قصيدة الهارب – ميخائيل ليرمنتوف 

حكاية من الجبال


حجم الخط-+=

ترجمها عن الروسية: مؤمل الحطاب 

 

هرب هارون، أسرعَ من الظبي،

وأخفَّ من الأرنب حين تفرّ من النسر،

هربَ مذعورًا من ساحة المعركة،

حيثُ فاض الدمُ الشركسيُّ.

هُناكَ، سقط الأبُ، 

وسقطَ إلى جانبهِ أخواهُ،

فداءً للعزّةِ والحرّيّة،

ورؤوسُهم تحتَ حوافرِ العدوِّ،

مُلقاةٌ في غبارِ المهانة.

دماؤهم تصرخُ تطلبُ الثأر،

لكنَّ هارون نسي واجبه وكرامته، 

وأضاع في لهيبِ الحربِ

سيفهُ وبندقيّته، ثم ولّى هاربًا!

 

انقضى النهارُ، ولفَّ الضبابُ

المروجَ المعتمة،

وهبّت نسمةٌ باردةٌ من الشرق،

وأطلَّ القمرُ الذهبيُّ فوقَ صحراءِ النبيّ،

هادئًا، وديعًا. 

وكانَ هارون متعبًا، وظمآنَ،

يمسحُ الدمَ والعرقَ عن جبينه،

حتى أبصرَ، بينَ الصخور،

قريتَهُ على ضوءِ القمر،

فانسابَ نحوها خفيةً لا يراهُ أحد،

وقد لفَّهُ السكونُ والسلام.

 

من بينِ كلِّ من خاضوا المعركةَ الدامية،

كانَ الوحيدَ الذي عادَ سالمًا إلى الديار.

قصدَ بيتًا يعرفُه،

يتلألأ منه ضوءٌ خافت، 

شدَّ على قلبهِ ما استطاع،

ومضى هارونُ عابرًا العتبة. 

كانَ يدعو صاحبَ البيتِ سليمًا صديقًا،

غيرَ أنّ سليمًا لم يَعُدْ يتعرّفُ عليه.

كانَ طريحَ فراشِه،

ينهشُهُ المرضُ،

ويموتُ في صمتٍ ووحشة.

 

قالَ بصوتٍ متهدّج:

«عظيمٌ هو الله!

لقد بعثَ ملائكتَهُ النورانيّين

ليحفظوك من السُّمِّ،

ولتبلغَ المجد!»

 

ثم همسَ، وقد أثقلَهُ الإعياء: 

«ما الخبرُ يا هارون؟»

ورفعَ جفنيهِ الواهنين،

وفي عينيهِ ومضةُ أملٍ أخيرة.

نهض قليلًا،

فدبَّت دماءُ المحاربِ في عروقِه

في ساعةِ احتضاره. 

 

قالَ هارونُ:

«قاتلنا يومينِ في وادٍ ضيّق،

فسقطَ أبي،

وسقطَ معهُ إخوتي، 

أمّا أنا، ففررتُ وحيدًا نحو الصحراء،

مطاردًا كوحشٍ جريح،

داميةً قدمايَ من صخرٍ وشوك،

أهيمُ في دروبٍ مجهولة،

وأقتفي أثرَ الذئابِ والخنازيرِ البرّيّة.

الشَّركسُ يُبادون في كلِّ مكان،

والعدوُّ يطبقُ علينا من كلِّ صوب.

آوِني يا صديقي القديم،

وأقسمُ بنبيِّ الله،

لن أنسى صنيعكَ

ما حييتُ. 

 

لكنَّ المريضَ قالَ بصوتٍ مبحوحٍ قاسٍ:

«اذهب بعيدًا،

فما أنتَ إلا جبانٌ وضيع.

لا مأوى لكَ عندي، 

ولا بركةَ في داري

لِمَن ولّى هاربًا من ساحةِ القتال!»

فأعتراهُ الخجلُ والألم المكبوت،

واحتملَ اللومَ في صمتٍ ثقيل،

ثم خرجَ دونَ كلمةٍ،

عابرًا العتبةَ التي لم تُرحّب به. 

 

وتجاوزَ بيتًا آخر،

فتوقفَ لحظةً في الطريق،

وهاجت في صدره ذكرياتُ الأمس،

كحلمٍ دافئٍ عابر، لفحَ جبينه الباردَ

بحرارةِ قبلةٍ قديمة، 

فأحسَّ بدفءٍ يتسربُ إلى قلبه،

ونورٍ يضيء روحه المظلمة،

وفي عتمةِ الليلِ رأى عينيها

تتلألأانِ بنظرةٍ مفعمةٍ بالحبّ والرقة.

همسَ في نفسه:

 

«إنها تحبّني…

إنها لا تحيا إلا بي…»

 

وهمَّ أن يصعدَ إليها،

لكنَّهُ سمعَ صوتًا – أنشودةً قديمة،

نشيدًا من زمنِ الأبطال.

فتجمّد في مكانه،

وقد أصبحَ وجهه أشدَّ شحوبًا من القمر: 

يغدو القمرُ في السماء، هادئًا ساكنًا،

وفي الأسفل، فتى محاربٌ

يمضي إلى ساحة القتال.

يجهّز الفارسُ بندقيته،

فتقولُ له الفتاةُ:

 

«يا حبيبي، كن شجاعًا،

واسلم أمركَ للقَدَر،

وصلِّ نحو الشرق،

وكن وفيًّا للنبي،

وأوفِ بالمجد والوعيد.

فمن خان قومه بخيانةٍ دامية،

ولم يهزم عدوه،

يمت بلا شرف،

ولا تغسل الأمطار جراحه،

ولا تدفن الوحوش عظامه». 

يغدو القمر في السماء، هادئًا، ساكنًا، 

وفي الأسفل، الفتى المحاربُ

يمضي إلى ساحةِ القتال.

 

مالَ هارونُ برأسهِ حزينًا،

ومضى بخطى سريعة،

والدمعُ، بينَ حينٍ وآخر،

يتساقطُ من رمشهِ على صدره.

ثم أبصرَ بيتَهُ يلوحُ أمامه،

يميلُ تارة من شدة العواصف،

لكنَّهُ ما زالَ قائمًا أبيضَ الجدران.

فعادَ الأملُ إلى قلبهِ،

هناك، بلا شك، ترتفع الصلوات الدافئة

إلى السماء من أجلِه،

والأم العجوز تنتظر ابنها من ساحة القتال،

تنتظره، لكن ليس وحده!

فطرقَ نافذته برفقٍ قائلاً:

«يا أمّاه، افتحي!

أنا ابنُكِ الغريبُ والمسكين،

أنا هارونك، ابنكِ الأصغرعدتُ إليكِ، 

من نيرانِ الحربِ، 

سالمًا من رصاصِ الأعداء!»

 

فأجابت الأم: «أأنتَ وحدك؟»

قالَ: «وحيداً…!»

قالت: «وأينَ أبوكَ وإخوتك؟»

قال: «قُتلوا جميعًا!»

باركَ النبيُّ موتَهم،

وحملتهمُ الملائكةُ إلى الجنان!»

قالت: «وهل انتقمتَ لهم؟»

قالَ: «لم أستطع…!» 

لكنني أسرعتُ كالسهم إلى الجبال،

تركتُ سيفي في أرضِ الأعداء،

وجئتُ إليكِ، لأمسحَ دموعكِ يا أمّاه!

صرخت الأم: 

«اصمتْ، اصمتْ يا جاحدَ العزّة!

لو متَّ شريفًا في الميدان،

لذكرتُك بفخرٍ ورضى.

لكنّك جئتَ بالعار،

لن ألوثَ شيبتي بخزيكَ،

اذهبْ، عشْ وحيدًا،

فلستَ لي بابنٍ، بل عبدٌ وجبانٌ!»

 

سادَ الصمتُ بعدَ صرختها،

وسكن الليلُ وما حوله، 

لكنَّ اللعنات والأنين والابتهالات ،

ظلّ صداها يترددُ طويلًا،

حتى انتهت بطعنة خنجرٍ،

أنهتْ عار البائس إلى الأبد. 

وعندَ الصباح،

رأتْهُ أمُّهُ صريعًا عندَ الباب،

فأعرضتْ بوجهِها عنهُ ببرودٍ،

كأنها لم تلدهُ قطّ.

لم يقتربْ أحدٌ من جثمانه،

ولا حملهُ إلى المقبرة،

وكان كلبُهُ الوحيدُ

يلعقُ دمهُ بزمجرةٍ حزينة.

والصبيانُ يلهونَ ساخرين

بجسدهِ المسجّى على الطريق.

وهكذا، بقيتْ في أساطيرِ الجبل

حكايتهُ عبرةً وعارًا،

وسمّوهُ إلى الأبد “الهارب”.

ابتعدتْ روحُهُ عن نظرِ النبيِّ مرتعبه،

وهائمة في ليلِ الجبال.

وحتى اليوم، يقولونَ:

إنّ شبحَهُ يجوبُ الوديانَ،

عندَ الفجر،

يطرقُ الأبواب،

متوسلاً الدخول.

لكن حين يسمع آيات القرآن المجيدة،

يهربُ مرةً أخرى

 تحت ظلال الضباب،

كما فر من سيف العدوِّ من قبل. 

1838

*

عن الشاعر ميخائيل ليرمنتوف (1814-1841)

أحد أبرز أعلام الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، شاعرٌ عبقريٌّ حمل في كلماته روح التمرد والحرية. تأثر بعمقٍ بعصرٍ اتّسم بالاضطراب السياسي والفكري، فانعكس ذلك في شعره الذي جمع بين الرومانسية والحسّ الفلسفي العميق. برع في رسم ملامح النفس الإنسانية وصراعاتها، فجعل من قلمه مرآةً للروح الروسية. ورغم قِصر حياته، إذ قُتل في ريعان شبابه، فقد خلّف إرثًا أدبيًا خالدًا وضعه في مصافّ أعظم الكُتّاب والشعراء في تاريخ الأدب العالمي. من أبرز أعمال ميخائيل ليرمنتوف روايته الشهيرة: بطل من هذا الزمان.  

عن الحكاية الشعرية 

نُشِرت أول مرة في مجموعة أدبية بعنوان «أمس واليوم» (1846، المجلد 2، الصفحات 154 – 158)، مع بعض التحريفات التي فرضتها الرقابة آنذاك.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى