القصّة الحقيقية لزوجة رجل آخر
ترجمها عن الروسية: مؤمل الحطاب

كان ذلك في القرن الثالث عشر، أي منذ قرون غابرة، فلم تُحفظ أحداث القصة بصياغة واحدة ثابتة، بل وصلتنا في روايات متعددة وتباينات في التفاصيل. حتى الأسماء لم تكن محصورة في صياغة واحدة: فاسم الفتاة يكاد يكون متفقاً عليه، أما الشاب فقد ورد اسمه أحياناً خوان، وأحياناً دييغو، وأحياناً اجتمعا في الاسم المركب خوان-دييغو. وتعددت الروايات حول أسباب ما حدث في مدينة تيـرويل وتفاصيله الدقيقة، إلا أن جوهر القصة ظل ثابتاً، يثير في النفوس إمّا الدهشة، وإما شعوراً بالتعاطف والفهم العميقين.
كانت تيرويل، إحدى مدن مملكة أراغون في إسبانيا، موطناً لأسرتين نبيلتين، أسرة دون سيغورا، التي نشأت فيها ابنته إيزابيل، وأسرة دون مارسييا، الذي كان أحد أبنائه يُدعى دييغو. فمنذ نعومة أظفارهم نشأ الشاب والفتاة على المودة والارتباط الروحي، ومع تقدمهما في السن تبلورت بينهما مشاعر حب صادق وعميق. وعندما تقدّم دييغو لخطبة إيزابيل وافقت لكن اشترطت أن يحصل على موافقة والديها ونيل بركتهما. غير أنّ العريس، لم يكن الابن الأكبر بين إخوته، لذا لم يكن أهلاً لوراثة ثروة العائلة، فبدا في نظر والد العروس خياراً غير ملائم لابنته. لذلك لم يُمنح دييغو إذن الزواج. وفي رواية أخرى، كانت أسرة دييغو دي مارسييا فقيرة في جوهرها مع ما لها من مكانة نبيلة، لهذا رأى دون سيغورا أنّ ربط ابنته بمصاهرتهما أمرٌ غير ممكن. حينها قرّر دييغو أن يرحل إلى أراضٍ بعيدة، باحثاً عن المجد والثراء، وطلب من والد الفتاة منحه مهلة خمس سنوات تظل في أثنائها إيزابيل مخطوبة له، وألا تتزوّج بغيره قبل انقضاء المدة. وافق دون سيغورا على ذلك، معبراً عن ثقته العميقة في قدرة الحب على الصمود أمام الزمن، ورغبةً صادقة في منح الشاب فرصة لتغيير مصيره وإثبات جدارته.
انطلق دييغو دي مارسييا ليخوض غمار حرب الموريّين، إذ كانت معارك استعادة الأراضي الإسبانية -الاسترداد أو ريكونكيستا- مستمرة في شبه الجزيرة الإيبيرية منذ القرن الثامن. وقد أحرز الشاب المجد والثروة معاً، حتى إنه أنقذ حياة الملك بنفسه في إحدى المرات. ومع اقتراب نهاية المهلة المتفق عليها، عاد دييغو إلى مسقط رأسه لمدينة تيـرويل، وإلى الفتاة التي أحبها، عازماً أن يوحّد مصيره بمصيرها أخيراً. لكن، إمّا أن الشاب أخطأ في حساب الزمن، أو -وفق رواية أخرى- أنّ امرأة فاتنة من بلاد بعيدة، مغرمة به غراماً جامحاً، حاولت بكل وسيلة أن تمنعه من العودة. وهكذا، عندما وصل دييغو إلى تيـرويل صادف في اليوم ذاته ان محبوبته إيزابيل تُزفّ إلى زوجها. فقد زوّجها والدها دون رودريغو الثري، من مدينة ألبارّاسين المجاورة. أما إيزابيل، لمّا انقطعت أخبار خطيبها عنها ظنّت أنه قد فارق الحياة، وبعد انقضاء المهلة المتفق عليها رضخت لإرادة والدها ووافقت على الزواج من ذلك الجار الغني.
في تلك الليلة نفسها، تسلّل دييغو من شدة حزنه إلى منزل إيزابيل، متوسّلًا إليها أن تمنحه قبلة واحدة أخيرة قبلة الوداع، غير أنّها رفضت، وقالت: أصبحت زوجة رجل آخر. تحطّم كل شيء، ولم يستطع قلب الشاب أن يحتمل هذا الحزن العميق، فسقط ميتًا عند قدمي محبوبته. في جنازة دييغو حضرت إيزابيل مرتدية ثوب زفافها. اقتربت من جثمانه، وانحنت فوقه، وقبّلته على شفتيه، محقّقة بذلك طلبه، ولكن بعد فوات الأوان. بعد لحظات قليلة، فارقت الفتاة المسكينة الحياة، لتختتم قصتهما المأساوية فصلًا من الحب العذري الخالد. دفن أهالي المدينة، بموافقة الكنيسة، العاشقين معاً، كي يمنحوهما فرصة الالتقاء في الموت بعدما لم يتحقق لهما ذلك في الحياة.
رُويت هذه القصة بصياغة معدَّلة على يد جيوفاني بوكاتشّو في كتابه الشهير «الديكاميرون»، الذي ألّفه بين عامي 1352 و1354. وفي هذه الرواية، حمل الشابان اسمي «جيرولامو» و«سالفيسترا»، وأُضيفت إلى الحكاية العديد من التفاصيل ذات الطابع الإغريقي والإيروتيكي. وتشير بعض المصادر إلى أن السجلات القضائية المحفوظة في أرشيف المدينة تضم وثيقة تؤكّد واقعية ما جرى لدييغو وإيزابيل. في منتصف القرن السادس عشر، عُثر ضمن حدود كنيسة سان بيدرو على بقايا محنّطة لشابين دُفنا معًا، وقد أُعيد دفنهما لاحقًا بالقرب من إحدى مصليات المدينة. وفي القرن السابع عشر، أُخرجت الجثتان مرة أخرى من مرقدهما، ووُضعتا في كنيسة سان بيدرو، حيث عرضتا للجمهور بين الحين والآخر. واستمرت هذه العادة حتى القرن العشرين. وفي عام 1955، شُيّد ضريح العاشقين بجوار كنيسة سان بيدرو، وصنع النحّات خوان دي أبالوس توابيت رخامية وُضعت فيها رفات الشابين لتستقر أخيرًا. وعلى الأغطية الحجرية البيضاء نُحتت تماثيل للشاب والفتاة ممدّدين، يمدّ كلٌّ منهما يده نحو الآخر دون أن تلتقي، إشارة إلى أن إيزابيل كانت في حياتها الدنيوية زوجة رجل آخر.
يستقطب ضريح العاشقين اليوم زوّارًا وسياحًا من مختلف أنحاء العالم، ويُقام سنويًا في المدينة مهرجان مخصّص لتخليد قصة حبّ دييغو وإيزابيل ومأساة رحيلهما. ترجع جذور هذا التقليد إلى عام 1996، حين بادرَت إحدى سكان المدينة، راكيل إستيبان، التي قضت سنوات طويلة بعيدًا عن مسقط رأسها، ثم عادت راغبةً في تنظيم احتفال يُعرّف العالم بهذه الحكاية الخالدة، ويجعل اسم تيرويل مشهورًا في كل مكان. وخلال عدة أيام من شهر شباط/ فبراير كل عام، تتحوّل المدينة إلى مسرح كبير، تُقام في شوارعها القديمة عروض تمثيلية ضخمة يرتدي المشاركون فيها أزياءً مستوحاة من العصور الوسطى. تتوالى الأحداث بدءًا من موكب الزفاف، مرورًا بموكب الجنازة، لتُعاد على المسرح أحداث القصة وكأنها تُروى من جديد، حيةً أمام أعين الجمهور. يُولّى اختيار الممثليْن الرئيسيْن، أي دور دييغو وإيزابيل، اهتمامًا بالغًا، إذ يتقدّم للتمثيل العديد من المرشحين. وعلى الرغم من صغر حجم المدينة -إذ يبلغ عدد سكانها اليوم نحو 35 ألف نسمة فقط- فإن تيرويل تستقبل خلال أيام المهرجان حشودًا كبيرة من السياح القادمين من شتى أنحاء العالم. وبجانب العرض المسرحي الذي يُستعاد فيه مشهد وفاة إيزابيل عند قبر دييغو، تُقام خلال أيام المهرجان معارض للأزياء، وحفلات موسيقية للموسيقا القديمة، ومسابقات أدبية تُكرّس لقصة العاشقين. وتعمّ المدينة هذه الأجواء كأنها في أجواء العصور الوسطى. أما الذين لا تتاح لهم فرصة زيارة تيرويل في أثناء الاحتفال، فيمكنهم الاستمتاع بالأعمال الفنية المستوحاة من هذه القصة الخالدة. فإلى جانب بوكاتشّو، تناولها فنانون آخرون، مثل خوان يوجينيو أرسينبوش في مسرحيته «قصة عشّاق تيرويل»، وإديث بياف في إحدى أغانيها، وربما أيضًا وليم شيكسبير، الذي لم يكن ليغفل قصةً تجمع بين الجمال والمأساة بهذا القدر.



