رواية قصيرة جدا – فسيفولود جارشين

ترجمها عن الروسية: عمران أبو عين


حجم الخط-+=

برودةٌ وقشعريرة… شهرُ يناير على الأبواب، يعرِّف عن نفسه لكل الفقراء والمساكين، لعمّال النظافة ورجال الأمن… لكل من لا يجد مكانًا يخبِّئ فيه أنفه البارد. وبالطبع، يعرِّف عن نفسه لي أنا أيضًا، ليس لأنني لم أجد زاويةً دافئةً ألجأ إليها، بل بسبب خيالي أنا. 

لكن، عمومًا، لماذا أتجوّل على طول الجسر الفارغ؟ تشتعل الفوانيس الأربعة ساطعةً، وتضربها الرياح، فتجعل شعلات الغاز تتراقص، ومن خلال ضيائها الساطع يبدو مجسَّم القصر المعتم الفاخر، وخصوصًا نوافذه، أكثر ظلمةً وكآبة. ومن خلال المرآة الزجاجية الضخمة تنعكس العاصفة الثلجية والظلام. تعوي الرياح وتئنّ على طول المسطح الجليدي الفارغ فوق نهر نيفا. ويُسمع من خلال الزوبعة “دينغ دانغ! دينغ دانغ! دينغ دانغ!”. إنها دقّات كاتدرائية القلعة؛ كل دقّةٍ من تلك الدقّات الحزينة تتزامن مع ارتطام جسدي الخشبي بألواح الجرانيت الجليدية، ومع دقّات قلبي المتعب بجدرانه الضيّقة. 

يجب أن أُعرِّف عن نفسي للقارئ، أنا شابٌّ بساقٍ خشبية. ربما ستقولون إنني أقلِّد ديكنز، هل تذكرون سايلس بيج، الشخصية الأدبية صاحبة الساق الخشبية في رواية “صديقنا المشترك”؟ لا، أنا لا أُقلِّده، أنا بالفعل شابٌّ بساقٍ خشبية. لقد أصبحتُ بهذا الوضع مؤخراً… “دينغ دانغ! دينغ دانغ!”. تدقُّ الساعة أولًا بصوتها الحزين، “عفوك يا رب”، ثم تبدأ الساعة. ساعةٌ واحدة فقط! بقيت سبعُ ساعاتٍ حتى طلوع النهار! والآن، ظلامٌ وثلوجٌ رطبة، سيذهب الليلُ مُفسِحًا المجال ليومٍ رمادي، أأذهب إلى المنزل؟ لا أعلم؛ غير مهمٍّ أبدًا. لا أحتاج إلى النوم. 

في الربيع، كنت أحب السير على طول هذا الجسر. آهٍ، يا لها من ليالٍ كانت! هل هناك شيء أفضل؟ هذه ليست ليلة الجنوب الخانقة، بسمائها السوداء الغريبة والنجوم الكبيرة التي تلاحقنا بنظراتها. هنا كل شيء ساطع ومشرق. السماء الجميلة الملونة، وكما هو معروف في مثل هذا الشهر، “الفجر طوال الليل”، تكون مشعةً {أي السماء} للشمال والشرق، والهواء منعشٌ ونقي، ويتدفق نهر نيفا على نحوٍ مشرق وبفخر، مرسلاً أمواجًا خفيفة على حجارة الجسر. وعلى هذا الجسر أقف أنا، وتتكئ فتاة على كتفي. وهذه الفتاة… 

آه، أيها السادة الأعزاء! لماذا بدأت أتكلّم معكم عن جروحي؟ لكن هذا هو القلب البشري الأحمق والمسكين، عندما يُجرح، ينطلق مندفعًا إلى كل من يلتقيه طالبًا العون والغوث، ولا يستطيع إيجاد العون. هذا واضح جدًا، من يحتاج إلى جورب مليء بالثقوب وغير مُرقَّع؟ يحاول الجميع دفعه بعيدًا عن أقدامهم… 

لم يكن قلبي بعدُ بحاجةٍ إلى الترقيع حين التقيتُ “ماشا” في ربيع هذا العام، تلك التي ربما كانت أفضل ماشا في العالم. التقيتُها على هذا الجسر تحديدًا، الذي لم يكن باردًا كما هو الآن. كانت لديّ ساقٌ حقيقية بدلًا من هذه الساق الخشبية المقرفة، ساقٌ نحيلة تمامًا كساقي اليسرى المتبقية. كنتُ شخصًا نحيفًا، غير ممتلئ كما أبدو الآن. كلمةٌ حمقاء، لكن ليس الآن وقتَ الكلام الأحمق… وهكذا التقيتُها. حدث ذلك بكل بيُسرٍ، كنتُ أمشي، وكانت هي تمشي (لم أكن عبئًا قطّ، فأنا الآن أملك ساقًا خشبية). لا أدري ما الذي دفعني إلى الحديث، لكنني تحدثت، أولًا بالطبع، أكدتُ أنني لستُ من أولئك الوقحين الخبثاء، وتحدثتُ عن صدق نيّاتي وطيبتها… إلخ. وجهي ذو الطبيعة الطيبة (الذي كانت عليه طيّةٌ سميكة، طيّةٌ فوق الأنف قاتمةٌ جدا) هدّأ الفتاة. سرتُ معها في طريق “غاليرنيا” حتى وصلنا إلى المنزل الذي تعيش فيه. كانت قادمةً من عند جدتها التي كانت تعيش في مزرعةٍ صيفية، حيث كانت تقرأ لها الروايات كل مساء. 

والآن، جدّتي توفّيت. في هذا العام توفّيت العديد من الجدّات، حتى غير المسنّات منهنّ. كان من الممكن أن أموت أنا أيضًا، كان من الممكن حقا أن أموت، أؤكّد ذلك. لكنني صمدت. أيّها السادة! كم يستطيع المرء أن يتحمّل من الآلام والأحزان؟

ألا تعلمون؟ وأنا لا أعلم. جيّد جدًّا. لقد أصرت “ماشا” على أن أكون بطلًا، لذا كان عليّ أن أسجّل في الجيش. لقد اختفى الفرسان، وولّى زمن الحروب الصليبية. لكن إذا قالت لك المحبوبة: «هذا الخاتم لي!» وألقته في النار، وليكن أكبر حريق – لنقل مطحنة “فيجن” (كما حدث ذلك منذ زمن بعيد) ألا تُسارع للذهاب للحصول عليه؟ آهٍ، يا له من أمر غريب! بالطبع لا. أجبت: بالطبع لا، سأتوجّه إلى “بود”، وأشتري لها خاتمًا جديدًا بعشرة أضعاف سعره. ستقول عندها إنه ليس هو، وإنّ ذاك أغلى بأضعاف؟ لن أصدّق أبدًا. عمومًا، أنا لست الفصل ولا القانون عندكم، أيها القارئ. ربما المرأة التي تُعجبك ستفعل ذلك. وربما أنت تملك مئات الأسهم، بل من الممكن أنك عضو في شركة “غريغَر وشركاؤه” وربما حتى مشترك في “ستريكازو” للترفيه في بوخارست. أتتذكّر؟ من الممكن أنك رأيت فراشةً تحوم حول النار، كنت تراقب ذلك مستمتعًا. رفرفت الفراشة وهي مستلقية على ظهرها، فوجدتَ ذلك ممتعًا، ثم شعرت بالملل منها وسحقتها بإصبعك

يا للمخلوق المسكين! لقد توقّف عن المعاناة. آه، أيها القارئ الكريم! لو كان بإمكانكم أن تضغطوا عليّ بأصابعكم حتى أتوقّف عن المعاناة أيضًا! لقد كانت فتاةً غريبة. عندما أُعلنت الحرب، بقيتْ عدّة أيام صامتةً وحزينة، ولم أستطع أن أقدّم لها شيئًا. 

قالت لي ذات يوم:

– اسمع! هل أنت رجلٌ صادق؟

– نعم، قلتُ ذلك… تستطيعين أن تُكملي.

قالت: 

– الناس الصادقون تُطابق أقوالُهم أفعالَهم. لقد شهدتَ الحرب، ويجب عليك القتال. 

عبستْ، وضغطتْ على يدي بيديها الصغيرتين. 

نظرتُ إلى ماشا وقلتُ جاداً: 

– نعم.

قالت لي في ساعة الرحيل: 

– عندما تعود سأكون زوجتك. 

خنقتني الدموع، وكدتُ أن أنفجر باكيًا، إلا أنني استجمعت قواي وقلتُ لماشا:

– تذكّري يا ماشا، الناس الصادقون…

فأتمّت عبارتي قائلةً:

– تُطابق أقوالُهم أفعالَهم.

وللمرّة الأخيرة، ضممتُها إلى قلبي، وصعدتُ إلى عربة النقل. 

ذهبتُ للقتال من أجل ماشا، إلا أنني فعلتُ ذلك بصدقٍ تجاه وطني. سرتُ في رومانيا تحت المطر والغبار، في البرد والحرّ. قضمتُ بسكويت “الشركة” بكل نكرانٍ للذات. عندما وقع الاصطدام الأول مع الأتراك، لم أجبن ولم أتراجع، ولهذا حصلتُ على وسام الصليب، ورُقِّيتُ إلى رتبة ضابط صفّ. وفي اللقاء الثاني، حدث انفجارٌ وسقطتُ على الأرض. أنينٌ وضباب… طبيبٌ بمعطفٍ أبيض ويدان ملطّختان بالدماء… أخواتُ الرحمة… ساقي المقطوعة… مرّ كلّ ذلك أمامي كالحلم. يسير قطار المشفى بأسِرّته المريحة… إلى بطرسبورغ. حين تغادر مدينةً ما وأنت تسير على قدميك، ثم تعود إليها بساقٍ واحدة، ساقٍ خشبية، فالأمر يستحق شيئًا ما… صدّقوني!

وضعوني في المستشفى، وكان ذلك في شهر يوليو. طلبتُ العثور على عنوان ماريا إيفانوفا ج. في مكتب العناوين، فأحضره لي جنديٌّ طيّب. أما زلتِ هناك، في “غاليرينا”! كتبت رسالة.. ثم أخرى… وثالثة، ولم أتلقَّ أيَّ إجابة! أيها القارئ العزيز، لقد أخبرتُك بكل شيء. وبالطبع، لم تُصدّقني. قصة لا تُصدَّق: فارسٌ ما، غادر… وخائن! تمامًا كما في الروايات القديمة. أيها القارئ الثاقب، عبثًا إنك لم تُصدّقني. فهناك العديد من الفرسان من أمثالي…

وأخيرًا، رُبطت قطعة الخشب بي، وأصبحتُ أعلم سبب عدم ردِّ ماشا وصمتها. وصلتُ إلى “غاليريا” بسيارة أجرة، واجتزتُ سلالم طويلة بمشقة. طرتُ إليه قبل ثمانية أشهر، ها هو ذا الآن أمامي. ضغطتُ على الجرس بقلبٍ مرتجف، فسمعتُ خطواتٍ قادمة من خلف الباب. استقبلتني الخادمة العجوز “أفدوتيا”، ومن دون أن أستمع إلى صرخاتها الفرِحة، ركضتُ (إن كان ذلك ممكنًا بتلك الأرجل غير المتوازنة) إلى غرفة المعيشة. ماشا! لم تكن وحدها، كانت تجلس مع قريبها البعيد، شابٍّ طيّبٍ جدًّا، كان يُكمل دراسته الجامعية في أيامي، وكان يطمح إلى نيل مكانةٍ لائقة. استقبلني كلاهما بودٍّ ولُطفٍ شديدين (ربما بسبب الساق الخشبية) رحّبا بي، وكان كلاهما مُحرَجًا. وبعد ربع ساعة، فهمتُ كلَّ شيء. 

لم أكن أريد أن أقف أمام سعادتهما. يبتسم القارئ الثاقب الذكي بسخرية، هل حقًّا تريد مني أن أصدّق كلَّ هذه القصص؟ من الذي يتنازل عن حبيبته هكذا، وبلا مقابل؟  

أولًا، هو ليس حقيرًا ولا وغدًا… وثانيًا، ربما كنتُ سأخبرك بذلك، لكنك لن تفهم… لن تفهم لأنك لا تؤمن بالخير والحق في عصرنا. إنك تفضِّل تعاسةَ ثلاثة أشخاصٍ على تعاستك وحدك. أنت لا تصدّقني، أيها القارئ الثاقب، ليرحمك الله! 

وفي اليوم الثالث كان حفلُ الزفاف، لقد كنتُ القائدَ في الحفل، قمتُ بكل شيءٍ بفخرٍ، في الوقت الذي كنتُ أُعطي فيه أغلى ما عندي لشخصٍ آخر. كانت ماشا، في بعض اللحظات، تنظر إليَّ بخجل، وكان زوجها يعاملني بأدبٍ وحرج. ومع ذلك، كان الحفلُ مرحًا رائعًا، شربنا الشامبانيا، وصرخ الأقارب الألمان “هوووش”، “أووراا” {بالألمانية}، ونادوني بالبطل الروسي {الأصل بالألمانية}. لقد كانت ماشا وزوجها لوثريَّين. 

آهًا، آهًا… يصرخ القارئُ الثاقب: ها قد وقعتَ يا سيدي البطل! ولماذا تحتاج إلى الاعتراف اللوثريّ؟ ألأنَّه في ديسمبر لا يتزوّج الأرثوذكس؟ هذا كلّ شيء، وكلُّ قصصك مجرّدُ وهمٍ وخيال. 

فكّر كما ترغب، أيها القارئ المميَّز، فهذا لا يهمّني. لو أنك كنتَ تسير معي في ليالي ديسمبر على الجسر، وتسمع معي صوتَ العاصفة، ودقّاتِ الجرس، وصوتَ طَقطَقةِ الرِّجل الخشبيّة، ولو كنتَ تُدرك ما يدور في نفسي في تلك الليالي الشتويّة، لكنتَ صدَّقت… دينغ دانغ! دينغ دانغ! تدقّ الأجراس في الساعة الرابعة. والآن، يجب عليَّ أن أعود إلى المنزل، وأستلقي على الفراش البارد، وحيدا… وأغفو. 

مع السلامة، أيها القارئ. 

1878

*

نشرت القصة “رواية قصيرة جداً” أول مرة في “ستريكوزا- اليعسوب” . 

ملاحظة: “حريق مطحنة فيجن” حريق حدث سنة 1875، عن قصد وتدبير، وأثار حينها قضية على مستوى رفيع. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى