التفاتة للنفس

نجلاء حسين


حجم الخط-+=

قد ينشأ العبء من التفاصيل الصغيرة لشيء ما، تلك التفاصيل التي لا نلاحظها في أول الأمر حتى تتراكم، ثم تتحول لثقل هائل، يبقينا عالقين ومقيدين، أو لعلّنا لاحظنا وجودها، بل وأدركنا حقيقة كونها أساس ذلك الوجع، لكننا تجاهلناها، وما أكثر الأشياء التي يصيبنا العمى أمامها. 

لماذا هذا الصراع القاسي بين فرضية منح الفرص وبين إجراء يُوجب علينا أن نتخذه جدّيا حيال مصدر الأذى؟

ثم عن أي فرص نتكلم؟ الفرص التي تعطي أملاً لغيرنا وفي المقابل تستنزفنا؟ الفرص التي نعلم أنها لن تفيَ بالغرض أو تغيرَ شيئاً، تأتي لتخدّرنا، توهمنا بأن كل ما حدث وما سيحدث هو الوضع الطبيعي؟ كيف يكون الوضع طبيعياً إن كان يكبت على أنفاسنا، ويثقل على قلوبنا؟ 

كيف يكون الوضع طبيعياً ونحن نتحول فيه لأشخاص آخرين، صورٌ وانعكاسات لآخرين قد لا نعرفهم، ترسبات من بقايا أحداث كان يجب أن نتخذ حيالها موقفاً صارماً، أو أن نعيد ترتيبها على أقل تقدير، لعله يُسهِّل علينا فيما بعد لملمة ما تبقى من صورنا الحقيقية. كيف يكون الوضع طبيعياً ونحن نحبس الصرخة، وندِّعي شعوراً لا يمثلنا ولا يحكي قصتنا، بتجميل الكلمات، وتحريف معانيها، أليس يفترض بالوضع الطبيعي أن نكون فيه نحن كما نحن، بصورة تخلو من التشويش ومحاولات الادّعاء؟ أليس هذا هو الخيار الأسهل؟ 

إن النفس إذا توجعت، فهي تعبر عن اعتراضها، على وضعٍ لا يناسبها، بوجعها تعطينا إشارة تنبيه لنلتفت إليها، ونستمع لها، لنعرف أين يكمن وجعها، وكيف نشأ، ثم نبدأ تدريجياً بمداواتها، كيف سيحصل هذا، ونحن نتجاهل وجعها، خوفاً من مواجهة الحقيقة، أو رفضاً للتغيير، وربما لانشغالنا بإعطاء المزيد من الفرص لوضعٍ ملوث أو لأشخاص تمرسوا اللعب بحياة الآخرين بالمراوغة والخداع؟ 

من أين جاءت فكرة “الفرصة الثانية”؟ لماذا وضعوا مصطلحاً دون تفسير كافٍ وجعلونا نتداوله وكأنه الحل المثالي الأوحد لكل مشكلاتنا، وصراعاتنا؟ كيف فاتهم أن يوضحوا لنا أن في منح بعض الفرص في الأصل تواطؤ وخضوع قد يُضيّع علينا المعنى الأسمى والهدف الأهم الذي نسعى لتحقيقه أو حتى مجرد الإمساك بأحد أطرافه -وهنا تحديداً- حين يضيع الهدف، فإن كل الاتجاهات تتداخل، تضطرب رؤيتنا، وتتشابك الأولويات، فيبدأ الصراع بين ما نريده وما يُفرض علينا.

وهذا يدفعنا لسؤال آخر؛ من أعطى الفرص هذا الترتيب؟ وإن كانت تقاس الأمور بهذه الطريقة فلماذا في المرة الأولى حين نعطي الثقة كاملة، ونخصص لهم تلك المساحة الخاصة، ونطلعهم علينا من الداخل بجانبينا المظلم قبل المضيء، وكأننا نتصالح مع أنفسنا بين أيديهم، ونعرّي مناطق من أرواحنا لم يكن لغيرهم أن يصلوا إليها، فلا أحد يتذكر لنا هذا، لماذا لا تُوثَّق تحت مسمى “الفرصة الأولى” وفيها المجازفة أكبر بكثير، فحجم الثقة هناك لا تحدّه المخاوف، أليس هذا أولى بالتوثيق، وأكثر عدلاً؟ 

ولماذا لا يكون ذلك للأماكن أيضاً، تلك الأماكن التي نزداد فيها سوءًا مع الوقت، سنواتٌ تمضي، من غير أي بوادر للتغيير، ولا حتى محاولات للطمأنة بأن شيئاً قد يتحسن، فالتفاصيل هي ذاتها، مجرّد تكرار مقيِّد، بمهام باهتة ثابتة، بمتحرك وحيد هو الوقت، تخيّل! كم فرصة قدّمنا لمكان كهذا؟ وكم أخذ منّا؟ 

وإن افترضنا ضرورة وجود “الفرصة الثانية”، فكم من الوقت يلزمنا بين الفرصتين، وما حدود مساحة الفرصة الثانية، ومتى ينتهي وقتها، لتكملوا العد، أو لتسمحوا لنا باتباع أسلوب مختلف، والبدء بوضع قوانين أخرى للحساب؟ أليست هذه أسئلة هزلية تعكس مشهداً من فرضية عبثية؟ 

لنتفكّر معاً؛ من الذي يتغير فعلياً؟ نحن أم الأماكن؟ نحن أم الزمن؟ نحن أم الآخر؟ وما حدود سيطرتنا على كل ما سبق؟ هل لفردانيتنا الحق الكامل أو القدرة للتحكم في كل ما حولنا؟ وإن كان هناك احتمالية أن يحدث لها التغيير، ألم نعطها الوقت والفرص الكافية لإثبات ذلك؟ هل أثبتت لك تغييراً يستحق!   

عامل الوقت مخيف، كيف يمضي سريعاً، وكأنه يود أن يصرخ فينا: “حين أذهب فأنا لا أعود”، وقد تكون التجارب من أهم ما يضيف معنًى للزمن، ولوجودنا، ولحركتنا في الحياة وما تتركه فينا وما نتركه لها، نتعرّف من خلالها علينا، نكتشف فينا جوانبَ لم نرها من قبل. إن التجارب قادرة على أن تكون دليلاً نعرف من خلاله ما نريد وقبل ذلك ما لا نريد، بل إننا نصفُ سريانَ الوقت غالباً بناءً على طبيعة التجربة، أكان سريعاً خفيفاً، أضاف لأرواحنا الحياة لتُبصر فتنطلق، أم كان سريعاً ثقيلاً قيّدنا، وشلّ حركتنا؟ فتصوّر حين نعود بالذاكرة لتجاربنا فنجد أنها كانت متوقفة على أمل أن نرى نتائج فرص أُعطيت لغيرنا، أتخيل أوقات الانتظار، وعدد التوقعات المحطمة، واللحظات المعلّقة، خذلاننا لأنفسنا التي وعدناها في كل مرة أن هذه المرة ستكون الأمور مختلفة، لكن ما من شيء كان مختلفاً حتى وإن بدت المعطيات مختلفة، تخيّل كم نحرم أنفسنا من نعمة اكتشافها؟ وكم نساهم في هدمها؟ وكم نفسد معنى التجربة وغايتها؟   

أليست “الفرصة الثانية” من الأجدر أن نمنحها لأنفسنا؟ “فرصة للذات” لتعرف طريقها، لبداية جديدة، لوقوف بعد سقوط، لجبر بعد انكسار، لتعويض بعد خسارة، فرصة لنخصص لها الوقت الذي تحتاج إليه لإعادة توازنها، وبحثاً عما يحقق لها راحتها، لا أن نوزعها على كل من حولنا ونحن في الزاوية نفسها منتظرين أن تُغيّر الأشياء من نفسها، والأشخاص من دوافعهم، أو في احتمال أكثر منطقية أن تجرنا لحال أسوأ، وهذا ما حدث وما سيستمر في الحدوث لبقية حياتنا، ما دمنا متمسكين باحتمالات مبنية على أمل بائس.

لنجرّب أن لا نتعامى عن الدليل الواضح المتكرر، وألا نضع أعذاراً لسلوكيات تؤذينا بحجة “النيّة الطيّبة” أو غيرها، حتى لا تتراكم علينا الأوجاع وتساؤلاتها فيستهلك علاجها بعدئذ جهداً أكبر، النيّة الطيبة لأصحابها، تخصهم وحدهم، وهي إحدى المبررات التي تريحهم، لكنها في المقابل لن تساعدنا في التخفيف من أثر الوجع ولن تعيد إيلنا الأيام التي ذهبت.  

تخيّل! لو أن كل تساؤلاتك، وصراعاتك، وتناقضاتك، وحيرتك، كلها، كلها، منشأها تلك التفاصيل الصغيرة التي تجاهلتها، لئلّا تبدو سخيفاً وحساساً، فتغاضيت عنها، وأخرست نداءات قلبك التي أرشدتك بضرورة التوقف، بضرورة أن تضع حدّاً لكل ذلك التلاعب، وتلك الفوضى، فإن هذه الأشياء مهما بدت صغيرة تأخذ منك ومن حياتك أكثر بكثير مما تظن، وتثبت لنا الأيام دائماً أن الوجع قد يبدو أول أمره سطحياً لا يستدعي الالتفات، لكنه يزداد عمقاً بزيادة التراكمات، تفاصيل صغيرة تُهمل فتُعمّق أثره، وكأن النفس بهذا تعاقبنا على عدم تقديرنا لاحتياجاتها واستسخافنا بشعورها. 

إن لنفسك عليك حق لا تركنها طويلاً فتنسى وجودها، أثبت لها اليوم أنك تعلّمت، هي أهم من كل ما سعيت لإصلاح الحال معهم ولم تنجح، حتى وإن كنت تراهم يستحقون فقد حاولت بما يكفي، ومن كل الطرق التي سرت فيها فكانت نهايتها سدّاً، ومن كل باب وقفت عنده طويلاً ولم يُفتح. عِدْها بأن وقت المحاولات قد انتهى، وأن الفرص القادمة ستكون لك أنت، ومحاولاتك التالية ستُبذل لما تحتاج إليه حقّاً وتؤمن بأهميته، لعلّك بهذا أن ترسم طريقك، بحثاً عن معنًى تصيغه بمبادئك، فالحياة بكل أيامك، لك.        

ماذا ستفعل حين تكون الفرصة لك وحدك، وبشروطك؟ جرِّب.  

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى