الإنسان في الأدب الشعبي – الشعر نموذجا

م. عبدالله آل عبدان


حجم الخط-+=

“الراحة التي تشعر بها عند قراءةِ الأدب ليس سببها أنّك فَهمت، بل في إنك وجدت أخيراً من يفهمُك”. جورج أورويل 

إذا آمنا أن الأدب هو جزء من محاولات الإنسان للتعبير عن كينونته، فمن خلال الكتابة يستطيع الإنسان أن يرى انعكاسه فتتجلى أمامه (الحقيقة) كما هي، وهذا ما يتضح في الآداب الإنسانية عموماً، ولكننا هنا نحاول أن نسلط الضوء على نوعٍ محددٍ من الأدب العربي (أدب الشعر الشعبي) لأنه أكثر تداولاً وأوسع انتشاراً بين عامة الناس بسبب استخدامه للغة الخطاب اليومي، فهو يُعبر عن الإنسان العربي المعاصر باللغة العربية المحكيّة المعاصرة.

فكيف نرى الإنسان في الشعر الشعبي المعاصر؟

بفرض أن الإنسان كالقمر له جانبٌ مضيءٌ وآخر مُظِلم، فمن باب أولى أن يتضح ذلك في الشعر الشعبي المعاصر كون الأدب يعكس حقيقة الإنسان، ولكننا نادراً ما نقع على أبياتٍ تساعدنا على فهم الجانب المُظلم فينا من نقصٍ وضعفٍ وتقصير وأخطاءـ  رُغم أننا ننطلق من ثقافةٍ إسلامية أشارت إلى العديد من الجوانب المُظلمة في الإنسان عموماً:

قال تعال (إنّا عَرَضنَا الّأمّانة عَلَى السَّمَاوَاتِ والّاَّرضِ وَالَجِبَالِ فأبَينَ أن يَحمِلَنَهَا وأشفَقنَ مِنّهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) الأحزاب (آية 72)

وقال تعالى (وَيَدعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالّخَيرِ وَكَانَ الإنسَانُ عَجُولًا) الإسراء (آية 11)

(وإذَا أَنعَمنَا عَلَى الإنسَانِ أَعرَضَ وَنَأّى بِجَانِبِهِ وَإذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا) الإسراء (آية83) 

(وكان الّإنسَانُ أكَّثَرَ شَيءٍ جَدَلا) الكهف (آية 54)

وكما وردت العديد من الأحاديث النبوية في هذا الصدد منها على سبيل المثال لا الحصر:

عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “لا يَزَالُ قلبُ الكبيرِ شاباً في اثنتينِ: في حُبِّ الدنيا، وطَولِ الأمَلِ”ـ صحيح البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)ـ صحيح مسلم.

كل تلك الإشارات التي تساعدنا على فهم واستيعاب الجانب المُظلم في الإنسان نجد أنها نادراً ما تظهر في الشعر الشعبي وكأننا نخجل من حقيقتنا أو نحاول أن نُظهر (الإنسان المُتمنى) أو (الإنسان المُتخيل) الفاضل الكامل القوي، فأشعارنا الشعبية تزخر بالقيم الفاضلة والنصح والحكمة والافتخار، ولكنها تتقهقر عند الاقتراب من حقيقة النقص وذكر العيوب! كأننا نرسم صورةً متمناةً عنّا، ليست نحن! ولكنها ما نشتهي أن نراه فينا. ومما لا شك فيه أن الشيء عندما يكونُ نادراً يُصبحُ ثميناً، فيجدر بنا الإشارة إلى نماذج شعرية تُظهر جوانب إنسانية حقيقية وليست مزيفة، وهذه النماذج واقعية تمثل التقاطع بين فضاء الشعر الشعبي العام والبيئة الاجتماعية التي أنطلق منها:

يقول سلطان بن وسام الهاجري:

ترديت!! لكني ترديت في رجال

ليا طِبت علَّم وان ترديت ما علَّم

وما فيه طيّب ما تردى بخاطي حال

يبيها وكنّه، مير مربوط ومْبلّم

(الردى) هو عكس (الطيب) في المفهوم العامي والبيتان اعترافٌ صريح بارتكاب المحظور الاجتماعي (الردى)، وهذا اعترافٌ عزيزٌ بأن الإنسان ليس فاضلاً دائماً بل يرتكب الخطأ وأحياناً عامداً وكما في المثل الدارج (المرجلة تحضر وتغيب) ولكنه مرر هذه الحقيقة في سياق مدح الصديق الذي يستر الردى ويُبرز الطيب في صاحبه.

ويقول مانع بن سلمى آل فهاد:

ولا يُلدَغ المؤمن من الجُحر مرتين

وأنا مؤمنٍ ولْدِغت منَّه مية مرَّة

مع التجربة والتجربة سيف ذو حدين

ويستاهل إللي عاش ويعاود الكَرَّة

وهنا ابداعٌ من الطراز الرفيع حيث ضمَّن الشاعر الحديث النبوي (لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين) وهذا صواب، واعترف بأن الإنسان قد يخالف الصواب رغم معرفته به وهذا من طبيعة الإنسان، ثم وضح أن التجربة قد لا تؤدي إلى نتيجة إيجابية بالضرورة (كالمعرفة) أو (معرفة الصواب) بل أحياناً قد تؤدي إلى نتائج أخرى وختم بـ(يستاهل اللي عاش ويعاود الكرة).

ويقول هادي بن مانع:

اسمي عزيز وخاطري وسْطَه حْسوس

ودي !!ولا ودي!! وأخاف الملامة

جيتك وأنا ضايق وناقصني فلوس

ورجعت ناقصني فلوس وكرامة

البيت الثاني على وجه التحديد لاقى رواجاً واسعاً لصراحته وملامسته لحقيقة نفسية جوهرية: جُزءٌ من كرامة الإنسان يُصرف في الطلب وإما أن يتحول هذا الجزء من الكرامة لأمر إيجابي (إجابة الطلب) وإما يتحول إلى أمرٍ مؤلم (نقص في الكرامة) بسبب استنزاف جزء منها في الطلب مع انعدام الإجابة، وهذا التصوير لهذه الحقيقة يُعد غير مسبوق (في رأيي على الأقل).

ويقول سلطان بن بندر:

أنا ليه ألوم الآدمي دام كني ياه؟

ويمكنّي أمحق منْه لو جيت في ثوبه

هروج السعة دايم تفصَّل على المشهاة

وكم كلمةٍ في الضيق ما هي بمحسوبة

غدينا كرامٍ كُلنا وأهل وجه وجاه

سترنا الرخا حتى نسى الرجل عذروبه

يتساءل الشاعر مُستفهماً ومتعجباً عن إصدار اللوم أو الحكم على (إنسان ما) مع الأخذ بعين الاعتبار أننا بشر  نتشابه في الدوافع و الانفعالات ولو وُضِعنا بموضع الشخص المُلام قد نكون أسوأ منه في التصرف، ثم وضح أن كلام الإنسان في (السعة) أي (وقت الخير و العافية) يكونُ حسناً وجميلاً وهذا ما قد يتغير في حال تغيرت الظروف، وبعد ذلك في مقابلةٍ بلاغيةٍ جميلة أشار إلى أن كلام الإنسان كذلك وقت (الضيق) قد لا يكون محسوباً لأن الإنسان يكون واقعاً تحت تأثير الشدَّة التي قاساها، وختم بوصفٍ يعبر عن واقع نعيشه (من رخاء وعافية) سترنا وأخفى حقيقتنا وضمَّن ذلك بنقدٍ اجتماعي (حتى نسى الرجل عذروبه) حتى نسينا سوءاتنا ومثالبنا.

هذه النماذج أعلاه لشعراء معاصرين عبَّروا عن فلسفتهم ورؤيتهم تجاه الإنسان بلغة شعرية رفيعة وهذه النماذج من وجهة نظري أنها لن تفقد قيمتها المعنوية لو ترجمت إلى لغات أخرى لأنها قدمت مضموناً إنسانياً يُعبر عن الإنسان عموما وإنسان العصر على وجه الخصوص ـ ومن أسباب نُدرة مثل هذه النماذج الشعرية الإنسانية أننا مجتمع جُبل على حب القوة والكمال وتقديسها أياً كانت تمظهراتها حتى وصل بنا الحال إلى تفضيل (القوة والكمال) زيفاً وادِّعاءً على الاعتراف (بالنقص والخلل) الحقيقي، ومجاهرة الشاعر بالفضيلة قد تكون بسبب سعي الإنسان إلى نيل القبول من المجتمع، وجوهر الحظوة الاجتماعية لو تمعنا بها لوجدنا أنها لن تتأتى من خلال الادعاء ولن يحظى الفرد بالقبول المجتمعي إلا بعد القبول الذاتي (أن تقبل ذاتك أولاً) تقبلها بعيوبها وقصورها، وكيف للشاعر أن يقبل ما يجهل؟ (الذات)، من هنا تاهت الحقيقة وأصبحت هنالك فجوة بين صورة الإنسان في الشعر وحقيقته التي يعيشُها، وأصبح معظم الشعر الشعبي المعاصر لا يعبر عن حقيقة الإنسان بل يدور في دائرةٍ مغلقة من المضامين المتفق عليها اجتماعياً ويُعيد صياغتها مُستنجداً بتحديثٍ في الصورة الشعرية فقط ومتباهياً بالمحسنات البديعية مع انعدام تحديث المضمون ـ كما أن مسألة تقديس المجتمع (للقوة والكمال والفضيلة) ليست مُبرراً كافياً لنوهم أنفسنا بأمرٍ زائف عن إنسان العصر من خلال أدبنا (الفاضل والنبيل) ونغفل التعبير عن (الحقيقة) ونتوقف عن محاولات سبر غور النفس البشرية ـ لأن أهمية الحقيقة تكمن في أننا عندما نُدركها ونستوعبها جيداً سوف نعرف كيف نتعامل معها، بالإضافة إلى أن معرفة الحقيقة تقودنا إلى التصالح مع الذات وتقبلها بعلّاتها وعيوبها، وكذلك امتلاك المعرفة تجاه طبيعتنا الإنسانية تجعلنا عذّارين مسامحين وأكثر لطفاً في التعامل مع هذا المخلوق المليء بالتناقضات (الإنسان).

المقال دعوة لكل المهتمين بالأدب الشعبي خصوصاً والعربي عموماً (شعراء، نُقاد، متذوقون، ومتداولون) علينا أن نحتفي بالأدب الذي يُعبَر عن الجوانب الإنسانية فينا من خلال استيعابنا للمضامين المقدمة من خلاله وتداوله (تمثلاً واستشهاداً) وإحياء الملكة النقدية كتابةً وقراءةً وإلقاءً في المجالس لنفض الغبار المتراكم عن كاهل الأدب العربي العليل، فإذا كُنا غير صادقين تماماً في الواقع فيجب ألا نُلوث الأدب بما تلوث به الواقع من زيفٍ وادعاء.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى