أسماء الأدباء وشخصياتهم وتأثيرها في اللغة 1-2

مؤمن الوزان


حجم الخط-+=

إنَّ الأدب بعظمائه سواء كانوا أدباءً أم شخصيات خيالية يعكس من جهة الحياة بمختلف محطاتها ورحلاتها ومن جهة أخرى يتغلغل إلى حياة الإنسان بتأنٍ وتؤدة وإلى كل ما يمت له بصلة فيجد نفسه بعد مدة قد تطول أو تقصر وهو يعايش هؤلاء الأدباء أو شخصياتهم، حتى إن لم يكن من محبي الأدب والقراءة فإن أذرع الأدب التأثيرية تصل إليه وتقتحم عالمه رغما عنه. ما سأتطرق إليه هو عن جوانب هذا التأثير والوصول الأدبي فيما يخص اللغة وكيف أصبحت أسماء الأدباء أو شخصياتهم، صفة أو لفظ كناية، تغني عن الإسهاب والإطناب في الشرح والوصف لما يراد الحديث عنه، فتأتي هذه الصفات والألفاظ لتؤدي المهمة بسرعة ونجاعة قلَّ نظيرها، وما يميز هذه الخاصية هو أنَّ لا حدٌّ لها فما دامت اللغة قادرة على خلق الألفاظ والاشتقاقات وما دام الأديب مستمر في الإبداع في الكتابة عن الإنسان غائصا في أعماق نفسه البشرية؛ فنحن بحضرة عشرات الصفات وألفاظ الكناية القادمة، وهذا ما يجعل اللغة ابنة الإنسان والإنسان ابن الأدب. 

لكن قبل الولوج إلى أمثلة التأثير الأدبي في اللغة لا بدَّ من التعريج إلى كيفية تأثرنا بالأدب وشخصياته فيخلدون في المخيال الإنساني أكثر من بعض الشخصيات الحقيقية. وما الذي يدفع القارئ أن يتعاطف مع مدام بوفاري أو أن تُستثار دموعه لمصير آنا كارنينا في الوقت الذي لا يتعاطف مع ملايين الناس الذي يلقون حتفهم لأسباب كثيرة في هذا العالم، أو أن يستذكر شخصيات روائية تخييلية مثل شخصية شارلوك هولمز وينسى شخصيات حقيقية أخرى في الوقت ذاته في قضية ما؟ وهو سؤال مهم يقوم على عدة أركان يُجيب عنه أمبرتو إيكو في كتاب اعترافات روائي ناشئ: 

– يقول ألكسندر دوماس: “فمن مميزات الروائيين أنهم يخلقون شخصيات تقتل شخصيات التاريخ. والسبب في ذلك أن المؤرخين يكتفون بالحديث عن أشباح، أما الروائيون فيخلقون أشخاصا من لحم وعظم”. 

– تقوم بعض استراتيجيات الرواة على خلق دراما تستدر دموع الجمهور. وأن ظاهرة التعاطف لا تمتع بقيمة وجودية أو منطقية، ولا يمكن أن تثير اهتمام أحد عدا السيكولوجيين. ويضيف إيكو إذا كنا نتماهى مع الشخصيات التخييلية ومع مصائرها، فإن سبب ذلك يعود، وفق مواضعات سردية، إلى أن نهيئ أنفسنا داخل عوالم ممكنة لقصصهم، كما لو أنه عالمنا الواقعي. وإن عملية انتزاع دموع قارئ ما لا تعود فقط إلى المميزات التي تتوفر عليها الشخصية التخييلية، بل أيضا إلى العادات الثقافية للقراء، أو العلاقة القائمة بين انتظاراتهم الثقافية والاستراتيجية السردية. 

– الأنطولوجيا ضد السميائيات: يقول إيكو لا أهتم بأنطولوجيا الشخصيات التخييلية. فلكي يصبح موضوع ما موضوعا لدراسة أنطولوجية يجب اعتباره موجودا في استقلال تام عن كل ذهن يفكر فيه. وسبب حزننا على موت شخصية تخييلية مثل آنا كارنينا، فلن يكون بمستطاعي تبني وجهة نظر أنطولوجية، وأنا مضطر للنظر لآنا كارنينا باعتبارها موضوعا ذهنيا، موضوعا للمعرفة. ولا تعد مقاربتي من طبيعة أنطولوجية، بل هي من طبيعة سيميائية: فما يهمني هو معرفة ما المضمون الذي يتطابق في نظر قارئ مؤهل، مع التعبير “آنا كارنينا” خاصة إذا كان هذا القارئ يسلم بأن آنا كارنينا لم ولن تكون أبدا موضوعا له وجود مادي. 

– إثباتات تخييلية ضد إثباتات تاريخية: في الوقت الذي قد نشكك في موت هتلر في مخبأ أرضي، لكننا لا نشك أبدا بموت آنا كارنينا، ويضع إيكو هذه المقابلة على محكين هما الشرعية التجريبية الخارجية والتي من خلالها نطلب دليلا على موت هتلر في مخبأ أرضي، وعبر الشرعية التجريبية الداخلية (بالمعنى الذي لا يلزمنا بأن نستخرج من النص ما يثبت ذلك)، واستنادا إلى هذه الشرعية، سننظر إلى من يؤكد لنا أن آنا كارنينا تزوجت من بيير بيزيخوف بأنه أحمق، أو في الأقل ليس مطلعا على الأمور بما يكفي، في حين نسمح لشخص ما أن يشكك في موت هتلر. 

*

ويتحدث الروائي الراحل حسن مطلك عن “تأثير ما بعد القراءة” (تأثير الرواية والأدب في القارئ) فيقول: “إني أتذكر (زوربا) مثلما أتذكر صديقي (أحمد)، أتذكر (تاراس بولبا) القوقازي. فمن يضمن أنني لا أعرفه فما الفرق بينه و(زوربا) بالنسبة لي كلاهما يمثلان ذكرى، يمثلان خبرة عشتها وأحببتها…”.

*** 

من هنا ينطلق تأثير الأدب في الإنسان، وينشِّط خياله وأفكاره ويجعلها أرضا خصبة لتستقبل هذه الشخصيات، فتنمو فيه وتنشأ معه وتدخل إلى حياته مرحبا بها كأنها حقيقة لا يخالطها شك، فكان لزاما أن تُستحضر هذه الشخصيات أو من خلقوها عند الحاجة، وبما أن اللغة هي السبيل الذي أوصلنا إليهم وأوصلهم إلينا؛ فستبقى اللغة سبيلنا إلى استدعائهم أيضا. وسآخذ أربعة أمثلة -اثنين من أسماء الأدباء واثنين من أسماء شخصياتهم- عن صفات وكنايات من الأدب دخلت اللغة من بابها المشرع: 

– كيخوتيّ Quixotic

حين كان سيرفانتس في السجن تشكلت في ذهنه الخطوط الأولى لرواية دون كيخوته لترى النور بعد خروجه من السجن. وتعد رواية دون كيخوته أول رواية حديثة في الأدب، طُبع الجزء الأول منها  عام 1605  ولحقها جزء آخر متمم في عام 1615، ليكتمل عمل أدبي روائي لم يشبهه عمل من قبله، يذكر كتاب “أدباء: حيواتهم وأعمالهم”: جرّب سرفانتس العديد من الصيغ والأشكال الأدبية في حياته، لكنه في دون كيخوته خلق قاعة من المرايا. بالرغم من أن البطل يرتحل في عالم الواقع مع رفيقٍ واقعي إلا أن القارئ يُسحب إلى خيالات البطل المجنون. الفكاهة، والمأساة، والتوترات الاجتماعية لذلك العصر تطفو على السطح بتفاعل ما بين الحقيقة والوهم. الرواية عَرَضية، بقصص من شخصيات متعددة توسع المشهد، وبمرجعية ذاتية هزلية: وعت الشخصيات دورها في العمل، واستغل السارد الظهور المنتظم لها لمناقشة حيلة عمله وتأثيرات الخدعة في الأدب.

 يأخذنا سيرفناتس مع بطله دون كيخوته، الفارس المبعوث في زمن ليس بزمانه، باحثا عن عصر لم ينتمِ له، عصر الفرسان وشهامتهم واستعدادهم للتضحية لأجل حبيباتهم، فكانت حياته هذا البطل منبعا لاشتقاق صفة من اسمه، كيخوتي Quixotic. وتعني كلمة كيخوتي المثالية اليائسة أو المتطرفة أوغير الحقيقية، إذ يهيم الإنسان عالم الخيال ونسيان الواقع. يذكر كتاب أدباء: حيواتهم وأعمالهم: “وتنطبق الكلمة كليا وبجدارة على حياة سرفانتيس بصعودها وهبوطها في حياته الحربية وحبسه، والسرد القصصي الذي غمر فترة من التاريخ الإسباني المشحون بالصراع”. 

فإن رأيت شخص حالما يعيش في مثالية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع فيكفي أن تصفه بـ كيخوتي. 

– دون جوان (خوان) Don Juan

دون جوان شخصية أسطورية خيالية، ظهرت أول مرة في العمل المسرحي “محتال إشبيلية والتمثال الضيف” للإسباني تيرسو دا مونيلا الذي كتبها في القرن الرابع عشر، وظهرت الشخصية في مسرحية غاوي النساء (الفاسق). 

تحكي الأسطورة عن فاسق يهوى إغواء النساء مهما كان عمرهن ومن ثم تركهن بالعار الذي لحق بهن، حيث يفتخر بإغوائه النساء، وقدرته على إسقاطهن في حبائله، وامتازت حياة دون جوان بالعنف والمقامرة، مما يدفعه إلى أن يبقى متجولا باحثا عن اللذة والمتعة. يقتل دون جوان في إحدى المرات دون غونزالو ويغوي ابنته الدونة آنا، ويقوم بصنع تمثالين لهما، ومرَّ ذات يوم دون جوان بتمثال الدون فدعاه للعشاء سخرية واستهزاءً به، ولكن سخرية القدر تلحقه ويُلبي التمثال دعوة العشاء ويُخبره بقرب أجل هذا الفاسق الذي عاش مذنبا ومخطئا وغارقا في الشهوة. يؤمن مونيلا ومن رؤية نابعة من مجتمعه “أن كل إنسان يضرب القيم بعرض الحائط وينحرف ويعيش مع آثامه بسعادة سيدفع الثمن قبل الموت. تُظهر شخصية دون جوان كـ”شيطان” يكون مجبرا دائما على دفع ثمن أخطائه، ليذكرنا بأننا جميعا مضطرون لدفع الثمن جرّاء أفعالنا السيئة وفي النهاية “الموت يجعل الجميع متساوين”.

اسم دون جوان لم يبقَ حبيس المسرح، بل أصبح يعبر اليوم عن الرجل ذي العلاقات النسائية المتعددة “زير نساء”. فإن كان لديك رفيق مثل هذا فإن اسم دون جوان سيكون ملائما له.

– بايرونيّ Byronic (البطل البايرونيّ The Byronic Hero) 

 لم ينحصر تأثير الأدب في اللغة على الشخصيات الخيالية وأسمائها فقط بل أيضا وصل التأثير فيها من حياة الأدباء وأسمائهم، ومن بين هؤلاء الذي كان لهم الأثر اللغوي من بعده هو الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، الذي اشتق من اسمه صفة “بايروني أو البطل البايروني” وكما يبين كتاب أدباء حيواتهم وأعمالهم: “إن عبارة البطل البايروني مرادفة للشخص المزاجي المنبوذ الذي يعرض السوداوية والرومانسية الكئيبة، ويعلّق بسخرية على المجتمع. تعكس هذه الشخصية إلى مدى كبير “شخص بايرون”: الذي كان متطرفا في فكره وعمله؛ إذ يكتب: أنا مزيج غريب من الخير والشر، لذا فإن من الصعب أن تصفني. يؤكد الأبطال “النموذج البايروني” في بعض أعماله مثل تشايلد هارولد، وكونراد في القرصان، ومانفيرد. وألهم بايرون خلق هذه الشخصية التي أصبحت صفتها مشتقة من اسمه من رحلات قام به عام 1809 إلى مواقع البرتغال وإسبانيا ومالطا واليونان وتركيا، وأول ذكر لهذا البطل البايروني كان في قصيدة “رحلة تشايلد هارولد” ونشر مقطعان من هذه القصيدة الطويلة في عام 1812، ليستمر ظهور هذه الشخصية  في بقية أعماله.

فالبايروني إذًا هو ذاك الشخص الرومانسي الكئيب ذو المزاج السوداوي الساخر من مجتمعه واللاذع في هجائه والذي تمثّل خير تمثيل في قصائد لورد بايرون وحياته. 

– صافويّ “سحاقية” (Sapphic) وصافويّة “سحاق” (Sapphism)

لا يختلف الأمر كثيرا مع اسم صافو الشاعرة الإغريقية التي عاشت في القرن السابع قبل الميلاد والنسبة إليه في النُظم الشعري سوى أن ما أُثير عنها من تهمة علاقتها العاطفية بإحدى طالباتها، ربط اسمها بالسحاق وأصبحت بالنسبة لكثيرين رمزا من رموز المثلية الجنسية الأنثوية ومصطلح Sapphic love “الحب السحاقي” أكثر ما أُشيع واستخدم إضافة إلى Sapphic ومن معاني هذه الكلمة سحاقية أو ما له علاقة بالسحاق وكذلك Sapphism التي تعني السحاق. وبل من المثير للسخرية أن كلمة Lesbian “سحاقية” مشتقة وإشارة إلى جزيرة Lesbos التي ولدت فيها صافو. بقيت هذه التهمة ملتصقة بها دون دليل قاطع عليها  في الوقت الذي تشير فيه بعض المصادر مثل The Suad “الموسوعة البيزنطية لعالم البحر الأبيض المتوسط القديم” إلى زواجها وأن لها ابنة باسم كليس Cleïs، في حين ينفي آخرون هذه المعلومة ويستندون إلى أن صافو في قصيدتها: إنشودة إلى أفروديت، تصرفت كأنها ذكر. ويصف الباحث أندري لاردينوس جدلية جنسانية صافو بأنه “تساؤل صافو الأعظم”.

المراجع:

1- اعترافات روائي ناشئ – أمبرتو إيكو.

2- الكتابة وقوفا – حسن مطلك.

3- Writers: Their lives and works.

4- Oxford Dictionary.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى