الأدب وقيمة العفوية


حجم الخط-+=

ترجمة: مصطفى حمزة

العفوية هي ميزة قد لا يأخذها المرء بعين الاعتبار في الحياة اليومية لأنها تقدم كشوفات يقوم بها أفراد محددون. لن ينظر العديد من الناس عند تقديم هذه الفكرة إلى الرضا والمساواة عند مواجهة المواقف التي يختار فيها المرء مواصلة الرغبات نظرا لدوافعهم الداخلية المفاجئة، فالأفراد الذين يظهرون عفويتهم في هذه الحالات الدائمة يكونون مثيرين للجدل بين المجتمع، حيث إنَّ هؤلاء الاشخاص المحددين يجب أن يتحملوا المصاعب والتوقعات التي يمنحها المجتمع لهم. تظهر مؤلفة كتاب “أن تقرأ لوليتا في طهران” آزار نفيسي تجربتها مع المجتمع الذي يجبر الأفراد بالالتزام بسمعة مثالية لكي يشعر الآخرون بالراحة تجاههم، وتركز مؤلفة قصة “القلعة العارية” سوزان فالودي على أهمية المجتمع الذي يحابي الرجل كما في تعامله مع النساء اللاتي تنخرطن في أكاديمية عسكرية خاصة بالذكور. هاتان المؤلفتان تتعمقان في الخاصيات الجامحة للعفوية والعواقب المنتظرة لأولئك الذين يتصرفون بناء على هذه الميزة الخاصة. سيدعم المجتمع تلك التوقعات التي من شأنها توجب على الأفراد فعل أمر ما بغض النظر عما يسعى إليه هؤلاء الأشخاص، فالعفوية تقدم نتائجَ غير متوقعة تتعارض مع التطابق المنتظر والذي يجبر البعض على الاستسلام للإغراء ولكن على الرغم من وجود العديد من الظروف فإنه يمكن تقديمها كقوة للأفراد الذين قُلِّل من شأنهم في المجتمع، كالنساء.
إن العفوية تظهر العديد من المفاجآت للمجتمع والأفراد على حد سواء حيث إن الميزة –العفوية- تكشف عن نقاط القوة والقدرات التي يمتلكها الإنسان ولكن العديد من أفراد المجتمع سيقللون من إمكانيات الآخرين للحفاظ على القيم والتوقعات التي يتبناها المجتمع والتي ينبغي على الجميع تحملها والالتزام بها. العفوية تتيح للأفراد مثل النساء التمتع بالحرية ومتابعة الأنشطة والأعمال التي قد لا يتوقع المرء منهم أن يشاركوا فيها. في كتاب القلعة العارية لسوزان فالودي تستعرض تجارب النساء في مجتمع يتحيز للرجال خصوصا، إذ تقدم المؤلفة تجربة إمرأة شابة سعت إلى رفع مستواها عن طريق الالتحاق بمدرسة عسكرية مخصصة للرجال وقالت: “إن التصميم الذي دفع شانون فوكنر على دخول فيلق كاديت القلعة لم يكن مدفوعا بالرغبة والريادة بقدر ما كان الأمر يعزى إلى الشعور بالذهول والسخط في آن واحد، لأن هذا المسار في المقام الأول كان محصنا” (فالودي 88). توضح فالودي الاستعداد الذي قد يعرب عنه الفرد والذي يتعارض إلى حد معين مع الحدود والمعايير التي يسور فيها المجتمع نفسه والتي تحد من إمكانيات المرأة في “القلعة”. يمكن أن يعدَّ الأفراد ضعفاء من تلقاء أنفسهم بسبب تصور المجتمع، لكن عندما يتعلق الأمر بهذا الموضوع فإن المجتمع يكون غاضا للبصر عن موضوعة المساواة التي تتقدم بها المرأة بخطوة واسعة وعوضا عن ذلك يضطهد المجتمع المرأة لكي لا تكون عفوية لأنها تشوش على توقعاتهم. في كتاب “أن تقرأ لوليتا في طهران” لآزار نفيسي تتحدث عن امرأة تسعى لإقامة توازن بين قدراتها وامكانياتها بناء على احتياجات وتوقعات المجتمع. تقول نفيسي: “لطالما كانت نسرين تتصرف بثقة شديدة لدرجة أنني نسيت أحيانا مدى ضعفها في ظل هذا التصرف الخشن. ولكن قلت لها بلطف إنني أحترم ثقتك بنفسك إضافة إلى أنك فتاة كبيرة وتعرفين ماذا تفعلين” (نفيسي 287). تستعرض نفيسي مظهرين لتلميذتها داخل مجتمعها، فالأول هو الضعف، والثاني هو الأمل والقوة عندما تكون قادرة على التعبير عن ذاتها، حيث يمكنها أن تكون عفوية لأنها لا تخشى الدخول في تحدٍّ ضد المعايير المهيمنة في المجتمع. الأفراد يدركون أنهم يجب أن يتوافقوا مع هذه المعايير وإلا سيواجهون العواقب، ولكن في الوقت نفسه فإن هذا يمنحهم المجال ليظهروا العفوية والصفات المرغوبة المخفية التي هم مصممون على التعبير عنها وإظهارها. فعند النظر في المثالين السابقين سنجد أن استخدام هذه الأمثلة يظهر القدرة والسمات التي يمكن أن يمتلكها بعض الأفراد من خلال تجاربهم لأنها تمكنهم من النجاح والازدهار ببطء بين الآخرين من خلال إمكانياتهم.
 
يعبَّر المجتمع عن ضعفه حيال العفوية  من خلال فرض الأفكار والاستدلال على أفعاله التي تثبت أنها تتجاوز الشك. يظهر الإخلاص للآراء التقليدية والمثالية المفترضة. إن المجتمع ينظر الى ما حوله بالطريقة التي كان عليها لعقود لا تحصى بدلاً مما يمكن استكشافه والتوسع فيه، وتجدر الإشارة الى المنطق والتدابير اليائسة المُتخذة لعرقلة القرارات والإجراءات التقدمية التي تؤثر في المجتمع ومعتقداته الأساسية. “فالودي” مثال بارز لمحاولات المجتمع منع مثل هذه الإجراءات، فعند معارضة التكامل بين النوعين، تقول: “تُظهر الدراسات- و لا يمكنني الاستشهاد بها، لكنها تظهر أن الذكور يتعلمون أفضل حينما لا تكون ثمة اناث. أوضحت لي إحدى الطالبات”. فالودي (75). استخدم هذا الاقتباس من الطالبة لكشف انحلال توقعات المجتمعات الذي يعزى إلى نفوره من اتخاذ القرارات الخطرة والمتهورة. علاوةً على ذلك، تُظهر الدوافع غير المتوقعة التي يتصرف عليها هؤلاء الأفراد أن المجتمع في بعض الأحيان ليس مستعداً للتعامل مع مثل هذه المواقف التي لا يمكن كبتها. على الرغم من هذه الفكرة الشائعة فإن فهمهم للعفوية ينطوي على موضوع الاعتماد على الذات والعمل وفقاً لمصالحهم العليا. وتعترف “سوزان فالودي ” كذلك بهؤلاء عندما قالت: “إنهم خائفون جدا تقريباً”، وكما قالت “لقد ضاعوا كثيراً وهم بحاجة الى الاحتواء، فإن الذوق الجيد لا يتطرق إلى موضوع آداب السلوك تجاه النساء اللواتي لا يحتجن إلى احترام وانقاذ” (فالودي85). في هذا الاقتباس تُعبّر المؤلفة عن المجتمع الذي لا يعترف بفكرة المرأة التي تتعلم أن تكون مستقلة ولا تعتمد على مساعدة الآخرين. يمكن عدُّ المجتمع ضعيفاً بسبب عدم اليقين فيما يتعلق بعفوية المرأة التي تسعى وراء ما هو أفضل لها دون التفكير في التوقعات التي يمنحها إياها المجتمع. نظراً لأن المجتمع لا يقر إلا بما هو أفضل لهم،  فإنهم لا يدركون الصفات الكامنة داخل هذه المجموعات، والتي تثبت أن العفوية قوة خفية بين الأفراد. عند التفكير في ذلك، يفرض الرجال في مدينة طهران احتمالات وجوب التزام النساء بسياسات مثل التصرف وارتداء الملابس بطريقة معينة لتجنب العقاب. تُظهر” نفيسي” جهل المجتمع الذي تعيش فيه النساء عندما تقول: “أريد أن أكتب عن لوليتا،لكن في الوقت الحالي لا توجد طريقة يمكنني من خلالها الكتابة عن تلك الرواية دون الكتابة عن طهران أيضا. هذه إذًا قصة لوليتا من طهران،  كيف أعطت لوليتا لونا مختلفا لطهران، وكيف ساعدت طهران في إعادة تعريف رواية “نابوكوف” وحولتها إلى لوليتا الخاصة بنا” (نفيسي279). تقدم المؤلفة للقارئ فكرة أن المجموعة التي عانت من استبداد طهران الذي يحرم  أي سلوك عفوي للنساء لأنهم يتوقعون منهنّ أن يكنّ متحفظات. استخدمت الرواية الخيالية “لوليتا” للتأكيد على الاختلاف الذي يمكن أن تحققه العفوية أثناء الأنشطة اليومية. غالبًا ما يُثبَّط الافراد عندما يعبِّرون عن عفويتهم، بسبب تأسيس المجتمع مفهوميَّ الصواب والخطأ. يحدد هذان المثالان احتمال أن يحظر المجتمع مثل هذه السمات التي يعبر عنها الأفراد والتي تمكن بعضًا من الوقوف ضدها.
ختاما، إن موضوع العفوية ليس ما يصمم المجتمع عليه على أنه الضعف بل هو تمثيل للقوة والعزيمة بين الأفراد الثائرين على معايير المجتمع المفروضة، فالنساء اللائي يُقلل من شأنهن ينظر اليهن كأفراد عاجزين وضعفاء،  ويجب عليهن الاتكاء على الآخرين لإنجاز أي شيء. ومع ذلك فهنالك النساء اللواتي أظهرن عفويتهن لتحدي الظروف الآنية التي وضعها المجتمع لهن. وبهذا  يثبت المجتمع عدم كفاءته عند الاصطدام بهذه الأعمال المفاجئة بسبب المحاولات التي من خلالها يرجو البعض تقويض قيمهم وفرض ما هو مناسب لهم ولاخلاقياتهم. يتعلم الأفراد المصممون أشياء كثيرة ويتخذون قرارات متهورة دون الدخول في العقبات والمصاعب. ولهذا الأمر، فإن العفوية هي بمثابة دلالة على القوة بين الأفراد وسوف تستمر في إحداث تأثير في مجتمع إن كان بدعم أو بدونه

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى