حوار مع عبد الرزاق قرنح عن “الاستعمار وتبعاته ما يزالان حاضريْن معنا”

حاوره: ماركو وِرمَن


حجم الخط-+=

ترجمة: صائل البحسني 

أفعمَ الأسبوعُ الماضي الروائي عبد الرزاق قرنح بفورة أدرينالين. ومنذ أن رن هاتفه حاملاً نبأ فوزه بجائزة نوبل للآداب، ما نال من لحظات الهدوء إلا القليل.

وُلِدَ قرنح، البالغ الآن الثانية والسبعين من عمره، في زنجبار*، وهي أرخبيلُ جزرٍ صغيرة وشبه مستقلة بذاتها تقع قبالة ساحل البر الرئيس لما يُسمى تنزانيا، غير أنه أمضى الكثير من سني شبابه وكهولته في المملكة المتحدة، التي وصلها وهو في الثامنة عشر من عمره لاجئا في سنوات الستينيات من القرن العشرين. 

يستمد الروائي قرنح من تجاربه الشخصية مادته الأدبية التي تمثلتها أعماله العشرة، من ضمنها “عبر البحر” By the Sea و”تعظيم الصمت” Admiring Silence و”ذاكرة الرحيل” Memory of Departure و”درب الحجيج” Pilgrims Way ، و”الفردوس” Paradise التي رشحتْ لجائزة البوكر. تناولت آخر رواياته “حيوات جديدة” Afterlives الاستعمار الألماني في شرق إفريقيا مطلعَ القرن العشرين. 

وفي إعلانها عن الفائز بجائزة نوبل في الأدب يوم الخميس، صرحت الأكاديمية السويدية أن منح قرنح الجائزة كان تقديراً لما لكتاباته من “نفاذ شفيقٍ لا يلين إلى تأثيرات الاستعمار وقدر اللاجئ في الهوة الفاصلة بين الثقافات والقارّات”.

وفي يوم الجمعة، انتقد قرنح ما أبانت عنه الحكومات من “انعدام الشفقة”، بما فيها حكومة بريطانيا التي تعامل المهاجرين معاملتَها مشكلةً أو تهديداً. وأشار إلى أن المحن التي يواجهها المهاجر لم تقِلّ مذ غادر هو بلاده زنجبار.

انضمَّ عبد الرزاق قرنح إلى مُضيف إذاعة The world ماركو وِرمَن للحديث حول ما يَحفزه على مواصلة استكشافه التعبات الباقية للاستعمار في أعماله الأدبية، كذلك حول قدرة الأدب على إعانتنا على فهم مأزق “الآخر”. 

 

ماركو ورمن: الشخصيات التي نقابلها في قصصك– هل هي شخصيات أناس نشأت معهم في زنجبار؟ 

عبد الرازق قرنح: قلةٌ منهم، ثلة قليلة. نشأت شخصياتي معي في ذهني، في خيالي، فهي كما أنت. إنهم على نحوِ ما كيف ترى معقولية الناس الذين تحاول تصويرهم أو بعثهم في كتاباتك. 

ماركو وِرمَن: فعلا. إنَّ الكثير من هؤلاء الناس الذين تبعث فيهم الحياة بذكاء يعانون جراحاً من صميمهم، جراءَ أمورٍ وقوى شتَّى. ما الذي جرحهم وكيف يتجاوبون معه؟ 

عبد الرزاق قرنح: طبعاً جمعينا نُجرَح، عاجلاً أم آجلاً، وهذه هي التجربة، بنحوٍ ما. ما ينتج لدينا عن ذلك هو جزءٌ من العملية التي تثير اهتمامي. ما الذي يجعل الناس يواجهون في بعض الأحيان ظروفاً ظالمةً وقاسيةً- لكن ليس دوماً.. في بعض الأحيان ظروفَ مودةٍ وحب، وما إلى ذلك. لكن ما الذي يجعل الناس إذًا، يستذكرون شيئا ما من بين ألمٍ وصدمة؟ إنني مهتم بذلك. 

ماركو وِرمَن: يدور الكثير مما يتعلق بالألم والصدمة حول تخوم الاستعمار. لقد قلت في مقابلة ظهرتْ مؤخراً إنك تكتب القصص المنغمسة في الاستعمار لأن ذلك ما يشغلك. إنه ما تُعنى به. لماذا يهم أن تكتب عن الاستعمار اليوم والآن؟

عبد الرزاق قرنح: إن الأمر جزء من واقع معاصر. ليس معنى ذلك أن الاستعمار قد ولى- فالاستعمار وتبعاته ما يزالان حاضرَين معنا. لكن في الواقع، وعلى نحو كبير جداً… فإن فالاستعمار الأوروبي حوَّل العالم. لك أن تفكر في أمريكا الشمالية، وأن تفكر في الهند، لك أن تفكر في العالم المحيطي، أن تفكر في أمريكا الجنوبية، بل -وفي زمنٍ أقرب- أن تفكر في عالم بلدان المحيط الهندي. وعليه فإن الأمر ليس بحدث تاريخيّ قديم جدًا. إنه حدثٌ وقعَ منذ عقود قليلة، غير أن عواقبه ذاتَ وجود مستمر بيننا.

ماركو وِرمَن: تجري وقائع أحدث رواياتك “حيوات جديدة” في حقبة الحرب العالمية الأولى. أمر واحد دائما ما هزني، أنا الذي عشت في غرب إفريقيا لما يقارب أربع سنين، ألا وهو دركات الاستعمار. الحرب العالمية الأولى كانت محض دركة من تلك الدركات، سبقها التنافس على إفريقيا، ولحقها حقبةُ ما بعد الحرب العالمية الأولى من تقاسم القارة، ثم الحرب العالمية الثانية وإعادة تقاسم آخر لحدودٍ جديدة. كيف ترى هذه الدركات وهي تبُنى الواحدة فوق الأخرى؟ أي جزء كان أكثرها تهديما؟ 

عبد الرازق قرنح: نعم، إن لدى كل منها لحظاتها، تعلم ما أقصد؟ يعتمد الأمر على تجربة بعينها من تجارب الاستعمار، أمكنة مختلفة بتجارب مختلفة، وفي كلتا الحالين لسبب، فلنقل، إن عوامل الاستعمار الفاعلة لديها تقاليد أيديولوجية وتجارية مختلفة بل ربما حتى.. مثلا في حالة ألمانيا كان للألمان نوع من التقاليد العسكرية حملوها معهم من ألمانيا ووفقا لها شكلوا استعمارهم وأداروه.

ماركو وِرمَن: وقد كانوا هم المستعمرين لتنزانيا- أو لما أصبح تنزانيا؟ 

عبد الرزاق قرنح: نعم، وكذلك أرى أن الأمر يتوقف على زمن حدوث ذلك. إذا نظرت إلى التجربة الاستعمارية في الهند، تحت قبضة البريطانيين، فقد شرع البريطانيون هناك كما شرع ربما الأوروبيون في أمريكا الشمالية، بضعف –كانوا واصلين لتوهم إلى هناك، ونوعاً ما معتمدين على فرار الشعب الآخر بنحوٍ ما. وبعد ذلك أخذوا يقوون أقوى وأقوى فأقوى.. وفي لحظة دخول القرن التاسع عشر وتقسيمات إفريقيا، كانت أوروبا، بالطبع، قوية، ومهيمنة، وليست في حاجة إلى سؤال أحد لفعلِ ما ترغب به. لذا حينها، عندما دخلت ألمانيا، بانَ التوسع الاستعماري احتلالًا حقاً. دع عنك أنه كان تجارياً أو له علاقة بالتجارة ثم تحول بالتدريج إلى شيء مختلف. بل كان منذ اللحظة الأولى احتلالا. 

ماركو وِرمَن: لقد كنتَ مراهقاً في سنة 1960م حين طالب الكثير مما كان في عداد المستعمرات سابقاً بالاستقلال على امتداد القارة الإفريقية. كيف تفهم الاستقلال؟ كيف استمر الاستعمار حتى بعد اللحظات الاحتفالية سنة 1960م، وكيف هو مستمرٍ إلى اليوم؟ ماذا الذي تراه على الأرض؟ 

عبد الرازق قرنح: لقد استمر الاستعمار بسبب ما كنا نظن انه سيحصل- متفائلون بإفراط. ما ظنناه هو أننا إذا أطلقنا العِنانَ للطاقات وللرغبات البشرية، على نحو ما كانت، التي عند المستعمَرين… – غير أن ذلك ليس ما حصل. لأن ما حصل هو ذات خصال البشر البشعة. الجشع والفساد وما إلى ذلك. لا أقول إن ما حصل كان كله قاتمًا وعبثيًا وغير ذلك الضرب من الأمور. لكن، أنت تعرف، يبدو الأمر أننا نخطو قُدما خطوةً واحدة ثم نعود القهقرى نصفَ خطوةٍ أخرى، وهكذا. وفي بعض الأماكن، لم نخطو قُدما!

ماركو وِرمَن: واحد من أوائل الكتب التي قرأتها حين عشت في غرب إفريقيا كان رواية تشينوا أتشيبي “الأشياء تتداعى”، المنشورة في أواخر الخمسينيات عشية إعلان استقلال نيجيريا، وجرت أحداثها في نيجيريا زمنِ ما قبل الاستعمار. ثم أصبحت الرواية من الأعمال المهمة لأدب ما بعد الاستعمار الحديث. طبعاً، رواية واحدة لا يمكنها أن تحكي القصة برمتها. ما دور الأدب في المجتمعات الإفريقية وهي في خضمِّ التحول وتحت الضغط؟ 

عبد الرازق قرنح: نعم، أرى أن دور الأدب في كل مكان هو، إلى حد ما، أولاً، تناول قضايا زماننا ومعالجتها. وقد تكون لوازم عصرنا أيضًا حول- كيف وصلنا إلى هنا؟ لذا، فثمة مجال للكتابة لتكون عنفَهْمِ ما حدث في الماضي أو عن فَهْمِ البشر بوضوح- فَهْمُ كيف نعيش وكيف نتصرف كوننا كائنات اجتماعية… كيف يتجاوز الناس المحن؟ لربما شيءٌ تتعلمه بالقراءة عن أحوال الآخرين وكيف تجاوزوا المِحن. لكن قبل كل شيء، فإن دور الأدب كذلك أن يمنحَ القارئ المتعة، ويُبهجه. إن حصل ذلك، فإنني أرى الأدب سيؤدي أيضاً وظيفة مهمة. 

ماركو وِرمَن: أخيراً، وبالنظر إلى أن كل هذه الأمور تجذبك نحو اليسار، واليمين، والوسط، لدي فضول لأعرف كيف احتفلتَ بما هو تقديرٌ حماسيّ جدًا: جائزة نوبل في الأدب. 

عبد الرزاق قرنح: في معظم الوقت أجدني أتحدث معكم، يا رفاق! لكن حين أظفر بلحظة أو لحظتين، نعم، أقعد وأحتفل بهدوء. 

حُرِّرت هذه المقابلة وأوُجزت بقدر طفيف لغرض الإيضاح. ولقد أسهمت مؤسسة AP في هذا التقرير. 

 

*يطلق مسمى زنجبار أحياناً على كامل الجزء الجنوبي الشرقي من البر الرئيس لمنطقة شرق إفريقيا شاملاً الأرخبيلات، وأحيانا ينحصر في الأرخبيل الواقع قبالة سواحل بر “تنقانيقا”. ولذلك أسباب. المترجم

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى