حين جمعت السيدة ب المال، أعدنا ابنتها للمنزل. ما زالت لدينا ذكريات أثيرة مع الفتاة: ابتسامتها اللطيفة، طبخة حساء اللحم المُتبَّل، طريقة قفزها بخفة من قدم إلى أخرى كما لو أن عظامها من الورق. مجموعتنا صغيرة. علينا أن نكون كذلك، لأجل عامليّ الائتمان والثقة. لن يوافق أيُّ شخص بكلا شروط قبولنا البعيدة المدى والصارمة. نصادر ما نقدر عليه حتى توفي بالتزاماتك، وفي نظر الكثير، هذه سلطة كبيرة، ومخاطرة بالغة. نحن لم ندعكِ إلى هنا، نقول اللواتي عجزن، ومالت أعناقهن من التوسل، اذهبي وجربي حظكِ في المصارف. لقد عملنا بجهد ولن نسمح بأي تساهل غبي قد يعرضنا لخطر العودة إلى المزاريب. لذا حين قدمت المرأة الجديدة تتصيد الوضع في اجتماعنا، بأسنانها الملتوية وضرب من الشك، حذرناها، سألناها ما إن كانت متأكدة. كانت قريبة لأحد الأصدقاء المقربين لإخواننا، لذا وافقنا عليها، رغم كوننا كنا مترددات بشأنها، وأيادينا تعبث في قلق بالإزار، وصدورنا ضيقة، رحبنا بها.

في البداية، جرت الأمور بسلاسة. نادراً ما تبيُّن الحماقةُ نفسها مباشرة. دفعت مساهماتها في الوقت المحدد، حضرت إلى الاجتماعات وشربت فانتا وتناولت معنا شين-شين. كانت قراراتها موزونة بشأن أي لون مناسب للارتداء إلى زفاف ابنة سيسي أوج (الزهري أم الخمري)، وما إذا كان علينا جميعاً التوقف عن التردد على منتجع نيتشرز واي لأن المالك نكز إحدانا في طريقنا إلى تقديم قدّاس في الكنيسة. ولكن مع حلول الشهر الرابع- قبل ستة أشهر من حلول شهر جمعيتها- بدأت بترك رسائل نصية على هواتفنا، تتوسلنا لمزيد من الوقت.

انظري، إنَّ الأمر لا يجري على هذه الطريقة. 

قيَّمنا حياتها، لنرى ما يمكننا مصادرته، ما يمكننا أخذه منها حتى تتفهم جدية هذا الالتزام. لم نجد شيئاً يستحق المصادرة غير زوج وأم عجوز في القرية.

صادرنا زوجها.

وللأسف، فقد كان غير مجدٍ للعمل في منازلنا. جالس أزواجنا، بطنه المنتفخة من شراب الجعة وبطونهم المنتفخة لشربهم الجعة تهتز بهلامية في مرح على طرفة مقيتة. كان زوجها يصرخ عند مباريات كرة القدم مع أزواجنا، ويلعب طاولة التنس في حدائقنا، يصرخ مثل أحمق حين تضرب الكرة على المضرب الذي في يده. كان ينظر إلينا في أحيان ما. كان ينظر إلينا ويذكرنا بعرض أوراكنا، بثقل نهودنا، يذكرنا بالكيفية التي تأخذ بها أجسادنا مساحة من الفراغ.

أعدنا الزوج، وكانت لا تزال عاجزة عن دفع مساهمتها، لذا صادرنا والدتها.

لم تكن والدتها بأفضل حالاً من زوجها. كانت العجوز تقعد في الزوايا غارقة في التفكير، وعيناها تحدق إلينا ونحن نهرس نبات اليام أو نخيط زراً ما. امتزجتْ بأنسجة العنكبوت، اكتسى جلدها بزغب داكن، وحرشفية لامعة، مستغلة الظلال المتنقلة. وحين تحولت في النهاية إلى ضفدعة ومن بعدها إلى سحلية ثم إلى قطة، صرخ أطفالنا في حبور. لكنهم حين حاولوا التربيت على القطة، خربشت أياديهم، حتى نزفت، وتركت جراحاً على أشكال لغة غريبة. قفزت بعيداً عن تعنيف أيادينا لتحط عالياً فوق رؤوسنا، ولوينا أعناقنا للنظر إليها، حاسدين الرشاقة الزغبية، الطريقة التي كانت تلف جسدها إلى نسخة أصغر وأخف، مختلسة ومراوغة وعصية على القبض.

أعدنا الوالدة واستدعينا المرأة. ما الذي بإمكانها أن تمنحه لنا أيضا، حتى يتسنى لها الإيفاء بمساهمتها؟ أجلسناها وسط المجموعة، حتى يكون بمستطاعها الشعور بوخز نظراتنا على جلدها من كل إتجاه، لتشعر بضغط تخييب ظننا بها.

قالت لنا: “انظروا. هلا أخذتم ذراعيَ؟”.

كانت ذراعان طويلتين وقويتيِ العضلات وعرفتا الشغل. قبلنا بهما.

كانتا ذات فائدة في مطابخنا، هاتان الذراعان، تقطِّعان أوراق الأوجوو هنا وتقلب حلة الإيويدو هناك، تهرس نبات اليام، تقطع التفاح إلى شرائح. كانتا مفيدتين في أعمال المنزل، تكنسان التراب من الردهة وتهدهدان طفلاً حتى النوم. وأحياناً تطوقنا الذراعان حين يصرخ أزواجنا، أو حين يعاود الأطفال بكاءهم، أو حين ارتسمت السماء بالدرجة الخاطئة من الأزرق.

ومع ذلك، لم تستطع الإيفاء بمساهمتها، لذا تمسكنا بذراعيها.

رجلاي؟ سألت، حين كانت لا تزال عاجزة عن دفع مساهمتها في الشهر التالي. جلست بلا ذراعين، أكمام قميص البوبا على جانبيها، في وسط الدائرة، انحنى رأسها حتى أخفت ضفائرها وجهها من أعيننا المتسائلة. لم نرى إخفاقاً كهذا من قبل، استسلام يجعل المرء يتخلى عن أعضاء جسده. لكن ساقيها كانتا قويتين، بعضلات متينة بإمكانها قذف كرة القدم مع أطفالنا، وركبتين قويتين ضغطت على رؤوس بناتنا حين ضفرنا شعورهن، وحجرها الذي كان يسند رؤوسنا حين بكينا لأن السماء كانت لا تزال ترتسم بالدرجة الخاطئة من الأزرق وشعرنا بثقل أعيننا على رؤوسنا.

ماذا عن جذعي؟ عرضت علينا.

رأسي؟ ساهمت قائلة.

بدا صوتها أكثر رقة مع منح كل عضو جديد.

وما فائدة هذين الثديين، هذه المعدة، هذا الرأس الثقيل المليء بالجمجمة؟ ومع ذلك أخذنا، وأخذنا، وأخذنا.

لم ندرك ما فعلته إلى أن أخذنا كل أعضاء جسدها.

ألم نكن نرغب دوماً أيضاً في التخلص من أعضائنا، وأن نصبح أخف، لا شيء، أحرارا؟

ألم نكن كذلك لنمنح أي شيء لتصبح أجسادنا غير منتمية لنا بعد الآن؟

حالياً، لا نتحدث عن الأمر لأننا خجلات من الاعتراف بخداعها لنا لنحملها ونتحمل وزنها إلى الأبد، وأوتارها العضلية وعظامها وأسنانها وعضلها ونفسها ودمها. نتجنب النظر في أعين بعضنا حين نناقش أمر الجمعية والأموال التي جُمعِت. حين نخرج متثاقلات من الاجتماعات؛ تحدودب أكتافنا، وتجرجر خطواتنا من جراء حملها، من حمل ما أخذناه.

 

 

* كاتبة نيجيرية معاصرة. 

1- شكل من أشكال تدوير المال وادِّخاره غير الرسمية، متبع في المجتمعات الإفريقية وبعض المجتمعات الشرق أوسطية.

2- العملة النقدية في نيجيريا.

من المجموعة القصصية: حين يُخال لامرأة أن منزلها يحترق

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى