قصة سر – أركادي أفيرتشينكو 

ترجمها عن الروسية: عمران أبو عين


حجم الخط-+=

I

كانت لديه ميول واهتمامات شعرية منذ الطفولة. هذا ما يؤكده لي دائماً. 

– أترى! فأنا أحب كل ما هو جميل! 

– أجبت مبتسماً: حقاً، لماذا؟ 

– لا أعرف. ربما بسبب طبيعتي، فأنا أنجذب لكل ما هو جميل. 

– على هذا الحال، سأهديك ديواني الشعري، فقد طبعته في كتاب. 

لم يتعجب أو يخف، بل قال ببساطة: 

– شكراً. 

سألت بكل أمانة وإخلاص: 

– هل تحب صوت خرير الماء في الغابة عندما يتدفق؟ أو الخراف وهي ترعى وتأكل العشب؟ أو غيمة وردية على ارتفاع عالٍ.. لنقل على ارتفاع ستين قدماً؟ 

وجّه نظره للبعيد متأملاً شارداً بعينين مغمضتين وقال هامساً: 

– أحبّ إلى حد الألم في قلبي. 

– إنك رجل مذهل، وماذا تحب أيضاً؟ 

– أحب غروب الشمس عند النهر عندما يُسمَع صوت ألحان وغناء من بعيد… أحب الزهور التي تقطر بالندى كدمعة باردة.. أحب الشاعرات الجميلات وأحب السر الذي يكون دائماً جميل. 

– تحب الأسرار؟ لماذا لم تخبرني بذلك من قبل؟ ربما كنت أخبرتك بسرٍ أو اثنين.. على سبيل المثال، هل تعلم بأن علاقة تجمع ما بين زوجة البواب وبائع الألبان؟ فقد سمعته أمس بنفسي وهو يقدم لها عروضاً…

عندها، تأوه وتألم:

– أنت لا تفهمني يا صديقي! هذا سر فَجّ ووقح جدا. فأنا أحب الأسرار الرقيقة المراوغة والمهذبة، هل تعلم ما قمت به اليوم؟ 

– أجبت بثقة: فعلتَ شيئاً شاعرياً وجميلاً. 

– بالضبط. سنذهب الآن إلى ليديا بلاتونوفنا، فهل تعلم ما فعلتُ. 

– شيئاً شاعرياً وجميلاً. 

– نعم، اشتريت باقة فاخرة من الورد الأبيض وأرسلتها إلى ليديا بلاتونوفنا من مجهول، دون بطاقة أو رسالة. هذا سر صغير لطيف. فأنا عاشق لكل أنواع الأناقة، أزهار متلألئة بقطرات ندى كالدموع من دون معرفة من أرسلها… إنه سر. 

– آها، لهذا السبب بعت أريكتك التركية وبنطالك الأزرق! 

– قال بصوت جريح متألم: دعنا لا نتحدث عن ذلك يا صديقي، زهور من عالم آخر، من أين أتت؟ من هواء الجبل النقي؟ من الذي أرسلها، الشيطان؟  

كان متوجهاً بنظره إلى السماء، وعيناه تلمعان كالنجوم. 

– قلت بسخرية: لكنك لن تتحمل ذلك، وستثرثر! 

– أقسم لك يا صديقي سأكون صامتاً ولا مباليا… فهي لن تعرف أبداً من أين أتت هذه الزهور، أتفهم ذلك ؟ لن تعرف أبداً أبداً… [الأصل بالإنجليزية]

حين هممنا بالنزول من عربة الأجرة أخذت أفكر: لو أن هذا الرجل كان يكتب الشعر فلن تكون قصائده أغبى من قصائدي! 

      II

 دخلنا غرفة المعيشة، واستقبلتنا صاحبة المنزل بسيلٍ من كلمات الترحيب والامتنان، حتى إنني في البداية تراجعت خلف فاسيا ميموزوف.

– صاحت المضيفة الخلابة: فاسيلي فالنتينوفيتش! اعترف… هل أنت من أرسل هذه الروعة؟ 

تراجع فاسيا ميموزوف مذهولاً وبعينين مفتوحتين قال: 

– روعة؟ أنا لا أفهمك! 

– هذا لا يمكن، يا إلهي! من الذي سيفكر غيرك في إرسال هذه الروعة؟ 

– عماذا تتحدثون؟  

– لا تتظاهر، فأنا أتحدث عن هذه الباقة المذهلة. 

توجّه بنظره إلى يد المضيفة، وصرخ كأنه يرى باقة زهور أول مرة في حياته: 

– يا للفخامة! من أرسلها إليكم؟ 

تفاجأت المضيفة: 

– أحقاً لست أنت؟ 

عندها أدار فاسيا ميموزوف رأسه نحوها من دون تردد وقال بصرامة: 

– أقولها صادقاً، بالطبع لست أنا. 

وهنا لاحظتني وحيّتني بحرارة:

– مرحبا وأهلا! ألم يكن أنت الذي أرسل إلي هذه الهدية الملكية؟ 

أدرتُ ظهري متظاهراً بالحرج: 

– ماذا تقولون؟ ماذا تقولون؟ 

أخذت تنظر إليّ بشك. 

– لماذا لا تنظرون في وجهي مباشرة؟ اعترف أيها المشاغب!

ضحكتُ بغباء. 

– لماذا تعتقدون بأنني أنا من فعل ذلك؟ 

– لقد ارتبكتَ مباشرة عندما سألتك! 

وقف فاسيا ميموزوف خلف المضيفة وأخذ يلوّح بيده بإشارات تنمّ عن التوسل. ضحكتُ بخفوت وأنا أعبث بزرّ قميصي:

– آخ، لتدعوني!

– إذًا هذا أنت؟ لماذا أنفقت كل هذا المبلغ الكبير؟ 

تجاهلت نظرات ميموزوف، ولوّحت بيدي مجيباً بلا مبالاة: 

– هل يستحق الأمر أن نتحدث عنه؟ 

أمسكتني من يدي. 

– إذًا هذا أنت؟ 

– اقترب فاسيا ميموزوف بوجه شاحب وصاح بصوت أجش: 

– ليس هو! 

أخذت المضيفة تنظر إلينا بحيرة. 

– إذًا، أأنت من فعلها؟ 

أصبح وجه صديقي ساحة لأكثر المشاعر تنوعاً: من المشاعر الدنيئة إلى الجميلة إلى النبيلة.  

وانتصرت المشاعر النبيلة. 

– قال وهو يتراجع: لا، لا لم أكن أنا. 

– لن يرسلها إلي أحد، إذا لم تكن أنت، إذًا هو! لماذا أنفقت كل هذا المال؟ 

لوّحت بيدي وقلت بخجل: 

– لندع الأمر، فهل يستحق الأمر عناء الحديث عنه؟ المال… المال، ما المال في جوهره؟ فالمال جيّد بقدر ما يمكنه شراء الزهور المرّصعة بدموع من قطرات الندى الباردة، أليس كذلك يا فاسيا؟ 

نظرت المضيفة إليّ بعيون دامعة وهمست قائلة: ما أجمل حديثك! لن أنسى هذه الزهور ما حييت، شكراً، شكراً جزيلاً لكم . 

– قلت: هراء! فأنتِ أجمل من أي باقة زهور. 

-شكراً [الأصل بالفرنسية] هل دفعت ثمنها عشرين روبل؟ 

– ستة عشر. قلتُ ذلك اعتباطا. 

ومن الزاوية البعيدة حيث كان يجلس ميموزوف، سُمع صوت أنين خافت: 

– ثمانية عشر ونصف! 

– التفتت المضيفة إليه وقالت: ماذا قلت؟ 

– عندها قلتُ: انه يستأذن ليدخن، دخّن يا فاسيا، فليديا بلاتونوفنا لا تمانع ذلك. 

بقيت أفكار المضيفة متوجهة إلى باقة الزهور. 

– حاولت كثيراً مع الشخص الذي أتى بها، وأسأله عن مرسلها، إلا أنه بقي صامتاً ولم يجب. 

– قلت مؤيداً: حقا، فالصبي كان مدرباً جيداً. 

– صبي! لكنه كان شيخاً كبيراً! 

– حقاً! لقد كان وجهه يبدو كوجه شاب!

– كان مليئاً بالتجاعيد! 

– يا له من تعيس! من الواضح أن حياته صعبة. الوضع غير طبيعي للموظفين، العمل عشر ساعات… لقد كتبوا عن ذلك كثيراً، لكن في العموم سيتحسن وضعه من دخله اليوم. 

اقترب ميموزوف إلينا قافزاً، ظننته سيضربني، إلا أنه تحدث بصرامة: 

– لنذهب.. لقد حان الوقت. 

وعند الوداع  أخذت المضيفة يدي وقالت هامسة: 

– ستزورني مرة أخرى، أليس كذلك؟ سأكون سعيدة.. شكراً [بالفرنسية] على باقة الزهور. 

تعال وحدك. 

سمع ميموزوف ذلك. 

      III

في طريق العودة، بقينا صامتين برهةً. وبعدها سألتُ بنبرة صادقة: 

– هل تحب شجرةَ الميلاد للأطفال حين تدقّ الأجراس بفرح وتتألقّ وجوه الأطفال وهم حول شجرة الميلاد بهدوء وحنان؟ أو ربما تحب حديقة صيفية تضيئها شمس ذهبية، وتدفئ الأعشابَ والطيورَ بلطف وحنان… أو القبلة الأولى من الشفاه الدافئة من المرأة الحبيبة إلى قلبك… 

وحينما كنت أسقط من العربة مستلقياً على الرصيف، استطعتُ أن أسمعَهُ: 

– نعم، لتحيا الأسرار! 

 *

أركادي تيموفييفيتش أفيرتشينكو (1881- 1925) كاتب روسي ساخر، ولد في مدينة سيفاستوبول وتوفي في براغ. يقدر عدد القصص الساخرة التي كتبها أكثر من 500 قصة. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى