وجوب احتضان الفلسفة للشّعر 

كيف يجسّد الشعر صعوبة الواقع؟


حجم الخط-+=

جون جيبسون

أستاذ الفلسفة ونائب رئيس قسم الدراسات الجامعية بجامعة لويسفيل. 

ترجمة: شذا صعيدي 

في عصرٍ يُوصَف فيه الشعر غالبًا بأنه عصيٌّ على الفهم ومنفصل عن الحياة اليومية، يتحدى جون جيبسون هذه الفرضيات. فهو يرى أن طبيعة الشعر الغامضة لا تختلف عن طبيعة الفلسفة. فبمواجهة تعقيدات الشعر، قد نتمكن من مجابهة صعوبات الواقع.  

مؤخرًا، كلَّفتُ طلابي في مساق الفلسفة الذي يتمحور حول “نظريات الذات” بقراءة قصيدة جون أشبري «صورة ذاتية في مرآة محدبة». وأخبرتهم أن القصيدة ستعرض بنحوٍ درامي فكرةَ “الفوضى الداخلية” التي تحدَّثَ عنها الفيلسوف بيتر جولدي. تتشكل هذه الفوضى من عناصر عديدة، لكن جوهرها يتمثل في تدافع الرغبات المتناقضة، والهواجس، والاحتياجات، والمعتقدات، والذكريات، والصور الذاتية التي تجتاحنا بمرور الوقت، بل وفي اللحظة الآنيّة أحيانًا. إنها الفوضى التي تُفسِّر الكثير من إخفاقاتنا المأساوية جدا أو المضحكة كـ”ممثلين” على مسرح الحياة. وأوضحت لطلابي أن بعض أنواع الشعر الغنائي بارعة بخاصة في استكشاف السبب وراء ذلك. بعد شرح كيفية إحياء قصيدة أشبري لفهمنا للمنابع الثقافية والنفسية لهذه الفوضى، فتحتُ الباب للنقاش. وبعد صمتٍ قصير، سألتْ إحدى الطالبات بصدقٍ واحترام نسبيّ: «هل يقصد أشبري بهذا أن يشتم القارئ؟».  

يتشارك الشعراء والفلاسفة في الأقل في “صعوبة” أساليب تفكيرهم.  

بغضّ النَّظَر عن اللُّغة، لم يكن سؤال الطّالبة مفاجئًا، بل جاءَ بأسلوب أكثر فظاظة للتذمر من “الصعوبة” المزعومة للشّعر الغنائي الحديث، والتي بدت لها إهانةً لا دعوةً للتأمل. إذا كنتَ مهتمًّا بمصدر هذه الشكاوى وقوتها (التي لا تقتصر على طلابي)، فإن كتاب «كراهية الشعر» لبن ليرنر مصدرٌ مفيد، لا سيما أنه شاعرٌ يرى جانبًا من الحقيقة في هذه الانتقادات. لكن اهتمامي يختلف، أنا مهتمٌّ بطبيعة هذه الصعوبة ذاتها، وبسبب إثارة حفيظة جمهورٍ فلسفي متعمّق إزاءها وبصفتي فيلسوفًا أكاديميًّا، لا أجد غضاضةً في أن يُوصَف عمل زملائي بالصَّعب، أو أن يهمله العامة. بل أرى في ذلك مصادفةً تاريخيةً مواتية أن ينتهيَ الأمر بالشعراء والفلاسفة -طرفَي “النزاع القديم” عند أفلاطون- إلى تقاسم القارب نفسه في عصرنا. فكلاهما يعيش في حاضرٍ لا يُقدِّر ممارساته الفكرية والكتابية، لا سيما في ظل هيمنة اللغة الإنجليزية. يتشارك الاثنان في “صعوبة” أساليب تفكيرهما، وهذه إشارةٌ إلى عمقٍ يستحق الاستكشاف. أقول لطلابي: إن تجنُّبَكم للشعر، كونكم فلاسفة، هو رفضٌ للبحث عن العمق. وهذا الرأي لا يُقابل عادةً بالترحاب!

في كلٍّ من ممارسات الفلسفة والشعر تُستثمَر هذه الصعوبة بطرقٍ مهمة. إنها لا تنبع فقط من “المحتوى” الصعب الذي ننتجه، بل أيضًا من ما تسميه كورا دايموند “صعوبة الواقع”، أي التعقيد المطلق للعالم الذي نحاول -كلٌّ بطريقته- تحويله إلى موضوعٍ يستدعي الاهتمام. وتُعد أساليبنا في الكتابة صعبة جزئياً نتيجة لصعوبة السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية والنفسية التي نستكشفها، والتي تفرض على الشاعر والفيلسوف بناءَ صروح فكرية معقدة لالتقاطها قدر الإمكان. لكن وظيفة الصعوبة في الشعر تختلف عن الفلسفة، مما يجعل الشعر يبدو أكثرَ صدقًا- فنًّا ومِرآةً للحياة. فصعوبة الفلسفة فكريةٌ وجدلية في جوهرها، ناتجةٌ من حاجتها إلى الانخراط في الابتكارات المفاهيميّة في تقديم أدلة تَدعَم بعض الادّعاءات حول كون العالم على هذا النحو وليس ذاك. وهي تسعى -لا سيما في شكلها التحليلي المهيمن على العالم الناطق بالإنجليزية- إلى تقديم أفكارها بوضوح بإزالة الغموض والدقة التحليلية، وعموما بتفسير تعقيدات الحياة. إنها استمرارٌ لمشروع عصر التنوير، في الأقل بهذا المعنى الضيق.  

يبدو أن الشعر هنا يمتلك معرفةً تغيب عن الفلسفة عادةً (باستثناء أدورنو، دي بوفوار، وقليلين غيرهم). تُعرَف هذه المعرفة بأسماء عديدة، أشهرها ما أطلق عليه جون كيتس “القدرة السلبية” للشعر (Negative Capability): أي استعداد الشاعر للتعايش مع «الشكوك والأسرار والغموض دون محاولة استعجال الوصول إلى حقائق أو أسباب». بتعبير آخر، يعرف الشاعر كيف يُوظِّف الغموضَ والتناقضَ والظروفَ المؤقتةَ وحتى العبثية، مما يجعل المعنى في الشعر هدفًا يتطلب جهدًا للوصول إليه، لا سيما أن هذا الغموض يُحافَظ عليه لا يُلغَى. وعندما يُحافظ شاعرٌ مثل أشبري على هذه التعقيدات بنجاح، يُعد ذلك إنجازًا فلسفيًّا وشعريًّا في آنٍ واحد: رفعٌ لفوضوية الحياة إلى مصاف الفن. وهكذا تصبح جوانب من عالمنا موضوعًا للتأمل والانغماس الجمالي. إنها طريقة -كما يقول نيتشه- لـ«جعل الحقائق المرعبة» لهذا العالم قابلة للاستيعاب، بإشباع رغبتنا في مواجهة العالم عن قرب دون أن تُحطمنا تجربته.  

في الأقل، تتيح هذه الصعوبة للشعر أن يمارس نقدًا قويًّا وصناعةَ فنٍّ نموذجي. فإذا افترضنا بأن عالمنا نفسه غامضٌ ومتناقضٌ وعبثي أحيانًا، فإن القصيدة التي تجسّد هذه السمات في تركيبها وشكلها تثبت صدقَها من خلال تعاملها مع الصعوبة. هكذا يقاوم الشعر الحديث السماتَ الكريهة لعالمنا: قسوته، وبشاعته، ورتابته، بتجسيدها في قالبٍ شعري. هذا النهج يختلف جذريًّا عن طريقة الفلسفة في التعامل مع الصعوبة، وهو أكثر إرضاءً لقدرته الأوسع على الاعتراف بسمات المأزق الإنساني. ويبرر سببًا وجيهًا لوجوب أن يهتم الفلاسفة بالشعر أكثر مما يفعلون حاليًّا. فبدون الصور الشعرية الاستثنائية لـ”صعوبة الواقع” -بتعبير دايموند- تخاطر الفلسفة بفقدان أقوى وأدق الصور التي تُناسب نظرياتها مع الشيء الذي تُفترض تفسيره: الفوضى التي تعتمل في داخلنا وتحاصرنا من الخارج. 

أرى أن طرح الأمر بهذه الطريقة يُوضح ما ينبغي عليَّ فعله حقًّا مع طلابي: ليس مجرد قراءة أشبري عليهم، بل إصرارِي على أن دراسة الشعر والنقد -إلى جانب الفلسفة- ضروريةٌ لمن يريدون أن يصبحوا فلاسفة قادرين على إحداث تغيير. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى