اللقالق

هانس كريستيان أندرسن


حجم الخط-+=

ترجمة: عبد الله أحمد

في المنزل الأخير من قرية صغيرة بُني عش لقالق، الأم تقعد محتضنة أبناءها الأربعة الذين لا يكفون عن محاولة تمديد أياديهم عالياً بمناقيرهم السوداء الصغيرة التي لا تزال تستمر بالنضوج لتصل إلى اللون الأحمر علامةَ نضوجٍ تام. وفي الجهة المجاورة لزاوية العش، ينتصب الأب نافخاً ريشه انتصاباً شامخاً، سحب قدم ووقف على قدمٍ واحدة ولم يغير ذلك من شدة وقفته الصارمة، فكر مليّا يبدو أن من يراني الآن يظن أن يجب علي الوقوف، ويعتقدون أني مجبراً على الوقوف، لا يعيون أنني زوجها ويبدو ذلك في منتهى الأرستقراطية. 

في الطريق المنحدر إلى العش، كان بعض الصبية الصغار يغنون بأصوات عالية، أكثرهم شجاعة بدأ بالغناء عن اللقالق وتبعه الباقون، كانت هذه هي الكلمات التي غنّوها وكل واحد غناها بالطريقة الخاصّة به.

” أيها اللقلق، أيها اللقلق، 

حلق بعيداً.

لا تقِف على أي قدم. 

نرى زوجتك تقطنُ في العش،

مع صغارها في سِلم.

سنشنقُ واحدًا ونقلي الآخر،

ونصطاد الثالث ونشوي أخاه”. 

صاح أحد اللقالق الصغار ’أتسمعون ماذا يغنون في كلماتهم؟ سيشنقوننا ويقومون بشوائنا‘.

ردت الأم ’لا تهتم لما يقولونه، لن يؤذونا‘. 

استمر غناء الصبيّة الصغار قاصدين به الإيذاء باستثناء صبي يدعى بيتر، كان يقول لهم من المخزي أن نستهزئ بالحيوانات ورفض الانضمام لغنائهم.

هدأت الأم من روع أبنائها الصغار، وقالت ’أنظروا كيف ينتصبُ والدكم شامخاً بقدم واحدة!‘.

رد أحد الصغار وقال ’نخشى من طيش الصبيّة يا أماه!‘. 

في اليوم التالي، حين كان الصبيّة يلعبون رأوا اللقالق وبدأوا بالغناء مجدداً:

“سنشنقُ واحدٍ و نقلي آخر،

ونصطاد الثالث ونشوي أخاه”. 

سأل أحد الصغار أمه قائلاً ’هل سنُشوى ونشنق يا أماه؟‘.

ردت الأم ’بالطبع لا، سأعلمكم كيف تطيرون، وحينما تتقنون الطيران، سنطير إلى المراعي الخضراء بجوار الأنهار ونسمع طقطقة الضفادع وهي تصيح: نُق ، نُق. وستستمتعون بأكلهم‘.

’ماذا سيحدث بعدها يا أمي؟‘.

’سيجتمع كل اللقالق في وقت الخريف لكي يطيروا في الهجرة الموسميّة نحو الأماكن الخضراء، ولهذا يجب عليكم إتقان الطيران، وعندما لا يستطيع أيٌ منكم ذلك سينفيه قائد السرب ثم سيُقتل، لذا يجب عليكم تحمل آلام التدريب والتعلم من أجل الطيران حين يحين الوقت‘.

’إذًا، قد نُقتل في نهاية الأمر! كما يقولون الصبيّة في غنائهم‘.

’استمعوا إليّ ولا تلقوا لهم بالا، عندما يحين يوم الاستعراض الكبير وتنجحون فيه، سنحلق عاليًا إلى بلاد دافئة، حيث الغابات الخضراء والجبال الشاهقة سنحلق إلى مصر، حيث ستشاهدون منزلٍ بشكلٍ ثلاثي مبني من الحصى وحافته العليا تصل للغيوم، يُطلق عليها الاهرامات وهي قديمة جداً ويحيطها نهرٌ ضخم مليء بالمستنقعات. سنتجول فيها ونأكل الكثير من الضفادع‘. 

صرخ أحد الصغار قائلاً ’مرحى!‘.

’إنه مكان مليء بالمتعة الخلابة! سنأكل الكثير والكثير‘. 

’هنا في هذا المكان، سيكون الطقس بارداً جداً وستتجمد الغيوم وتتساقط على الأرض كُريات بيضاء، ولن تجد جذع أخضرَ واحداً على الشجر‘. 

سأل أحد الصغار ’هل سيجمدُ الصبية ويتساقطون على الأرض؟‘. 

’كلا، لن يتجمدوا ويتساقطوا ولكن سيكون الطقس بارداً جدًا مما يجبرهم على البقاء في غرفة باردة ومظلمة طوال اليوم، في حين نطير نحن فوق الأراضي المزدهرة‘. 

مر الوقت سريعاً، كان الصغار يكبرون يوما تلو آخر حتى بدأوا يقفون على العش بصلابة وكل واحد ينظرُ إلى لأخر، جلب لهم الأب ما طاب من الضفادع اللذيذة والثعابين الصغيرة وكل ما كان محبباً للصغار. وكان يقوم ببعض الحركات البهلاوانية التي تجلب السعادة للصغار، وكان يخبرهم بالقصص والمغامرات التي واجهها. 

صاحت الأم ’اجتمعوا. لقد حان الآن وقت تعلم الطيران‘. 

وقف الأربعة على حافة العش، بدء الأمر مرعباً، أخبرتهم عن أولوية وزن الجناحيّن، وكانوا على وشك القفز على الأرض. وقالت ’عليكم تثبيت الرأس بهذه الطريقة، ونفخ أجنحتكم بهذه الطريقة، واحد! اثنان! ثلاثة! بهذه الطريقة. والآن اصبحتم قادرين على العناية بنفسكم‘. 

