بساتين البصرة – منصورة عز الدين


حجم الخط-+=

مؤمن الوزان

انطلاقا من مبدئه في أنَّ الفن لا بد أن تكون غايته في ذاته، فقد رفض أوسكار وايلد أن يحكم على العمل الفني في حمله أو أدائه لرسالة أخلاقية وقال في كتاب “الناقد فنان” إنه لا يوجد كتاب أخلاقي أو غير أخلاقي فإما أن يكون مكتوبًا جيدًا وإما سيئًا. يستحضرني هذا كثيرًا حينما أقرأ أي رواية فلا أبحث فيها عن أي رسائل أو غايات أخلاقية أو حتى توثيقية، أو لأقل إن ما يشدني إليه هو هل كُتب النصُّ الأدبي جيدًا؟ وكيف كُتبَ؟ وأين تكمن أصالته وكيف تلتقي بُنياته الداخلية مع بعضها، شخصياته ولغته وسرده؟ فإذا أجادَ الكاتب في لملمة عمله وبنائه من الداخل؛ تتجلى أهدافه الأخرى في متن عمله دون حاجته إلى الإشارة إليها بوضوح. فالوضوح الذي شدَّد عليه بعض الكتَّاب ليس في سرعة فهمه بل في الأصالة غير المعقَّدة ولا المتحذلقة التي يتفتَّح بها العمل بسلاسة ويعود في دورته لينغلقَ على نفسه، وما بين انفتاح وانغلاق تتبدل العوالم وتتغير الأماكن وتحضر شخصيات وتغيب إلى أن يصل العمل إلى خط النهاية. في بساتين البصرة لمنصورة نتلَّمس هذا لكن تفتُّح العمل وانغلاقه في دوراته المتعاقبة والمتغيّرة تتقارب إلى درجة التداخل وسرعان ما تبتعد إلى درجة التنافر لتعود فتجمعها الأحلام أو أرواح الأحلام العابرة لحدود الزمان والمكان والحقيقة والخيال والواقع والمحال. ما بين سرد قصصي تتناوب الشخصيات على أخذ زمام سرد الأجزاء التي تخصها، في طاولة سردية، كتلك التي كانت تجمع عليها شهرزاد أبطالها، ليقصوا نيابة عنها قصصهم وأخبارهم والأحداث التي عركتهم الحياةُ في أتونها في مدينة البصرة في القرن الأول الهجري إلى سرد بأسلوب ما بعد حداثي حيث سفر روحانيّ يبقى محط شكٍّ هل هو تناسخ هندوسي أو هلوسات مرضى نفسيين وحديث أمواتٍ، إلى سرد منظوري يتعدد الساردون في تناول القصة الواحدة من عدة زوايا لينوب هؤلاء الساردون عن السارد العليم، وإلى السرد المتموضع بؤريًا حيث السرد محدود بقدرة كل سارد بما يملكه من معرفة ويتمكن من رؤيته فهم يبقون محبوسين ضمن مدياتهم المراقبة والمتأملة والساردة لا يتجاوزونها. لكن هؤلاء الساردون لا يؤدون وظائفهم السردية في معزل عن طبيعة النص وبنيته وتوزعه إلى أجزاء متعددة قائمة بنفسها، لها مكانها وزمانها وشخصياتها وكل جزء من أجزاء النص مقسَّم إلى نصوص أخرى قائمة بذاتها هي الأخرى. ولا شك أن الكاتبة وخبرتها وممارستها لفن القصة القصيرة مكَّنها من بُنية هذه النصوص نصًا نصًا فتجمعه مثل حبَّات في سلك، ثم تجمع حبَّات السلك مع حبَّات أُخَر مختلفة الأحجام والألوان، ليكتمل في النهاية عِقد القصة لكن السلك هنا ليس ماديًا بل أثيريًّا متخيلًا من عالم الأحلام.

إنَّ الأحلام في النص تلعب دور الممر بين العوالم والشخصيات، ويقتحم الحلمُ الواقعَ، لنجدَ في الختام أنَّ النص بأكلمه قد يكون حِلمًا، فثمة تشابه خفي بين الشخصيات رغم اختلاف زمانها ومكانها، فنحن لا نتعرف على هشام خطَّاب تماما حتى يصبحَ يزيد بن أبيه، ولا نقف عند واصل بن عطاء حتى يتراءى لنا الزنديق، ولا تحكي لنا مجيبة قصتها حتى تحضر بيلا أو ميرفت أو أيًا ما يكون اسمها، يتعدى هذا التجاوز والتداخل ليصل إلى النبات فهل هو ياسمين أو بومباكس، وهل ما كتبه يزيد بن أبيه ومالك بن عدي وواصل بن عطاء ومجيبة مكتوب أصلًا أو أنه من تهيُّؤات هشام وولعه المشبوب بالكتب التراثية وبحثه الدائم عنها وعلاقته السيئة مع أمه وهجران أبيه لهما وعلاقته الغريبة مع أستاذه الزنديق الذي آثر عيشًا غامضًا؟ فنحن نعلم بإقرار هشام أن نصوص يزيد ومالك وواصل ومجيبة قد كتبها هو مستعينًا بما نسخه من فقرات من الأصل الذي امتلكه أستاذه وحفظه في ذهنه، وفي خضمِّ كل هذا التداخل والتلاعب يبزغ سؤال من كتب نصَّ ليلى؛ النص الوحيد الذي كتب بضمير الشخص الثالث، السارد العليم، فبدلًا من سماع صوتها سمعنا صوت ساردها، فهل ليلى حقًا أمٌّ لهشام أو أنها نسخة مستقبلية من مجيبة الأمر الذي يثيره قتل هشام لها، أفيكون قد انتقم من مجيبة بقتله ليلى ثم ابتعاده عن بيلا التي ربما يرى فيها ظلًا لمجيبة، كل هذا يقودنا إلى أنَّ يزيد ثم خَلَفَه أو يزيد نفسه في عالم جديد يمثلان الذَّكَر الكاره للمرأة والمنتقم من نوعهن بسبب خطأ امرأة ارتكتبه بحقه، وهنا لا بد من استحضار شهريار الموتور وانتقامه المَرَضَيّ من النساء.

لا يجب أن نتعامل مع كل هذا التعقيد دون أن نضع احتمال تعاملنا مع النصِّ الحُلْميّ، وأن ما نقرأه ليس بالضرورة يُقصدُ به شيئًا أو يهدف للوصول إلى نقطة معينة أكثر من عبثية الحلم الذي يفقد الزمان سماته بالطول والقصر والسرعة والبطء ويفقد المكان حدوده وأبعاده، فالاقتراب والابتعاد والتغيّر والثبات والكبر والصغر والإدراك والالتباس والوضوح والغموض كلها تتمزج في بوتقة واحدة، لتصبح أي محاولة لفهم كنه هذا المزيج أو محاولة فصله ضربًا من الجنون فهو بمثابة أن تُلبس الخيالَ ثيابَ الواقعِ وتتعامل مع غير الموجود كأنه موجود، وما هذه بطبيعة النص ولا بالطريقة المثالية للتعامل معه.

لا يتحدث النص عن شخصيات بل عن أفكار تحضر في دنيا الأحلام، أفكار لأشخاص غير موجودين في عوالمهم التي يعيشون فيها، وربما تكون نسخهم الأصلية هي الموجودة فعلا لكن كيف السبيل إلى التيقن من هذا ونحن نعلم أن النص جزء من هشام أو يزيد الميْت، يزيد الذي هو ظلٌّ أو شخصٌ خلقه وَهْمُ فكرة ظنَّت من زياد بن أبيه، القائد الأموي ووالي البصرة، أنه يزيد بن أبيه. إنَّ الخيالية والحُلْمية مادة هذا النص وشخصياته وأفكاره، فليس ثمة مركزية في النص ولا حقيقة واحدة ولا عالم واحد ولا ذات واحدة، فالتعددية أو التشتتية هي التي تجعل النص يبقى دائرا في دوامات تتغيَّر بعد كل دورة فالنص يبدأ في نقطة واحد وينتهي في نقطة اثنان يبدأ منها وينتهي في نقطة واحد أو تبدو أنها النقطة واحد نفسها لكنها نقطة جديدة لها سياقاتها وعالمها، فيتركّب النص عالمًا إثر عالم لكننا لسنا متأكدين من أن هذه العالم المُركَّب في النهاية لا يوجد إلا في حُلْم هشام.       

النص المتحرك

تطغى الحركية على النص، فلا يثبت في مكان أو زمان محددين أو يدور حول شخصية دون أخرى، فهو دائم التنقل حتى فيما يخص النص نفسه فهو يتوزع على نصوص متعددة وهذه النصوص هي الأخرى تتوزع على نصوص أخرى، وتستمر الحركية مما يجعل إمكانية تعقب النص ومآلاته ليس بالمهمة اليسيرة، ويأخذ من عالم الأحلام سمة اللا تموضع فهو يبدأ من نقطة مجهولة ولا ينتهي في نقطة معلومة بل ينطلق دون أن يعي القارئ أين وقف أو سيقف. فيتمدد مصيرُ النص المجهول المتحرك على مصير الشخصيات جميعًا باستثناء ليلى ويزيد بن أبيه اللذين نعلم بموتهما، لكن وكما كان موت يزيد بن أبيه ليس النهاية فلا شيء يُمكن أن يؤكد أن موت ليلى هو نهاية شخصها وتوقف حياتها عن الحركة. تشمل الحركية بُنية النص المتركِّبة من عوالم مكانية مختلفة التي تبدو وكأنها تجري في عوالم متوازية رغم الفارق الزمني الذي هو الآخر متغيّر من نص إلى آخر حتى ذلك الذي النص المتكون من نصوص داخلية فإن الزمن فيها متغير وليس واحدًا، فثمة حركية ما بين الزمن الحاضر إلى الماضي البعيد والقريب ومن الماضي إلى المستقبل ومن المستقبل إلى الماضي، حتى داخل الزمن الواحد فثمة تفاوت وليست جميعها في آن واحد أو متتابعة مباشرةً دون وجود فارق كبير، فتتداخل هذه العوالم الزمنية والمكانية فتضيع الشخصيات بين هذه العوالم وتفقد إحساسها بالذات والزمان والمكان هذا الفقدان الذي يمنعها من التيقُّن من كل شيء فتصبح مُركَّبة من عدة شخصيات في شخصية واحدة، فتنتقل من شخصية إلى أخرى، حتى تلك التي لا تعاني من انخراط في عالم الأحلام ولا الابتعاد عن الذات هي ذاتُ شخصية متحركة لا تثبت على واحدة كما هو الحال مع ميرفت التي تحاول التشبًّه ببيلا تشبُّهًا يُقصيها عن ذاتها ويُقصي الآخر عنها. لم تتوقف الحركة حتى في التنقل المكاني لكل شخصية فهشام ينتقل من المنيا إلى القاهرة ثم يعود إلى المنيا، ومجيبة ترحل من البصرة إلى بادية السماوة حيث عاشت ردحًا من الزمن قبل أن ترحل إلى بغداد، الكل يتحرك ولا يستقر في الأحلام والروح والجسد على حدٍ سواء.    

تُخرج هذه الحركيةُ النصَّ بأكلمه من العاديّة والكلاسيكية إلى النص التجريبي الإبداعي بتقنياته السردية الحداثية وما بعد الحداثية والحفاظ على صلته مع أسلوب الرواية العربية الذي يعتمد على تعددية الرواة والأسانيد في السرد، فليس ثمة مركزية ولا منظور واحد بل ثمة صوت وحضور لكل الشخصيات الرئيسة (باستثناء ليلى التي حضرت لكن بضمير الشخص الثالث) وبجمع كل النصوص تشكَّل لدينا النص الروائي. يبقى السؤال عن اعتماد لغة ذات مستوى واحد تقريبًا رغم الاختلاف الزمني الكبير بين القرن الهجري الأول وزماننا الحاضر في الألفية الثالثة الميلادية التي يبدو التسويغ الوحيد المقبول لهذا التماثل اللغوي هو في كون نصوص البصرة لم تُنقل كما كُتبت في الأصل الذي احترقَ وانتهى إلى الأبد بل إنَّ من دوَّنها هو هشَّام سواء بما نسخه من فقرات أو تذكره، فهي نصوص ذات لغة تعود إلى لغة هشام لا الشخصيات في زمنها رغم محاولته الإبقاء على النَفَس والأسلوب اللغوي لذلك العصر لكنه لم ينجح إلا في الحفاظ على طبيعة النص الاعترافية والتقريرية لا أصالته اللغوية، وبهذا تُثار الشكوك حول السارد العليم الوحيد في الرواية في الجزء الخاص بليلى، الذي يبدو أنه هشام مما يدفع إلى الظن بأن هذا النص بأكمله مكتوب من هشام وكل شخصياته ليست إلا توهمات وخيالات في ذهن هشام الذي كتبهم وكتب نفسه.   

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى