حق العجز
قصة قصيرة

استيقظ أحمد وصداع ثقيل يضغط صدغيه كأنه مطرقة. مدّ يده إلى المنبه وأطفأه، ثم صغّر عينيه محاولًا تذكّر سبب استيقاظه: المحكمة.
كان قد تلقّى استدعاءً إلزاميًا بعدما رفع قضية وتخلّف عن حضورها. لماذا تخلف؟ لأنه نام. وها هو ذا يفعلها مرة أخرى. نظر إلى الساعة؛ العاشرة، والموعد كان في التاسعة. قفز من السرير، فتح الخزانة بعصبية، سحب أول ما وقعت عليه يده، وخرج من البيت وهو لا يزال يزرّر قميصه.
عند وصوله، كانت أبواب المحكمة مغلقة. إشارة سيئة. دفع الباب فأصدر صريراً قبيحاً أدار رقاب الحضور نحوه. الرائحة في الداخل خانقة؛ هواء ثقيل ولا نوافذ. أحس أن الباب الذي أُغلق خلفه فصله عن حريته. بحث بعينيه بين الوجوه فرآه.. والده. كان جالساً بين الحضور، وقد سبقه.
طرقة مطرقة القاضي دوت في القاعة: هدوء!
استأنف حاجب المحكمة بصوت جاف:
– المدعي رقم 110، قضية ضد الإرادة. رفعت الجلسة مرتين بسبب تأخرك، إنها العاشرة والنصف صباحاً ورجال القانون لا يضيعون الوقت على أمثالك.
تقدم أحمد نحو المنصة، واقترب من الميكروفون، ابتلع ريقه وقال:
– صباح الخير سيدي القاضي. أشكركم على استقطاع بعض من وقتكم لحضور مرافعتي في قضية يراها معظم الناس منتهية. أود إبلاغكم أولًا أنه لو كان لي أن أحدد موعد الجلسة، لاخترت الليل…
طرقة قوية هزت المكان وجعلت أحمد يقفز من مكانه.
– لست في صالون أدبي ولا في مرصد فلكي، الليل للنوم والنهار للعمل. ادخل في صلب دعواك فقد ضاع من وقتك نصف ساعة. (قال القاضي ببرود).
شد أحمد كتفيه واستند على الخشبة الباردة وقال:
– أقف بين أيديكم اليوم لأدافع عن الرغبة، وأفصلها عن الإرادة…
همهمة مزعجة اندلعت بين الحضور: “هذا المتأخر يدعي الأدب!”. التفت أحمد نحو رجل هزيل بينهم:
– هذا أبي يا سيدي… الرغبة.
تحرك الرجل في مقعده بقلق، فاستطرد أحمد:
– لم يقوَ على العيش من دون أمي، وتحمّلتُ أنا أذى هذه العلاقة. ألتمس من المحكمة سماع شهادته.
رفع القاضي نظره عن الأوراق لحظة، ثم قال:
– ليتفضل الشاهد.
صعد العجوز منصة الشهود بخطوات مترددة وهو يتلفت، ثم وقف بضعف مستنداً إلى الحاجز كعكاز.
– ماذا حدث بينك وبين زوجتك؟ (سأل القاضي).
رد الأب بصوت خافت:
– عشت حياتي من دون أن أعيشها يا سيدي. كانوا يخلطون بيني وبين الإرادة، وحين حاولت أن أشرح الفرق سخروا مني وقالوا إنني لا شيء بدونها. كثر الكلام في الحي حتى صدقته زوجتي، فرحلت، وتركت ابننا الفعل معي.
– هل أنت عاجز من دون الإرادة؟
أخفض الرجل رأسه وقال:
– نعم يا سيدي. لا أستطيع أن أفعل شيئًا وحدي. حتى ابننا… لم يكتمل.
أومأ القاضي للرجل بالتنحي، فتقدّم أحمد خطوة:
– كما قال والدي، هجرتنا أمنا، فبقينا عاجزين. رحلت قبل أن تعلمني كيف أحمل جيناتها وأعبر عنها في أفعال عظيمة.
ثم نظر أحمد نحو الجيران – مشيراً إلى الحضور-:
– هؤلاء هم سبب المشاكل في عائلتنا، وما زالوا يلومون أبي لأنه لن ينجب فعلاً أصلح مني، ويقفون عند باب بيتي منتظرين أن أخرج لهم وقد تحولت إلى فعل خلاق.
– تريدون من المحكمة الاعتراف باختلاف طبائعكم إذن؟
– نعم يا سيدي. أطلب مرسوماً يبيح هذا الانفصال، ويمنح الرغبة حق العجز. أما أنا، فلا أريد أن أُعامَل ابنَ أحدٍ ما دمت ناقصاً، أو مثل أبي.. أنا رغبة عقيمة تطلب الاقتران.
ساد الصمت. توقف القاضي عن الكتابة، ثم قال:
– بما أن المدعى عليه لم يحضر، تكتفي المحكمة بما قُدّم.
قال أحمد وقد اندفع صوته:
– سيدي… بخصوص موعد الجلسة القادمة، أرجو أن تكون ليلًا. أعاني مشقة شديدة في النهوض صباحًا… ولعل عدالتكم تدرك أن السبب كوني ابنَ أبٍ لا أم له.
أغلق القاضي الملف بهدوء:
– تكتفي المحكمة بهذا القدر.
ثم التفت إلى كاتب الضبط:
– دوّن الطلب الأخير.
سارة قاسيمي: قاصة من الجزائر.



