حوار مع الفائز بجائزة نوبل للأدب عبد الرزاق قرنح

بْرانَّوَن غْنانَلِنْغَم


حجم الخط-+=

ترجمة: صائل البحسني

الفردوس، عند جانب البحر، هجران، حيوات جديدة*: تتناول روايات عبد الرزاق قرنح، ذي الثلاث وسبعين سنة، الانتماء والنزوح وآثار الاستعمار العميقة، وهي المرئية في الغالب لِمن له المزية. مُنح السنة الماضية جائزة نوبل للآداب. وصل قرنح بريطانيا –وقد ولد في زنجبار– لاجئاً سنة 1967، مجبراً على الرحيل عشية حملة الإبادة والاضطهاد التي شنت على السكان العرب. وهو الآن أستاذ متقاعد في الأدب الإنجليزي وأدب ما بعد الاستعمار في جامعة كِنت. سيبث على الهواء مباشرةً حديثٌ بينه وبين ميشيل لانغستون في مركز اوتياAotea في تمام الساعة السادسة والنصف من يوم الجمعة الموافق يوم السادس والعشرين من شهر آب/ أغسطس المقبل، وذلك ضمن فعاليات مهرجان كتّاب أوكلاند. يتراوح ثمن التذكرة من 12.50 دولارا إلى 25 دولارا ويمكن شراؤها من موقع writersfestival.co.nz.

وههنا، يتحدث قرنح مع الروائي بْرانَّوَن غْنانَلِنْغَم حول المنفى والجوائز وكتابة المزيد من الكتب.

 

لماذا تكتب؟ 

لقد كان زمنا عصيبا يوم غادرت زنجبار. كان المجيء إلى بريطانيا كذلك صعباً، أن تكون غريباً في مكانٍ جديدٍ عليك. لقد جاءت الكتابة من رغبةٍ في تأمل هذا الأمر، في فكِّ أمور كانت تجولُ في رأسي. ما كان في النية أن يراها [أيْ الكتابة] أحد. ومع استمرار هذا الفعل طوال سنتين أو ثلاث، فقد نما نحو شيء آخر. لقد كان شيئاً بدأت سلفا في تخييله، لا الكتابةَ فقط عن ظروفي. وفكرتُ.. ربما يمكن لهذا أن يكون شيئاً أُنجزهُ.

لقد رويت قصصا في المنفى– ما يعني لك الوطن؟ 

إنَّ الوطن لَشيءٌ معقد. خصوصاً إذا لم تعد تحيا في المكان الذي انطلقتَ منه. يوجد أناس كثر في هذي الوضعية والذين يحيون الآن في مكان ما آخر. الجواب هو أنه في كلا المكانين، بمعنيين خيالي وحقيقي، أشخاص مثلي يريدون أن يدَّعوا حقا في الاثنين كليهما. أنا من زنجبار. أذهب إلى هناك وأشعر أنني في وطني. أشعر أنني في وطني ههنا [في المملكة المتحدة]، حيث قد عشت وعملت خمسين عاما ولدي من الأصدقاء كثير. كلاهما وطنٌ لي. ثمت فكرة اختزالية وساذجة مفادها أننا لا يسعنا أن نخلص الولاء إلا لمكان واحد فقط. ماذا لو، تتصور انتماءك إلى الاثنين؟ لا أرى التضاد في ذلك. لا أرى إشكالا.

الأماكن في رواياتك دائما مترابطة مع العالم- هذا يبدو ذا صدى أقوى في زمن الحدود المُحكمَة.

بالطبع ما يجعلها مترابطة هو التجربة الإنسانية. فتلك التجارب الإنسانية هي ما يجعل تلك الأماكن حقيقيةً أكثر منها متخيلةً، ظنّيةً. الحدود المحكمة، نسبياً، ظاهرةٌ حديثة.. فالناس الذين أُبقوا خارجها هم أناس من أماكن اُستعمِرتْ سابقاً. وليس هذا بالصدفة. إنه لأمر متوقع تماماً قياساً إلى النحو الذي استجابت به أوروبا وأستراليا لوساوسهما وتوجساتهما المضمَرة منذ زمن طويل جداً إزاء مسألة العرق. 

في مقدورك أن ترى الأمر الآن في الخطة البريطانية القاضية بإرسال طالبي اللجوء إلى رواندا.

هذا هو أكثر مقترح وحشيةً وسخافة. إن مفتاح اللغز يكمن في السابقة الأسترالية التي تمثلت في إرسال أناس إلى ناورو*. إن إرسال السوريين- الذين كانوا في طريقهم نحو المملكة المتحدة- إلى رواندا يبدو أفظع مزحة وحشيةً، إلا أنه ليس بمزحة. 

إن شخوص أعمالك تحيا حيواتٍ هادئة، و”صغيرة”. ثم إنهم ينجون في النهاية، رغم الأحداث الكبرى.

أنا معجب بالنحو الذي يستنقذ به الناس شيئاً من تجاربهم مع الصدمة أو العنف، أو حتى ببساطة إحساساً ما بفخر. لستُ أعرف شيئاً عن الأبطال أو “الكبار” أو الأغنياء. لست أعرف تلك الطينة من الناس. إنني أكتبُ عن الناس الذين أخالطهم. أناس مثلي.

يبدو الأمر سياسياً؟ 

سياسي فقط من ناحية أنه يمثل منظورا مختلفا حول موضوع الهجرة. فهنا منظور من هذا الجانب من النقاش. أو هو سياسي فيما يتعلق بمسألة أنه واقعة تاريخية: وهنا أيضاً منظورٌ آخر. وهذا لم يُنقَل بدقة على نحو يراعي الذوق الشعبي. إنه سياسي بمعنى أنك لم تمتلك القصة الكاملة. وهو ليس سياسيا من كونه أمرا مبرمَجا. لا أريد أن أقول “ومن خلال قراءتك هذا، قم وافعل هذا وذاك”. 

على سبيل المثال، يُنظَر في الغالب إلى الحرب العالمية الأولى على أنها حرب “أوروبية”، وحربٌ لم يكن المدنيون خلالها مستهدفين مباشرةً. ليست الحال وبوضوح تطابق حالَ ما كان في شرق إفريقيا كما تبسطه رواية “حيوات جديدة”؟ 

لا، بل كان المدنيون هم من تعرض لأقسى مَصابات الحرب. كان سبب ذلك في طرف منه ناجما عن عدم الاكتراث بأمرهم. إنهم بشر حقيقيون. لم يهم كم منهم كان يتضور جوعاً أو يقاسي مرضاً، أو كان فاراً من حرب “أوروبية”، فقد كانوا ضحايا. وهناك آخرون من حاججوا بأن الحرب العالمية الأولى في إفريقيا كانت المرحلة الختامية من “تناهب إفريقيا” وكيف كانت الأراضي سيعاد توزيعها وتقاسمها.

مقاربتك التاريخ في كتبك تثير الاهتمام. إنها ليست قصصًا فحسب، وإنما كيف نروي القصص، وماذا نُغفل عنه منها.

إنني آمل وبقوة أن تُقرأ على هذا النحو. ومن الواضح أن القصص المتنازعة حجةً تضع كلاً أمام الآخر في: سبيل إيجاد حل ما. إنني أحاول أن أقدم ذلك مؤمِّلاً بالأحرى، لا قاطعاً بنتيجة.

ماذا تعني لك جائزة نوبل؟ 

بكل وضوح شرفٌ عظيم أن تُنتخَب وتُختار على هذا النحو. فهي تضعك رفقةَ  كتّابٍ عظام أجلُّهم. إنها اعتراف بأنك قد أبليت حسناً. الأمر الآخر، بطبيعة الحال، هو أن ما يريده كاتبٌ من الكتَّاب هو أن تقرأ أعماله. أعادت هذه الجائزة كل تلك الأعمال إلى حيز الطباعة والنشر، والصدور بلغات عديدة ونشرات عديدة. وإضافةً إلى ذلك، فإنها تمنحني بهجة بالغة، مبلغَ البهجة التي منحتها أولئك الأشخاص.. كشيءٍ من قبيل الإحساس بأنك “واحد من الجماعة”.

إنها جائزة تُمنح عن مسيرة أدبية، إنني أتصور أنك تريد أن تستمر؟ 

ليس في الإمكان الكتابةُ حالياً لأنني قائمٌ بالكثير من المحاورات والرد على رسائل البريد الإلكتروني. ولا بأس في ذلك. إنه جزء من العملية. أنني آمل أن أعود إلى ما كنت أعمل عليه قبل نيل الجائزة. وكونك كاتبا فأنت لا تعلم ما سيحصل. تترك أشياء لوحدها ثم تعود إليها وتنقبض نفسك. غير أنني سأستمر. لستُ أحسُّ بأنني قد بلغت منتهاي على هذي الدرب.

 

*عبد الرزاق قرنح: أستاذ جامعي، ناقد وروائي بريطاني من زنجبار(التي غادرها مع سقوط الحكم العربي ودمجها عنوةً مع تنجانيقا دمجا أسس لما يسمى اليوم تنزانيا) ينحدر من عائلة عربية حضرمية. يكتب باللغة الإنجليزية. حائز على جائزة نوبل للآداب سنة 2021م. [المترجم] 

*صدرت ترجمتها هذه السنة عن دار أثر السعودية بعنوان “ما بعد الموت”. 

*ناورو: جزيرة صغيرة ودولة في المحيط الهادئ شمال شرقي أستراليا، نالت استقلالها سنة 1968م وهي من أصغر أعضاء الكومنولث، بساكنة يبلغ تعدادها 10آلاف Oxford Guide to British and American Culture. [المترجم] 

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى