تشخيص رسمي
قصة قصيرة

أنا حنان، دفعة بكالوريا 2022، كلية الهندسة الكهربائية. فرقتني الجامعة عن صديقات الصبا، وظللنا نؤجل التلاقي حتى مرت أربع سنوات. وقبل أسبوع قلت في نفسي: البادئ أكرم، وضربت موعداً لثلاثتنا في أحد الكافيهات القريبة من ثانويتنا القديمة.
عندما حل الأربعاء اجتمعت مع البنات: نور دارسة إعلام وثقافة، وليندا تدرس علم النفس. وبالطبع تفاجأنا بالتغير الشكلي الذي طرأ على كل واحدة منا. وكما حزرتم، كانت ليندا أقلنا حديثاً، تكتفي بالضحك عندما نقول شيئاً مسلياً وتراقبنا بعيني نسر، وأكثر أفعالها غموضاً أن جلبت “كنّاشا” وقلما إلى جمعة أصدقاء.
كنت أتحدث معظم الوقت كوني صاحبة الدعوة، رحت أطرق كل المواضيع التقليدية، من السؤال عن الأمهات إلى الكلام في الموضة وفي الناس. ووسط انشغالي بتنشيط الجلسة، لمحت بطرف عيني يد ليندا، وهي تسجل شيئا على دفترها. لم يكن الأمر ليقلقني لولا جدية ملامحها وهي تفعل ذلك، فبادرتها بمرح:
– منذ ساعة وأنتِ تكتبين، ماذا عندك؟
قالت بتنحنح:
– آه، جزء من دراستي، أتدرب على التقاط اضطرابات الناس من خلال كلماتهم.
قلت لها:
– آه يا طبيبتنا الكبيرة.. هاهاها!
وهنا، سجلت شيئاً إضافياً في مذكراتها، فتقطعت ضحكتي وصمتّ. بادرتني نور محاولة استعادة الجو:
– إذن، هل الأساتذة جيدون في جامعتك؟
قلت بسخرية:
– ما يصلحوش! هاهاها.
ضحكنا ثلاثتنا، ومجدداً بطرف عيني رأيت ليندا تسجل شيئاً من جديد. فكرت مع نفسي: ماذا؟ هل “ما يصلحوش” كلمة يقولها المرضى؟ أليس جوابي نموذجياً؟ في الحقيقة لو قلت إن أساتذتي هم نِعم المدرسون لأفسدت الجو، فهذه جلسة نسوان! ونحن طلبة! علام اجتمعنا إذا لم يكن لتدعي كل واحدة أنها بائسة والحظ طلقها منذ سنوات لم تعد تحسبها؟
قلت هذا الكلام بصوت عالٍ دون أن أنتبه، فحدقت إلي نور باستنكار، أما ليندا فقد غمرتني بنظرات العطف والتفهم، حتى إنها شدت على يدي بقوة.. ثم سجلت أشياء أخرى. قلت لنفسي: مبروك يا حنان، لقد شخصتك الطبيبة ليندا رسمياً.
حل المساء وافترقنا بعد أن تبادلنا وعوداً باللقاء. ولست بحاجة لإخباركم أنني حظرتهما فور عودتي، فطبيبتنا النفسية لا تصلح للصداقة. أما نور؟ لا أعلم. لنقل إنها شهدت على تشخيصي، والشهود عادة لا يعيشون.
(ملاحظة: عبارة “ما يَصَلْحُوش” تقال في اللهجة الجزائرية للدلالة على انعدام فائدة الشخص المقصود بها).
سارة قاسيمي: قاصة من الجزائر.