سبقتهم الأم بمسافة حتى يتسنى لهم التدرب على اللحاق بها، لكن محاولتهم باءت بالفشل. 

صرخ أحدهم قائلاً وهو يعود إلى العش ’لا أريد أن أطير! لا أهتم بالذهاب إلى الدول الدافئة‘. 

قالت الأم ’أتريد أن تربض هنا وتموت مجمداً عندما يحين الشتاء؟ أو تريد مني أن أجلب الصبيّة لكي يشنقوك أو يشووك؟‘. 

صاح ’كلا لا أريد ذلك!‘. 

ثم قفز من العش مع أخوته المتبقين واجتمعوا معا. 

بعد اليوم الثالث، أصبحوا قادرين على الطيران قليلاً، بعدها أصبحوا قادرين على إراحة الأجنحة أكثر، وجب عليهم ثني الأجنحة أكثر وأسرع. 

عاد الصبية مرة أخرى:

“أيها اللقلق، أيها اللقلق، 

حلق بعيداً”. 

’هل نحلق فوقهم ونخلع أعيُنهم؟‘.

ردت الأم ’دعوهم وشأنهم، انتبهوا لما هو أهم:

واحد، اثنين، ثلاثة، إلى اليمين!

واحد، اثنين، ثلاثة، إلى اليسار!

راعوا بينهم بالاتزان، أحسنتم!‘. 

أكملت الأم تعليماتها ’لكي تتمكن من الطيران جيدا، على الرفرفة الأخيرة أن تكون متزنة وأكثر مرونة. أحسنتم، الآن أسمح لكم بالطيران معي في المستنقعات، كلما كنتم أكثر كفاءة في الطيران كنتم أعلى في السرب الموسميّ، وأتمنى منكم أن تبذلوا أفضل جهد في يوم الاستعراض الكبير لكي تُتوَّجوا جزاء عملكم بطريقة تدعو للفخر والاحترام‘. 

’هل سنعاقب الصبية المشاكسين؟‘ سأل أحد الصغار. 

’كلا، دعهم يصرخون ما شاؤوا، ستستطيعون الطيران عالياً وتتجاوزون السحاب، وحينما نكون في الأراضي الأهراميّة، سيتجمدون من البرد القارس ولن يجدوا تفاحة لأكلها‘.     لم يستمر أحد من الصبية الصغار، الذين بدأوا الغناء، في غنائه، حتى صاحب الست سنوات الذي بدأها، لكن اللقالق الصغار لا تعرف كم يبلغ الصبية الصغار من العمر، ولكن بدوا لهم بالغين في السن.

كبرت اللقالق الصغار على أنغام تلك الأغنية، وكانوا في كل مرة يغنينها الصبية، يشتاطون غضباً أكثر، لذلك سمحت لهم أمهم بأخذ الثأر من الطفل الصغير الذي بدأ تلك الأغنية المشينة. ولكن سيكون ذلك في اليوم الذي سيغادرون فيها للبلاد الدافئة. 

قالت الأم ’لا بد لنا من الانتظار، حتى نشاهد ماذا يمكنكم فعله في يوم الاستعراض الكبير، إذا قدمتوا عرضاً سيئاً سيطردكم قائد السرب ويقتلكم وتتحقق أمنية الصبية الصغار‘. 

رد أحد اللقالق الصغار ’ستشاهدين ما يذهلك‘. 

بدأوا الصغار بالتدريب بإتقان، وصاروا يصرخون ’سنأخذ حقنا بالانتقام‘. 

بدء اللقالق الصغار التدريبات القاسية كل يوم، وبدأوا بالطيران الجريء أكثر وأكثر.

وصل الخريف وبدأت اللقالق بالتجمع للذهاب إلى البلاد البعيدة الدافئة. وتحضَّروا للاستعراض الكبير، بدء الاستعراض بالطيران فوق القرى والغابات المجاورة ليختبر القائد الكبير اللقالق الصغار للرحلة الطويلة الشاقة. كان نجاح اللقالق الصغار مذهلاً مما أهلهم للحصول على وسام الفخر، والضفادع والثعابين هديَّةً قيِّمةً لنجاحاتهم. 

صرخوا جميعا ’هيا بنا نأخذ بثأرنا!‘. 

قالت الأم ’بالطبع. فكرت بأفضل طريقة للانتقام وتوصلت لمعرفة أين يقطن تلكم الصبية، يقطنون بجوار مستنقع تحوم حوله الكثير من اللقالق السعيدة، يسعد جميع الآباء بالحصول على طفل، ويبتهج الأطفال بمجيء أخٍ أو أخت. ما سنفعله الآن هو الذهاب إلى ذلك المستنقع، وجلب طفل لطيف لكل من الصبية الذين لم يغنوا تلك الأغنية‘. 

سألت اللقالق الصغار جميعا ’وماذا عن مؤلف تلك الأغنية؟ ماذا سنفعل له؟‘ 

قالت الأم ’في ذلك المستنقع، ثمة طفل صغير ميت، سنجلب هذا الطفل الميت إلى ذاك الذي أراد الموت لنا وسيعوِّل لأننا جلبنا له أخا صغيرا ميتا. لكن لا تنسوا ذلك الطفل الصغير الذي لم يغنِ تلك الأغنية وقال إنه من المخزي أن نضحك على الحيوانات، كان اسمه بيتر، وستسمون أنفسكم مستقبلاً باسم بيتر‘. 

فعلوا ما أمرت أمهم به، وأطلقَ عليهم اسم بيتر منذ حينها وحتى اليوم.

 من مجموعة حكايات خرافية

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى