منافع النسيان

The school of life


حجم الخط-+=

ترجمة: ابتهال زيادة

غالبًا ما نجد أنفسنا نشكو باستمرار من ذكرياتنا المشؤومة، فقد ننسى مفاتيح منازلنا وأسماء بعض معارفنا، وقد ننسى أيضًا الأصناف الضرورية التي أضفناها في قائمة التسوق. لكننا لا ندري أنّ شكوانا هذه التي نظنها نقمة على الجانب العملي هي نعمة على الجانب الآخر(العاطفي). لن يقدر سعينا للتوصل إلى الحلول الواقعية أو إعمال العقل على انتشالنا من دوامة أحزاننا لكننا إن أعطينا ثقتنا للنسيان فإنه سينتشلنا من ذلك كله. فعقولنا مبرمجة على أن أقسى الحوادث مصيرها التلاشي من ذاكرتنا. ونغفل عن اللحظات اللطيفة والطيبة التي حدثت- مثل قضاء ساعة الفجر على ضفاف خليج نابولي، وطعم التين في الخريف وسمر الليلة الأولى مع المحبوب. ويجدر أيضًا ألا نغفل عن قائمة الأحداث المخيفة التي كنا نعتقد أننا لن نتغلب عليها. مهما كان وضعنا هستيريا فإبمكاننا التيقُّن بأننا عما قريب سننسى كل ما أبكانا.

عثر الناقد الأدبي الإنجليزي، وكاتب المقالات الكبير، سيريل كونولي في الخمسين من عمره على كتابه المدرسي لقواعد اللغة اللاتينية عندما كان تلميذًا بسنَّ العاشرة في مدرسة سانت سبريان الإعدادية الحديثة في إيستبورن. على غلاف الكتاب وجد النص الذي كتبه بخط دقيق جدًا: “لا تنسَ أنك في غاية التعاسة اليوم في الثالث عشر من فبراير عام 1913” واضعًا تحتها ثلاثة أسطر.الآن وبعد مضي عقود عدة، لم يستطيع هذا الكاتب تذكر ما ضايقه بشدة في الأمس البعيد، رغم أن ما كتبه وقتذاك بدا وكأنه سوف يؤجج عزيمته أو يتردد صداه البائس مدى حياته.

قد يكون اعتيادنا على النسيان خيانة للذاكرة، فجزء بداخلنا يريدنا أن نظل مخلصين دومًا لذكرى المعاناة التي استنزفت تفكيرنا، ربما لأننا نشعر بارتباطها الارتباط الوثيق بكينونتنا. بيد أن عقولنا بارعة في تركيزها على الجوانب غير العاطفية (العملية) التي تتطلب إفساح المجال لخوض التجارب الجديدة، ففي نهاية المطاف سيتلاشى ضباب أتعس ذكرياتنا. وقد ندرك أن السنين قد مرت دونما لحظة انشغال في تذكر تلك الغلطة التي ظننا يومًا أنها ستكدر صفو حيواتنا إلى الأبد.

لذا لا ينبغي لنا أن نتأسف على ذكرياتنا المريرة، بل ينبغي أن نمتن لها. فإذا بقينا نتذكر كل مرة صادفنا فيها شخصًا قسى بحقنا، وكل موقف خذلان واجهناه، وكل غلطةٍ اقترفناها، وكل أمل عشنا عليه وخيبنا، فعلينا أن نتذكر أن الحياة تمضي سريعًا ولا تستمر على ذات المنوال. من لطف القدر أنه قد وُهبنا سعة مقدرةً تعيننا على تحمل الصعاب. إن الأيام كفيلةٌ بمحو كل ذكرى على حدة من قائمة الأحزان التي سجلناها، وستثبت لنا الأيام مدى جهلنا عندما ظننا يومًا أن تلك الأحزان كانت هي موتنا المحتم.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى