استنقاذ الحياة بعد الصدمة

حوار مع عبد الرزاق قرنح 


حجم الخط-+=

حاورته: صالحة حدَّاد 

ترجمة: صائل البحسني

عبد الرزاق قرنح هو مؤلفٌ لتسع روايات: ذاكرة الرحيل Memory of Departure، درب الحجيج Pilgrims Way، دوتّي Dottie، الفردوس Paradise (بلغت القائمةَ القصيرة لجائزتي البوكر و وِتْبْرِد)، تعظيم الصمت Admiring Silence، عبر البحر By the Sea (وقد بلغت القائمة الطويلة لجائزة البوكر كذلك القائمة القصيرة لجائزة كِتاب صحيفة اللوس أنجلس تايمس)، هجران Desertion (بلغت القائمة القصيرة لجائزة كُتَّاب الكُمُنوِلث)، آخر العطايا/ العطية الأخيرة The Last Gift، قلب متحجر Gravel Heart. عملَ أستاذاً للأدب في جامعة كِنت، وكان عضواً في لجنة تحكيم جائزة المان بوكر سنة ٢٠١٦. ويعيش حالياً في كانتربري.

تدرِّس صالحة حدَّاد اللغة الانجليزية في الجامعة بدوام جزئي. تخرجت في مجال دراسات الحضارة والأدب الأنجلوفونيَّيْن سنة ٢٠١٥. وهي محاوِرة في شؤون الرواية والقصة في مجلة “Africa in Dialogue إفريقيا تحاور” الإلكترونية. كتبت في مواضيع ثقافية للمنصة الإلكترونية الجزائرية Dzair World ولمجلة Ineffable Art and Culture بنسختيها المطبوعة والإلكترونية. كان ظهور عملها الإبداعي غير القصصي أول مرة على صفحات المجلة الإفريقية Agbowó.

جرت هذه المحادثة بين حدَّاد وقرنح على بعدٍ بين المملكة المتحدة والجزائر عبر البريد الإلكتروني.

 

صالحة حداد: مرحباً، شكرا لك على منحي من وقتك فسحةً للرد على أسئلتي. كانت رواية Afterlives* في نظري روايةً تملك على القارئ حواسه وتُبصِّره، لِما تحكيه من قصص تتضافر خلال أكثر من جيل ولِلسياقات التاريخية والاجتماعية التي تجري خلالها الأحداث. أتيح لي أن أقرأ عدداً من الروايات التاريخية بأقلام كتاب أفارقة، مثل رواية Afterlives التي قرأتها هذه السنة، وكل عمل قرأته من تلك الأعمال أشعرني أنه تجربة فريدة، تجربةٌ تعلمت منها الكثير عن تاريخ البلدان الإفريقية غير بلادي الجزائر. لماذا يحوز سرد القصص التاريخية أهميةً كبيرة توازي أهمية سرد قصص الزمن الحاضر، خصوصاً في سياق الأدب الإفريقي؟

عبد الرزاق قرنح: بإمكان الكتابة [الأدبية] عن لحظة تاريخية أحياناً أن يُكثِّفَ من فهمنا لواقعةٍ أو زمن نحن نعرفه بإيجاز أو كأنه قصةٌ واقعية بسيطة. لست أظن أن المدة التي تجري خلالها أحداثُ قصةٍ أمرٌ يهمُّ حقاً في نهاية المطاف، سواء كانت الكتابة عن زمن ماضٍ أو حاضر، فما يهمُّ هو الموضوعُ ومعالجته.

صالحة حداد: تغطي الرواية حقبة تاريخية طويلة تمتد من عهد الاحتلال الألماني حتى الاستقلال. ما نوع البحث التاريخي الذي قمت به لتبعث هذه الحقبة الزمنية المديدة حيةً في عملك؟ وهل هو مشابه لما قام به “إلياس” من بحث عند منتهى رواية Afterlives؟

عبد الرزاق قرنح: إن موقع أحداث الرواية ليس بعيداً عن المكان الذي ولدت فيه ولقد نشأت وعلى مسمعي قصص الحرب والأزمنة الماضية. لذا وفي المقام الأول لدي تجاربي الشخصية مصدراً لمعلوماتي حول الموضوع. ثم كانت المواجهة مع الاستعمار بعداً مركزياً في عملي بالتدريس وبالبحث العلمي. لقد قمت ببعض القراءات المركَّزة فيما يخص شرق إفريقيا تحت الحكم الألماني الأمرُ الذي أزاد فهمي لتلك الحقبة، لكني على عكس “إلياس” لم أضطر إلى أن أرجع إلى الأرشيفات أو أن أقابل أشخاصاً.

صالحة حداد: إن رواية Afterlives قصةُ أكثر من جيل، بشخصيات عديدة تحيا تحت الظروف القاسية نفسها، من استعمار وحرب وفقد وحرمان. غير أن كل شخصية فيها فريدةٌ بما لها من اختلاف في آفاق النظر والأفعال والاستجابات لتلك الظروف. هل اُستوحيَ أيٌّ من هذه الشخصيات من حياة إنسان حقيقي؟ وأيّ شخصيةٍ كانت الأصعب في إعادة بنائها أو في تخيلها؟

عبد الرزاق قرنح: ما من شخصية من شخصيات الرواية كانت مستوحاة من حياة أناسٍ حقيقيين. أضيف بضعة من إمرئ إلى بضعة من امرئ آخر حقيقيّ أو متخيَّل لأُبدعَ الشخصية التي في ذهني. وذلك لأنني أحيا مع هذه الشخصيات شهوراً عديدة أو سنواتٍ تستغرقها عمليةُ الكتابة، وهذه الشخصيات تتطلب ثباتاً أو واقعاً مكتفٍ بذاته. تبني الشخصيات أحيانا نفسها مع مجرى الأحداث إن جاز التعبير.

صالحة حدَّاد: في الرواية شخصيات نسائية أخاذة ومعقدة، مثل عَيشة Asha وعافية Afiya، بغض النظر عن حقيقة أن النساء في ذلك الزمن، حيث تجري أحداث الرواية، كُنَّ مُهمَلات الجانب في مجتمعهن أو لا يحظين باعتبارٍ إلا في صلوح إحداهن للبيت والزواج. لقد أحسستُ أن ذلك دليل على أن هكذا شخصيات أنثوية يمكن لها أن تُكتَب على نحو جيِّد ضمن قصةٍ، حتى وإن جرت أحداثها في أزمنة مختلفة بالكامل عن زماننا. هل تظن أن الكُتَّاب اليوم ما عاد في مقدورهم أن يتحججوا بعذرٍ ويكتبوا شخصياتٍ أنثوية بسطحية أو بدون فاعلية لسبب الإطار الزمني حيث تجري فيه أحداث القصة؟

عبد الرزاق قرنح: لم يبدُ لي، خلال تجربتي، أن المرأة مهملة الجانب في كونها موضوعًا للكتابة. وللأمر مغزى، مع ذلك، من رؤية أنهن في مراتٍ مُثِّلن شخصياتٍ ليس لها فاعلية أو طموح وفي مرات أخرى سُطِّرنَ نساءً قوياتٍ على نحو غير واقعي. الأمر، بالطبع، متروك للقارئ ليقبل أو يرفض جهود الكاتب أياً كانت الأعذار الممكن أن ترافق تلك الجهود.

صالحة حداد: تستعرض روايتك العديد من الثيمات الحساسة التي قد تولد ضيقاً في نفوس القراء من مثل قرارات “إلياس” وأفعاله (وهو أخو عافية). يأخذ “إلياس” قرارا ويلتحق بالـ”عسكري Askari”** رغم معارضة صديقه “خليفة” ويأبى إلا أن يحارب في صفوف الألمان، ثم نعرف أنه أراد عودة المستوطنات قرب نهاية الرواية. وإذ نعرف الدوافع خلف أفعال “إلياس” وآرائه -وهو الذي نشأ مع الألمان- هل هذه الدوافع عذر كافٍ يبرِّر تعاونه مع المستعمرين وقبوله إياهم؟ وهل كشفك التام لدوافعه دعوةٌ للقراء إلى أن ينظروا ربما إلى أناسٍ حقيقيين مثله من منظورٍ أعنى بالفوارق الدقيقة؟

عبد الرزاق قرنح: إننا نعرف أن معظم الجنود الذين شاركوا في هذا الصراع كان من الأفارقة، بعض منهم من من أبناء السكان المحليين وبعضهم من أمكان أبعد. لقد تطوعوا للقتال مرتزقةً في خدمة المستعمِر، ضد أفارقة آخرين. وكان لهم أسباب وراء تجندهم، منها ما ينالونه من عمل بأجر، ومن اعتبار أو حظوة جراء ارتباطهم بالسلطة أو مغامرة. ولنا من موقعنا في التاريخ قد يبدو ارتباط كهذا غير مفهوم، لكن مفهوميته تتكشف إذا طالعنا السياق. ما من معنى للكتابة حول واقعة تاريخية كهذه دون تعاطف أو تفهم لدوافع من يلعبون أدواراً داخلها.

صالحة حداد: موضوع المرض حاضر على مدى واسع في رواية Afterlives من مطلع بدايتها. تصور كتابتك بإتقانٍ معنى أن تكون مريضاً على نحو شديد المباشرةِ، حتى إني استطعت أن أشعر بالألم الذي تعانيه شخصيات الرواية. استوقفتني هذه الفقرة على وجه التحديد والتي تتناول والد “خليفة”: ’استقام خليفة للحظةٍ ينظر إليه، بدا شديد النحول وضئيلاً عند موته بعد إذ كان شديد القوة ومضرب بطولةٍ في حياته‘. نرى في هذه الكلمات المعدودة كل ما بمقدور المرض فعله بإنسان مهما كان هذا الأخير قوياً قبل ذلك. هل ميلك إلى وصف المرض بأسلوب شديد في مباشرته كالذي سبق تعبيرٌ عن هشاشة حياة الإنسان؟ ما صلة هذا الموضوع تحديداً بعنوان روايتك؟

عبد الرزاق قرنح: ميلي إلى الكتابة عن الأمراض في الوقت الحالي هو بغية بيان مدى تفشيها في تلك الحقبة من الزمن، وبالتأكيد بغية إظهار كيف كان الناس غير مُحصَّنين لعواقب ذلك. ما العنوان بإشارة إلى هذا لكن له علاقة بالأسلوب أو الطريقة التي يستنقذ بها الناس حيواتهم بعد صدمةٍ.

صالحة حداد: تضم الرواية في صميمها مواضيع قاسية جداً غير أن موضوع الحب حاضرٌ جداً كذلك. يبدو أنَّ معظم الشخصيات يجمعها الحب والمودة، أو يحمل معظمها حباً لمهنة أو حرفة معينة، مثل الحب بين “عافية” و”حمزة”، وحب “إلياس” لأخته “عافية” وبهجة “إلياس” بحرفة النجارة وميل ابنه إلى قصِّ القصص. هل الحب ما يجعل شخصيات الرواية يواصلون تقدمهم في الحياة رغم مآزقهم وحال العالم من حولهم؟

عبد الرزاق قرنح: إنه أحد الأمور التي تجعل الناس يواصلون تقدمهم في الحياة: المودة وأعمال المعروف العابرة التي يبذلها بعضنا لبعض حتى في أصعب الأوقات.

صالحة حدَّاد: كونك كاتباً تنزانياً واسع القبول ومشهور وذا خبرة، بماذا تنصح الكتَّاب الصاعدين والجدد من مختلف البلدان الإفريقية؟

عبد الرزاق قرنح: ما من نصيحة أعرفها فأسديها لغيري إلا أن يوصلوا الكتابة. 

صالحة حداد: أشكرك مرة أخرى على منحي من وقتك فسحةً للرد على أسئلتي. شرفٌ أنني استطعت توجيه أسئلتي إليك. 

عبد الرزاق قرنح: شكراً لك.

 

*:Afterlives ظاهرياً يبدو “حيوات بعد الموت” مقابلاً ممكناً للعنوان الإنجليزي لكن مع متابعة حديث الكاتب في هذي المحاوِرة يتبين أن ما يقصده ليس بالضرورة حياة بعد موت ووفاة وإنما القصد الحياةُ الجديدة التي يستنقذها الإنسان أو يحققها بعد شطرٍ من عمره أُثقل بالصدمة والألم هو بحد ذاته حياة أولى ماضية ضمن حياته الواحدة نفسها كليا، لذا فالمقابل العربي للعنوان قد يكون :”حياة/حيوات جديدة” أو “حياة أخرى” إلخ. المترجم.

**:Askari لفظة سواحلية عربية الأصل كانت تطلق على الجنود المحليين الذين كانوا يخدمون في جيوش القوى الاستعمارية الأوروبية في إفريقيا. المترجم

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى