ديمتري ليخاتشوف: كُنْ مَرحاً ولا تَكُنْ مُضحِكاً

ترجمها عن الروسية: عمران أبو عين 


حجم الخط-+=

يقولون بأنَّ المُحتوى يُحدِّد الشَّكل، هذا حق، ولكنّ العكس بالعكس صحيح أيضاً، فالمحتوى يعتمدُ على الشَّكل. كتبَ عَالِم النفس الأميركيّ الشهير، الدكتور جيمس: “نحنُ نبكي في حالِ حُزنِنا، ولكنّنا نشعرُ بالحزنِ لأنّنا نبكي”. لذلك لنتحدث عن شكلِ سلوكياتنا وعن ما يجبُ أنْ يصبحَ من ضِمن عاداتنا وما يجبُ أنْ يكونَ مُحتوانا من الداخل.

في زمن من الأزمان كانَ من غير اللائق أن تُري الجميع ما أنت عليه، كالظهورِ بمظهرٍ حَزين أو التحدث عن حادثٍ وقع لك. لا ينبغي للإنسان أنْ يفرضَ احباطاته على الآخرين، حتّى في حالاتِ الحُزن لا بُدَّ من الاحتفاظِ بالكرامة، وعدِّ نفسه مُتساوياً مع الآخرين وألا يغوصَ في نفسهِ وأن يبقى بقدرِ الإمكان وَدوداً وحتّى مَرِحاً ومُبتهجاً. فالقدرةُ على الاحتفاظ  بالكرامة وعدم فَرض أحزانك على الآخرين ولا تُعكِّر مزاجَهُم، وأن تكونَ دائماً في وِدٍّ ومَرحٍ في التّعامل مع النّاس، فهذا فَنٌ عظيمٌ وحقيقيٌ يُساعد على العَيش في المُجتمع. لكن إلى أيِّ حَدٍّ يجبُ أنْ تكونَ مُبتهجاً؟ المرحُ والبهجةُ المُتطفلة والمَفروضة والصاخبة لمَن حَولك. فالشّابُ الّذي دائماً ما يُطلِقُ النُكات لم يَعُد يُنظر إليه صاحب تصرفٍ يَحفظُ الكَرامة، فهو يتحوّلُ إلى مُهرج. وهذا أسوأ ما يُمكنُ أن يَحدُث للشخصِ في مُجتمعه، وهو ما يتحوّل في النهاية إلى فُقدان حِسّ الفُكاهة. 

لا تَكُن مُضحِكاً. 

لا تَكُن مُضحِكاً، هذا ليس انعكاساً لتصرفاتٍ رَزينة، بل هي أيضاً علامةُ ذَكاء. 

يُمكنُ الظهور بمظهرِ المُضحك في كُلِّ شَيء، حتّى في طَريقة لِباسك. إذا واءم الرَّجُلُ بين رَبطة عُنقهِ وقَميصهِ أو قَميصهِ وبَدلتهِ فهو مُضحك. إذ يبدو الاهتمامُ الزائدُ والعِناية المُفرطة بالمَظهر واضحاً فوراً. يجبُ الاهتمام باللِّبس اللائقِ، لكن لا يجبُ لهذا الاهتمام أن يتجاوزَ حُدوده. مُبالغةُ الرَّجُلِ في الاهتمام بشكلهِ، هذا غيرُ لائقٍ، ويختلفُ ذلك عند المَرأة. فيجبُ على الرَّجُلِ أن يكونَ قَريباً من المُوضة بحدودِ التلميح، قَميصٌ وحِذاءٌ جيّدٌ ونظيفٌ ورَبطةُ عُنقٍ غير بَرّاقة، وهذا يكفي. 

وفي الحديثِ مع الآخرين، لا بُدَّ من تَعلُّم الاستماع والصّمت، وتَعلُّم المُزاح حتى يكون نادراً وفي وَقته المُناسب. حاول أن تُقلص من مَساحتك قَدَرَ الإمكان. لذلك فعند العَشاء لا تَضع مِرفقيك -كُوعك- على الطاولة، فرُبَّما بذلك تُحرج جَارك، ولا تُبالغ في الظُهور سيّدَ للحفلة. حاول الاعتدال في كُلِّ شيء، حتّى بمشاعرك الوديّة. 

لا تُتعب نفسك بالتفكير في عيوبكَ في حالِ وُجودها، لو أنّك تتلعثم فلا تَظُنّ بأنّ الأمرَ سيئ. فيمكنُ أن يكون المتلعثمون المتحدثون أكثرَ الناس تميزاً بفهمِ كُلِّ كلمةٍ يَنطقون بها. فأكثرُ الأساتذة بَلاغةً في جامعةِ موسكو هو المُؤرخ “ف. أو. كليوتشيفسكي”. ويمكن أن يُغيّر حَوَل العيون شيئاً من الوجه، في حين أن العَرج يُغيّر من طريقةِ الحركة، فإذا كنتَ خَجولاً فلا تقلق من ذلك. لا تخجل من خَجلك، فالخَجلُ شيء لطيف وغير مُضحك إطلاقاً، ويصبح مُضحكاً في حالِ حَاولتَ التغلُّب عليه والخجل منه. كُنْ بَسيطاً ومُتسامحاً مع عُيوبِكَ، ولا تُعاني من ذلك، فلا يُوجد أسوأ من تكوين “عُقدة النّقص” في الشّخص، وما يَتبعُها من حَسدٍ وعِداءٍ للآخرين. عِندها يَفقدُ الإنسانُ أفضلَ ما فيه وهو اللُّطف. 

لا يُوجد أفضل من موسيقا الصَّمت، الصَّمتُ في الجبال والغابات. ليس هنالك موسيقا في الإنسان أفضل من التواضع والتزامِ الصَّمت وعدمِ الظُهورِ والقَفزِ للمُقدمة. لا يُوجد أسوأ وأغبى في سُلوكيات الرَّجُلِ ومَظهرهِ من كَونِهِ صَاخِباً ومحباً للظُهورِ بمظهرِ المُهم، وليس ما هو أكثر ضَحكاً من عنايةِ الرَّجُلِ الزائدة في بدلتهِ وتسريحتهِ وحركاتهِ “مُصدِر النُكات”، لا سيما إذا ما تكرَّرت. 

في السلوكِ، اخشَ أن تكونَ مُضحِكاً، لكن كُنْ مُتواضِعاً وهَادِئاً.

كُنْ دَائماً مُتساوياً مع النّاس، واحترم الأشخاص المُحيطين بكَ. 

هذهِ بَعضُ النصائحِ الّتي تبدو ثانويّة حَولَ سُلوكِكَ ومَظهركَ وحتّى في مَظهرِكَ الداخلي: لا تَخفْ وتَقلق من عُيوبك الجَسديّة عاملها بِكرامة، وسوفَ تَظهر في مظهرٍ رائعٍ أنيق.  

إحدى مَعارفي فَتاةٌ لديها حَدبٌ خَفيف، وبكلمةٍ صَريحة، فأنا لا أتوقَّف عن إبداءِ إعجابي بروعتها في تلك الأحيان النادرة الّتي نلتقي فيها، في افتتاح مُتحفٍ يَجتمعُ الجميعُ هُناك، ولذلك فهي أعيادٌ ثقافيّة. 

وهنالك شيء آخر، كُن صَادقاً، فالّذي يَسعى لخداعِ الآخرين يخدع نفسِهِ أولاً، يحسب أنّهم صَدّقوه، لكن في الواقعِ أنّ مَنْ كانوا حولَه أشخاصاً مُهذبين. فالكذبةُ غالباً ما تَكشِفُ عن نفسِها، فالكَذِبُ مَحسوسٌ، وعندها لن تكون ممقوتا فحسب بل ومُثيراً للسُّخرية. 

لا تكن مُضحِكاً، فالصِّدقُ جَميلٌ، حتّى لو أقررتَ بأنّك خَدعتَ أَحدهُم في إحدى المُناسبات وشرحتَ ذلك، فهذا ما سَيُصحّح طَريقك، سيحترمك الآخرون وتَظهرُ أكثرَ ذَكاءً. 

البَساطةُ والهُدوء في الشَّخص، والصِّدقُ وعدمُ التَّكلُّف باللِّباس والسّلوك، فهذا أكثر “شَّكل” يجذب الأنظار إلى صاحبها، والّذي سَيُصبحُ أكثرَ رَوعةً وأناقة في “المُحتوى”. 

*

ملاحظة: في الفقرة التي يقول فيها “فأكثرُ الأساتذة بَلاغةً في جامعةِ موسكو هو المُؤرخ ” ف. أو. كليوتشيفسكي”. وربما يقصد بأن هذا الأستاذ البليغ كانت لديه مشكلة التلعثم فأخذ مثالا في سياق كلامه.  

ديمتري سيرجيفتش ليخاتشوف (1906-1999) عالِمٌ لغوي وبَاحِثٌ في الأدب الرّوسيّ القَديم، ولد في مدينة سانت بطرسبرغ. ليخاتشوف كتاب رسائل بعنوان “رسائل في الخير والجمال” تحدث الكاتب فيها بشتى الموضوعات. وهنا ترجمة رسالة “كن مرحاً ولا تكن مضحكاً”، وهي الرسالة الثامنة في الكتاب. 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى