نيكولو مكيافيلي (1469-1527)

Great Thinkers


حجم الخط-+=

ترجمة: عبد الرحمن يونس 

تنقسم النظرة العامة للسياسيين بين ما نأمله منهم وبين خيبة أملنا فيهم. وتسببت بهذه النظرة فكرة مثالية ترى أن السياسي يجب أن يكون بطلاً مستقيماً، رجلاً كان أو امرأة عليه أن يعيش حياة شريفة وأن يتحَّلى بالمبادئ وسط مستنقعات السياسة الآسنة، مع ذلك فإننا نندفع ساخرين عندما نرى كمية الصفقات التي تجري في الخفاء ومدى الكذب الذي يقوم عليه العمل السياسي. فنلاحظ أننا نتخبط بين آمالنا المثالية وخوفنا المتشائم من شر السياسة. ومن المدهش أن الرجل الذي اشتقت من اسمه كلمة مكيافيلي، وهي كلمة تستخدم غالباً لوصف أسوأ المكائد السياسية، يساعدنا على فهم مخاطر هذا الانقسام المضني. تشير كتابات مكيافيلي إلى أن السياسي قد يكذب أو ينافق وأن هذه الأفعال يجب ألا تدعو إلى الاستغراب، لكن في المقابل  هذا لا يعني بالضرورة أن السياسيين أناسٌ أشرار في ذاتهم أو منعدمو الأخلاق لإقدامهم على هذه الأفعال، بل السياسي الجيد -من وجهة نظر مكيافيلي- ليس اللطيف أو الصادق أو من يكون ظاهره كباطنه، بل قد يكون في بعض الأحيان مظلم وماكر، من يعرف كيف يدافع ويجلب الثراء والغنى ويظفر بالنصر لشعبه ودولته. عندما نتصور هذا المفهوم بوضوح تصبح نظرتنا أقل سوداوية عن ماهيّة السياسي وطريقة عمله.

ولد نيكولو مكيافيلي في فلورنسا – أيطاليا عام 1469، كان والده من أصحاب الثراء ومحاميا ذا نفوذ، نتيجة لذلك تلقى ميكافيلي تعليما رسميا شاملاً وحصل على وظيفته الأولى في سكرتارية المدينة في أرشفة المستندات الحكومية. لكن هذا الوضع لم يدم مدة طويلة، فبعد مدة قصيرة من توظيفه، انفجر الوضع سياسياً في فلورنسا، فطُردت عائلة ميديتشي التي حكمت ستين سنة، وعانت عقودًا من عدم الاستقرار السياسي في عواقب سلسلة من الانتكاسات المهنية حسب مكيافيلي. انشغل مكيافيلي بقضية جوهرية في السياسة: هل من الممكن وجود سياسي جيد ويكون في ذات الوقت إنساناً صالحاً؟ من الواضح أن مكيافيلي كان يملك ما يكفي من الشجاعة ليواجه الاحتمالات المأساوية وبالنظر الى الطريقة التي تسير فيها الأمور في العالم فإن الإجابة عن سؤاله هذا هو لا. هو لا يرى أن تطور السياسي يأتي بسهولة عندما يتجرد من مبادئه فحسب، بل يقودنا إلى التفكير بأكثر الاحتمالات ظلاميةً، والتي تفترض أن السياسي الذي يقوم بدوره على نحوٍ صحيح ويطبق أبجديات السياسة سيتعارض في النهاية مع كونه إنسانا صالحاً.

كتب مكيافيلي أشهر أعماله الأمير عام 1513، ويتحدث فيه عن طريقة الاستيلاء على السلطة والحفاظ عليها، وما الذي يجعل الناس قادة مؤثرين. قدم مكيافيلي رؤيته التي تقترح أن المسؤوليات الرئيسة التي تقع على كاهل الأمير الجيد هي أن يحمي الدولة من التهديدات الخارجية والداخلية ليحافظ على حكمه مستقرا، هذا يعني أنه يجب عليه أن يعرف كيف يقاتل، لكن ما يفوق ذلك أهمية، هو إدراكه كيفية السيطرة على الأشخاص الذين من حوله والحفاظ على سمعته، يجب ألا يظن الناس أنَّ الأميرَ ضعيفُ الجانب سهلُ المنال حتى لا يعصونه وينقلبوا عليه، ولا أن يكون متسلطاً فيجعل شعبه ناقماً عليه، بل في أن يكون صارما متعقلاً. وعندما انتقل الى السؤال التالي هل من الأفضل للأمير أن يكون مَهيب الجانب أو محبوبا؟ أجاب مكيافيلي نظريا لمن الرائع أن يجمع الأمير بينهما، ويجب عليه أن يكون مَهيبَ الجانب لأن ذلك في النهاية هذا هو ما يبقي الناس تحت السيطرة.

لقد كانت أكثر نظريات مكيافيلي تطرفاً وتميزاً في ذات الوقت هو رفضه للمفهوم المسيحي الذي يتبنى الفضيلة صفةً أساسية لأفعال القادة. لقد كان المفهوم المسيحي المعاصر لمكيافيلي  يرى أن على الأمير أن يكون رحيماً مسالماً وسخياً متسامحاً في أفعاله. هذه الأفكار في المفهوم المسيحي هي ما تصيّر السياسي سياسياً جيداً، باختصار على السياسي أن يكون مسيحياً ملتزماً. لكن مكيافيلي اعترض بقوة على هذه المفاهيم، وطلب من قرائه فهم عدم التوافق بين الأخلاق المسيحية والحكم الجيد عبر قضية جيرولامو سافونارولا. كان سافونارولا مسيحياً ملتزماً أراد بناء مدينة للرب على الأرض في فلورنسا، لقد بشر ضد تجاوزات واستبداد حكومة ميديتشي، وتقلد مفاتيح الحكم في فلورنسا عدة سنوات وأدار الدولة بالعدل والمساواة والصدق. في النهاية لم يدم نجاح سافونارولا طويلاً لأنَّ حكمه –حسب مكيافيلي- ضعيفٌ، والضعف يرافق دوماً من يكون مسيحياً صالحاً. ولم يمضِ زمنٌ طويل حتى أصبح نظام حكمه يشكل تهديداً للبابا الفاسد ألكسندر، فقبض عليه أتباع البابا وعذبوه ثم شُنقَ وحُرقَ وسط مدينة فلورنسا. هذه النهاية من وجهة نظر مكيافيلي هي نتيجة حتمية للأشخاص المغفلين (الطيبين) في السياسة، ففي آخر المطاف ستواجههم عقبة كأداء لا يستطيعون تجاوزها بالمبادئ الكريمة واللطف والأدب لأنهم وبلا شك سيواجهون مَن يُنافسهم بلا شرف. السياسي عديم المبادئ ستكون لديه دائما اليد العليا في المنافسة وسيكون من المستحيل الانتصار عليه بطريقة لائقة، لكن سيكون الفوز عليه في النهاية ضرورة حتمية لإبقاء المجتمع آمناً.

بدلاً من إتباع هذا المثال المسيحي المؤسف، يشير مكيافيلي الى أن القائد عليه أن يستخدم بحكمة ما أسماه في عبارته المتناقضة “الفضيلة الجنائية”. قدم مكيافيلي بعض المعايير التي تُكوِّن الاستخدام المناسب للفضيلة الجنائية: إنها ضرورية لحماية أمن المجتمع، يجب أن تتم بسرعة وسرية، ولا يجب أن تُكرر بكثرة خوفاً من تراكم الوحشية الهوجاء. قدم مكيافيلي معاصره سيزار بورجيا مثالا على ذلك، وقد أُعجبَ به مكيافيلي قائدا كثيرا، على الرغم من أنه لم يرغب بصداقته. عندما غزا سيزار مدينة سيسينا، أمر أحد مرتزقته، يُدعى ريميرو دي أوركو، أن يبسط سيطرته على المنطقة، نفذ دي أوركو الأمر بسرعة ووحشية، وقطع رؤوس الرجال أمام أطفالهم وزوجاتهم، ونهب ممتلكاتهم وأخصى الخونة، انقلب بعدها سيزار على دي أوركو نفسه وقتله ومزَّقه إلى أشلاء ووضعه في الساحة العامة، فقط ليذكر الناس بالحاكم الحقيقي للمدينة. وكان ذلك كافيا -وكما لاحظ مكيافيلي مستحسناً- بعد ما أريقَ من دماء لينتقل سيزار إلى سياسة خفض الضرائب، واستيراد بعض الحبوب الرخيصة، وبناء المسرح وتنظيم العديد من المهرجانات الجميلة لينسي الناس الذكريات الأليمة. 

منعت الكنيسة الكاثوليكية أعمال مكيافيلي على مدى 200 سنة لحجته القوية في جدال أنَّ المسيحي الصالح هو شخص غير مؤهل ليكون سياسياً جيداً. لكن أعمال مكيافيلي وأفكاره كانت مهمة حتى للذين لا ينتمون إلى المسيحية أو ليسوا سياسيين. لقد كتب بأننا لا يمكن أن نكون جيدين على قدم سواء في كل تصرفاتنا وأفكارنا، بل يجب أن نولي الأهمية الأكبر للحقول التي نطمح للتميز فيها، ونترك البقية لأوقات الفراغ. وهذا ليس بسبب قدراتنا المحدودة فقط بل بسبب الصراع الذي ينشأ ضد المبادئ الأخلاقية. تتطلب منا أحياناً بعض الحقول التي تتمحور حياتنا حولها -حتى إن لم تكن أميرا فربما العمل أو الحياة الأسرية أو أي شكل من أشكال الولاء والمسؤولية- اتخاذ قرارات مصيرية قد تقوض مبادئنا الأخلاقية، وقد نضطر للتضحية بما نؤمن به من لطف لأجل مصالح العمل أو قد نكذب للحفاظ على استمرار علاقاتنا، أو نتجاهل مشاعر القوى العاملة لأجل إبقاء العمل مستمرا. هذه المفاهيم كما -يصر عليها مكيافيلي- هي ضريبة التعامل مع العالم في ماهيته الحقيقية، وليس كما نحب أن يكون. وفي مسعاه الدائم والمصرِّ في التعامل مع هذه الحقيقة غير المحبَّذة سيستمر تقبُّل العالمِ لمكيافيلي ورفضه على حد سواء. كان مكيافيلي ضحية لسوء فهم طبيعي، لقد بدى أنه ينتمي إلى الجانب البلطجي أو المجرمين، وأنه يشجع الأشخاص الدنيئين والقساة بيد أنَّ نصيحته الصارمة -حول أن تكون قاسياً- هي أفضل توجيه لأولئك الذين قد يخاطرون بفقدان ما يهتمون به لأنهم في اللحظات الحاسمة قد لا يكونون قساةً بما فيه الكفاية.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى