خداع العقل، ووهم المشاعر
أميمة أبو الوفا

لطالما راودتني فكرة الكتابة عن المشاعر الإنسانية وتأثير الأفكار عليها، لكنني تلك المرة تساءلت هل من الممكن أن تكون مشاعرنا خادعة لنا؟ هل يمكن للإنسان أن يشعر بالحب أو الكره، أن يشعر بالخوف أو الراحة، لخدعة يصنعها عقله لا أساس لها في الحقيقة؟ يقول الدكتور علي الوردي في كتابه خوارق اللا شعور “إن الإنسان يسير بوحي العقل الباطن أولًا ثم يأتي العقل الظاهر أخيرًا لكي يُبرر ما فعل ويبهرجه ويطليه أمام الناس بالمظهر المقبول“.
إذا تأملنا الكتابات العلمية عن العقل البشري سواء تشريحيًا أو نفسيًا لوجدنا أن أجزاء بالمخ مسئولة عن انفعالات وعواطف الإنسان يحدث بداخلها العديد من المعالجات التي تتحكم في السلوك والمشاعر، وأنه بإثارة أجزاء معينة من الدماغ تتسبب في تولّد مشاعر معينة لدينا. يرى علماء النفس أن العمليات والمعالجات المعرفية تتم لا شعوريًا، فنجد أنفسنا نربط بلا وعي بين أحداث حصلت في الماضي وأحداث حالية، دون أن نتذكر هذا الارتباط وتُثار لدينا مشاعر لا إرادية، أو ما يُطلق عليها (العواطف اللا واعية)، فيكون الإنسان مُدْركا وواعيا لحالته العاطفية، ولكنه غير مُدْرك لمصدرها وغير واعٍ بالمحفزات التي تسببت في هذا الشعور.
في اقتباس عن الكاتب خالد أمين برواية جرائم الغراب السبع يقول “إن اللا واعي رجل يحيا من أجل التفاصيل ولا ينسى شيئًا، هو يحاول دومًا اخبارنا بشيء“. قد يمرّ على الإنسان مواقف وظروف وأحداث لا تتذكر أنها مرّت عليك، ولكن هذا لا يعني أنها لم تؤثر عليك، بل إنها تؤدي إلى إثارة استجابات عاطفية معيّنة، وتساهم في تشكيل اللا وعي الإنساني، ولكن هل بحثت يومًا وراء الأشياء الأخرى المؤثرة على اللا شعور.
– التجارب والمواقف الحياتية التي مررت بها في حياتك سواء كانت جيدة أم سيئة، تؤثر على طريقة تفكيرك وتصوراتك عن نفسك والعالم المحيط بك وتكوين شخصيتك.
– المفاهيم والمبادئ التي تتلقاها من تربية والديك، أو قيم المجتمع الذي تعيش به والمؤثرة على طريقة تفكيرك وحكمك على المواقف ومشاعرك.
– عقلك الباطن يُسجل باستمرار الأحداث اليومية ويخزّن المعلومات وانطباعاتك وعواطفك عن الأشخاص والأشياء، ويسترجعها عند المرور بتجربة مشابهة أو شخص له صفات مشابهة مما يؤثر على نمط علاقاتك الشخصية.
– حوادث وذكريات الطفولة التي لا تتذكرها سواء كانت مواقف مؤلمة أو محرجة وكان من الصعب عليك مواجهتها أو التعامل معها تخزّن في العقل اللا واعي.
– المشاعر والحاجات المكبوتة التي لم تتمكّن من التعبير عنها ولم تستطع تحقيقها تؤثر على قراراتك وتعاملاتك مع الآخرين.
ولتعلم أن “اللا شعور” لا يغفل أوجه التشابه بين المواقف والأشخاص حتى وإن كانت بسيطة، ولكنه يغفل أوجه الاختلاف بين الأشياء، ورغباتنا المكبوتة وأفكارنا التي نخجل منها، ولا نجد فرصة لتحقيقها، قد ننساها حقا لكنها في الواقع تظل في اللا شعور تحاول الخروج، فنلجأ بنحو غير واعٍ إلى حيل لا شعورية منها:
– الإنكار: رفض تصديق حقيقة مؤلمة والاعتراف بظروف قاسية تشعرك بالتهديد.
– الإسقاط: الصفات والرغبات السيئة غير المقبولة الموجودة بالشخص ينسبها للآخرين.
– الأبدال: الشعور بالإهانة وعدم القدرة على أخذ الحق والمواجهة يخرجها الفرد باستضعاف من هم أضعف منه.
– التبرير: تفسير سلوك غير مقبول بطريقة منطقية زائفة لتجنب الشعور بالذنب.
– التكوين العكسي: إظهار مشاعر معاكسة للمشاعر الحقيقية لعدم القدرة على الاعتراف بالحقيقة والرغبة في إخفائها، وعادة ما تكون مشاعر مبالغ فيها.
– التسامي: توجيه الفرد لعواطفه وغرائزه المكبوتة وغير المقبولة إلى سلوكيات سامية ومفيدة للمجتمع.
في كتاب نظرية التحليل النفسي لفرويد يقول “اللا وعي هو الذي يكشف عن المشاعر والعواطف والأفكار الحقيقية للفرد“.
قد نجد أنفسنا متمسكين بمشاعر حب مؤذيه لا نشعر معها بأي سعادة أو راحة، وقد يتملكنا الخوف من شيء مجهول، أو نثور ونغضب لسبب تافه، تلك المشاعر يمكن تفسيرها إذا تعمقت في اللا شعور. فقد تحب وتنجذب لشخص ما لأنه يمتلك صفة تفتقدها في نفسك وتجدها فيه، وقد يكون تعويضا عن مشاعر لم تحصل عليها في طفولتك وتبحث عنها مع ذلك الشخص، وقد تكون إعادة تمثيل لعلاقة فشلت سواء مع أحد الوالدين أو شخص ارتبطت به عاطفيًا في الماضي وتحاول لا شعوريًا تكرارها لإصلاحها وتغيير نتائجها، وقد يكون انجذاب لشخص مؤذٍ غير مناسب اعتيادا على ذلك النمط من العلاقات منذ طفولتك فأصبحت مألوفة لك. وقد تتعلق بأول شخص يُظهر اهتمامًا بك في نوع من الحماية النفسية وهروب من الوحدة والفراغ، قد يحدث أن تتوهم بحب شخص غير متاح لأنه متزوج أو علاقة يرفضها المجتمع والدين ويحدث ذلك لا شعوريًا أيضًا رغبة في التمرد وكسر القيود المفروضة عليك من الأسرة أو المجتمع. وعلى العكس من ذلك فقد تشعر بالكره أو الرفض تجاه شخص أو مكان ولا تعرف أسباب لذلك، حيث يكون اللا وعي يحتفظ بذكريات سيئة تتشابه مع المكان أو بعض صفات الشخص أو شكله، على الرغم من أنك لا تحتفظ بتلك الذكريات في الذاكرة القريبة ولكنها تظل داخلك تتحكم في مشاعرك الواعية. قد تغضب من موقف بسيط لأنه آثار بداخلك جرحا قديما وعميقا مدفونا داخلك منذ الطفولة، وقد ينتابك الخوف من شخص أو شيء ما، ولا تجد مبرر لذلك الشعور، فالخوف قد لا يكون من الشخص أو الموقف في حد ذاته ولكن فيما يرمز إليه. قد تخاف من القرب العاطفي وتصل إلى حد القلق أو حتى الشعور بالغثيان، لأنك تعرضت للرفض سابقًا ولا تريد تكرار التجربة سواء كانت تجربة خيانة أو طلاق أو وفاة من تحب.
كل هذه المشاعر على الرغم من أنها صادقة إلى حدٍ بعيد فهي خادعة، لحيل يصنعها العقل للتعامل مع مواقف مشابهة لصدمات قديمة مررت بها أو رغبات محظورة تبحث عن طريق آخر للخروج والتعبير عن نفسها، أو ذكريات مكبوتة تظن أنك نسيتها ولكنها توجه سلوكك مع أول موقف يُعيد إحياءها، كل ذلك يحدث دون أن تشعر به.
وفق نظرية فرويد واللا شعور “إن النجاح لا يُولد من التفكير الواعي وحده، بل هو غالبًا نتيجة عمل داخلي خفيّ يقوم به اللا شعور“. يكون العقل اللا واعي سببا في النجاح بآليات مثل الإلهام أو الحاسة السادسة، تصبح مصدر للطاقة الإبداعية، بعيدًا عن الإدراك الواعي المباشر، فإن الفكر الواعي قد يقمع اللا شعور ويؤدي للفشل أو ما يُطلق عليه (الجهد المعكوس). إن آليات الدفاع النفسي كالتسامي تدفع الإنسان إلى تحويل غاياته المكبوتة نحو أغراض وأهداف عُليا يقبلها المجتمع، بل وينظر إليها نظرة إعجاب وتقدير، فيُصبح الشخص مغرما بالأدب أو الموسيقا أو يتفوق في الألعاب الرياضية، ولكن ذلك يتطلب حُسن معاملة الطفل وتوجيهه بنحوٍ وديّ من المحيطين به.
إن اللا شعور شيء غير مرئي ولا يمكنك إدراكه مباشرة، ولكنه يظهر في الأحلام وزلّات اللسان والانفعالات غير المفهومة، والتعبير عنه ليس وسيلة للتنفيس فقط، بل أيضًا وسيلة لفهم الذات بعمق وتحقيق وعي أصفى وتوازن أعمق، ولكي تصل لما في اللا شعور عليك:
– التحليل الذاتي: بملاحظة التكرار ومراقبة مشاعرك والبحث عن إحساس مشابه مررت به سابقًا.
– الكتابة التلقائية: اكتبْ ما بداخلك من مشاعر دون تفكير أو رقابة.
– التعاطف مع ذاتك الطفولية: يأتي غالب ما يترسخ في اللا شعور، ويتحكم في مشاعرنا ومواقفنا، من جروح الطفولة فإذا عرفتها تصالح معها وتقبلها.
– العلاج النفسي: يساعد اللجوء إلى متخصص في فك شيفرات اللا شعورية من خلال الحوار وفهْم نمط التفكير وتفكيكه.
في النهاية أود قول إن بعض المشاعر من حب أو خوف أو كره أو انجذاب أو غضب، لا تكون حقيقية أو ناتجة عن وعي، بل قد تكون انعكاسًا لرغبات مكبوتة أو صراعات داخلية، أو ذكريات وتجارب مؤلمة قد نسيتها ظاهريًا ولكنها ما زالت مؤثرة.
المراجع
Sander, D., & Delplanque, S. (2021). Unconscious emotional processing. Food Quality and Preference, 92, 104177.
فرويد، س. (1900). تفسير الأحلام
جلال، م. ف. (2018). مبادئ التحليل النفسي. مؤسسة هنداوي.
هيث، روبرت. (2016). إغواء العقل الباطن: سيكولوجية التأثير العاطفي في الدعاية والإعلان (مترجم إلى العربية: محمد عثمان خليفة؛ مراجعة: هاني فتحي سليمان). مؤسسة هنداوي.



